برلمان الجزائر القادم   
الأربعاء 1433/4/28 هـ - الموافق 21/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:32 (مكة المكرمة)، 9:32 (غرينتش)

شبح الأغلبية الصامتة
حرب إعلامية متعددة الأطراف
المتوقع والافتراضي؟

من المنتظر أن تغلق قوائم التسجيلات في الاستحقاقات التشريعية القادمة في 26 مارس/آذار الجاري، لتبدأ وزارة الداخلية دراسة الملفات ومراجعتها مع الأحزاب بعد تنقيتها من "رائحة الجبهة الإسلامية للإنقاذ" والأسماء غير المرغوب فيها لدى دوائر المصالح الأمنية، لتعتمد بعد ذلك وتدخل الحملة الانتخابية المقررة يوم 15 أبريل/نيسان القادم، فما هي حسابات السلطة وما هي توقعات الأحزاب؟

شبح الأغلبية الصامتة
بدأت الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المزمع إجراؤها يوم 10 مايو/أيار 2012م قبل فتح باب التسجيلات فيها للأحزاب الجديدة، وتزامن الخطاب الرسمي لاستدعاء الهيئة الناخبة مع كوارث طبيعية أصابت البلاد والعباد.

ولم يحمل الخطاب أية إشارة إلى ضحاياها بقدر ما حمل الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات مما أثار ردود أفعال سلبية، فاضطر الرئيس عبد العزيز بو تفليقة مرة ثانية إلى توجيه خطاب أخر من غرب البلاد، وصف بـ(الخطاب الناري) اعتبر فيه الموعد الانتخابي أنه "لا يقل أهمية عن أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954م (تاريخ اندلاع الثورة التحريرية من الاستعمار الفرنسي)" وحمّل الأحزاب" المسؤولية الأكبر في عملية التجنيد، ووعد "بحياد الإدارة" وبوجود مراقبين دوليين وبتغطية إعلامية واسعة، وحذر من المقاطعة قائلا "أعين العالم كلها متجهة نحونا، إذا نجحت هذه الانتخابات، فعلى بركة الله، أما إذا حدث العكس فعفاكم الله مما خفي".

وتم تشكيل لجنة لمراقبة الانتخابات من 316 قاضيا، وأبقى الرئيس على الحكومة لإدارة الانتخابات بالرغم من أنها تتشكل من ثلاثة أحزاب (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم).

أويحيي:
إذا رغبنا في عدم رؤية بعضنا مذبوحين، وعدم رؤية مظاهر التسلح بالكلاشينكوف، وإذا أرادت المرأة أن تبقى مسلمة كما جاء في الإسلام, فعلى الجزائريين الذهاب إلى التصويت بقوة!

اختار الوزير الأول أحمد أويحيي شرق البلاد ليحذر الشعب الجزائري من عودة "مظاهر الذبح والتقتيل" قائلا: "إن ما وقع في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991م كان فيه الامتناعُ الفائزَ الأكبر, مما سمح للآخرين بالاعتقاد بأنهم فازوا، بل إن عزوف الشعب هو الذي صور لهم فوزهم، وأدخل البلاد في الدم... وإذا رغبنا في عدم رؤية بعضنا مذبوحين، وعدم رؤية مظاهر التسلح بالكلاشينكوف، وإذا أرادت المرأة أن تبقى مسلمة كما جاء في الإسلام وليس إسلام الدراويش الذي يقترحونه، والحفاظ على استقلال الجزائر من أية هيمنة خارجية تحت غطاء الديمقراطية, فعلى الجزائريين الذهاب إلى التصويت بقوة وقطع الطريق أمام من يتربصون بالبلاد".

جاء خطاب الوزير الأول متناغما مع خطاب رئيسه ففتحت وزارة الداخلية عملية اعتماد الأحزاب من منعها ليصل عدد المشارك منها في الانتخابات 20 حزبا مقابل 22 من المعتمدة سابقا، وأغلب الأحزاب الجديدة هي امتداد لجمعيات كانت مساندة لبرنامج الرئيس.

كان متوقعا أن يعلن سعيد سعدي (حزب التجمع من أجل الديمقراطية ) مقاطعته للانتخابات بعد تسريب معلومات عن مشاركة حزب حسين آيت أحمد (جبهة القوى الاشتراكية) وهما حزبان محسوبان على المنطقة القبائلية، إذا شارك أحدهما في الانتخابات يقاطعها الثاني، وجاء بعد ذلك بيان الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر بدعوة أنصارها إلى المقاطعة.

إن زيارة السفيرين الأميركي والفرنسي إلى مقر حزب إسلامي قبل اعتماده ( حزب العدالة والتنمية) أثار الكثير من الجدل والتكهنات حول ما دار بينهما، لكن زيارة هلاري كلنتون للجزائر ولقائها بممثلي المجتمع المدني زاد في ارتباك السلطة خاصة بعد أن صرح السفير الأميركي هنري انشر، في ندوة صحفية عقدها مع مستشارها الخاص رونان فارو، قائلا: "إن التشريعيات المقرر إجراؤها فرصة سانحة أمام الجزائريين لتغيير نظام الحكم في البلاد"، اعتبرت السلطة هذه التصريحات بمثابة مؤشر على أن هناك "مشروعا للتدخل" في الشأن الجزائري.

حرب إعلامية متعددة الأطراف
وبمجرد ما تم تنصيب اللجنة القضائية المستقلة لمراقبة الانتخابات بدأت حرب إعلامية بينها وبين وزارة الداخلية, وتبادل الطرفان الاتهامات مما أدى باللجنة إلى تجميد نشاطها لمدة ثلاثة أيام احتجاجا على تدخل الإدارة في شأنها الداخلي.

وتدخلت بعض الأحزاب لتكشف ما تسميه بالتزوير المسبق، فقد صرحت لويزة حنون (رئيسة حزب العمال) بأنه تم "ضخ أسماء المئات من المجندين في القوائم الانتخابية بعد غلق القوائم، دون شطبهم من السجلات الأصلية"، مشيرة إلى 33 ألف مجند في ولاية تندوف وهي مدينة لا يتجاوز سكانها 60 ألف نسمة، وتصدى لها الوزير الأول أحمد أويحيى متهما إياها بـ"المساس بمصداقية الدولة والجيش"، قائلا: "الجيش ليس مؤسسة مزوّرين"، ونفى وزير الداخلية أن تكون لوزارته علاقة بالعملية وتداولت وسائل الإعلام تقارير تفيد أن لوزير العدل والوزير الأول علاقة بها.

عمارة: الانتخابات القادمة ستكون مقبرة الأصوليين، وجاب الله يرد: العلمانيون يخدمون مصالح أجنبية  

واشتعلت حرب أخرى بين ممثلي التيار الإسلامي والتيار اللائكي الذي يقول زعيمه الجديد عمارة بن يونس (أمين عام الحركة الشعبية) بأن: "الانتخابات القادمة ستكون مقبرة الأصوليين"، ورد عليه الشيخ  عبد الله جاب الله (حزب العدالة والتنمية) زاعما: "أن العلمانيين يخدمون مصالح أجنبية"، في حين أن الشيخ أبو جرة سلطاني فضل أن يشكل "تكتل الجزائر الخضراء" مع حركتي النهضة والإصلاح اللتين كان يتزعمهما الشيخ جاب الله وانقلبتا عليه، لتدخل هذه الإسلامية الثلاثة بقوائم موحدة، وهي أول مرة يتم فيها التحالف بين أحزاب إسلامية في الجزائر، علما بأن حركة مجتمع السلم ما تزال في الائتلاف الحكومي ولها أعضاء الحكومة، وإن كانت قد أعلنت انسحابها من التحالف الرئاسي المساند لبرنامج الرئيس.

المتوقع والافتراضي؟
أصبح عدد الناخبين 21 مليون ناخب من 34 مليون نسمة، وتم تسجيل 4 ملايين ناخب جديد، الأمر الذي جعل الأحزاب تشكّك فيه، غير أن العارفين بالشأن الجزائري يقولون إن المستفيد من الناخبين الجدد هو الأحزاب الجديدة عن المجتمع المدني الشباني، خاصة بعد أن ارتفع عدد أعضاء البرلمان من 389 إلى 462 نائبا.

إن منح السلطة الجزائرية 30 % من مقاعد البرلمان للعنصر النسوي سيمكن 150 امرأة من الدخول إلى البرلمان دون أي جهد سوى وجودهن في القوائم، يضاف إليهن اللواتي قد يتصدرن القوائم في الانتخابات، واللواتي سيأخذن 50 % من قوائم الجاليات الجزائرية بالمهجر، وستشكل النساء الثلث "الناعم" في البرلمان.

وتراهن الأحزاب الإسلامية على تداعيات الربيع العربي للحصول على موقع الصدارة في الانتخابات القادمة إذا ما تراجع التزوير فيها، وترجح أغلب التقارير أن يحتل حزب العدالة والتنمية (عبد الله جاب الله) مع 9 أحزاب أخرى ذات توجه إسلامي نسبة تتراوح مابين 20الى 35 %، بينما تشير التقارير نفسها إلى احتمال أن تحظى الأحزاب الوطنية بنسبة لا تتجاوز 30 %، في حين أن بقية المقاعد يتقاسمها الديمقراطيون واللائكيون مع قوائم الأحرار.

إن التكهنات بوجود خمْس تشكيلات سياسية لتغيير الدستور وهي التيار الإسلامي والتيار الوطني والقائمة النسوية والديمقراطيين والأحرار يأتي نتيجة حراك سياسي جديد مع الرهان على وسائل الإعلام، خاصة وأن الفضائيات الجديدة ستكون تحت تصرف الأحزاب.

عنصر المفاجأة سيكون ضربة للكثيرين الذين نسوا ردة فعل الأغلبية الصامتة التي يحاول البعض استفزازها دون مراعاة معاناتها اليومية

ويجمع المراقبون على أن الأحزاب الإسلامية التي لم تشارك في السلطة السابقة أو الحالية هي الأوفر حظا في احتواء المحتجين والغاضبين على النظام القائم، لكن يبقى ذلك كله مجرد تخمينات وافتراضات باعتبار أن أصحاب القرار في الجزائر يريدون برلمانا فسيفسائيا يتمكنوا من خلاله تسيير الأزمة الجزائرية نحو الحل الذي يرغبون فيه حتى يضمنوا من يخلف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في رئاسيات 2014م.

ولعل هذا ما جعل الكثير من الأحزاب تسعى إلى دعم السلطة الحالية حتى لا يتم مسحها من الخريطة السياسية الجديدة، لأن خلفها يقف مرشحون افتراضيون قادمون، إلا أن عنصر المفاجأة سيكون ضربة للكثيرين الذين نسوا ردة فعل الأغلبية الصامتة التي يحاول البعض استفزازها دون مراعاة معاناتها اليومية والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تتخبط فيها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة