حرب الصومال.. القتال نيابة عن الاحتلال   
الأربعاء 1430/6/10 هـ - الموافق 3/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)
مهنا الحبيل


هيئة علماء الصومال تتحرك
خلط الأمور لشرعنة الحرب
الراعي الإقليمي من وراءه
الرفض الاستعماري لانتهاء المشهد السابق
المعركة لن تنتهي برأس شريف

كنّا قد اشرنا إلى هذا السيناريو الأسوأ الذي تحدثنا عنه في المقالة التي نشرت بعنوان "الصومال نجاح المقاومة هل يحبط الفتنة؟" في الجزيرة نت بعيد تسلم شريف شيخ أحمد الرئاسة المؤقتة ومنذ الأيام الأولى بدأ انشقاق أسمرة توجهه الجديد الذي انتهى إلى إعلان الحرب مؤخرا على الدولة الوليدة.

واتضح جليا منذ التوجهات الأولى للحزب الإسلامي (الجناح المنشق للمحاكم الإسلامية) أن هناك برنامج عمل محددا ومقطوعا به وغير قابل للمفاوضات أو وقف العمل العسكري.

وتبين المشهد بوضوح بأن ما طرحه الحزب الإسلامي من شروط طُبقت أهمّها بالفعل وكان جزءا رئيسيا منها من اهتمام هيئة علماء الصومال ذاتياً وهو إعلان تطبيق الشريعة والعمل على تنفيذها بحسب القدرة على الأرض, لم يكن إلاّ غِطاءً للتحضيرات الكُبرى للحرب التي اشتعلت بمذبحة المدنيين في جنوب مقديشو عبر تحالف كامل بين الحزب الإسلامي والقاعدة ممثلة بحركة الشباب المجاهدين بعد أن رفعت رسميا الشعار المشهور وسقوط مدينة جوهر في يد التحالف.

هيئة علماء الصومال تتحرك
"
النيّة المبيتة لدى بعض القيادات في الحزب الإسلامي كانت تُسابق الزمن لمنع أي فرصة لوقف إطلاق النار وإجراء مصالحة بين قيادة مقديشو والحزب وبالذات بعد أن تمحورت الوساطة الإسلامية مع برنامج هيئة علماء الصومال
"
وكانت هيئة علماء الصومال قد أخذت موافقات كاملة وتجاوبا مباشرا من قيادة مقديشو الجناح الأكبر للمحاكم على أمل أن يتوقف الهجوم ويُبدأ بالفعل بترتيب الحالة الأمنية فوراً للطلب من القوات الأفريقية بالانسحاب غير أن النيّة المبيتة لدى بعض القيادات في الحزب الإسلامي ذات الصراع الشخصي والفكري مع القيادات الأخرى كانت تُسابق الزمن لمنع أي فرصة لوقف إطلاق النار وإجراء مصالحة بين الفريقين وبالذات بعد أن تمحورت الوساطة الإسلامية التي قادها بعض العلماء من الحركة السلفية والإخوان المسلمين والمستقلين مع برنامج هيئة علماء الصومال.

 وقد بدا هذا أنه أمرٌ مقلق لتلك الشخصيات والراعي الإقليمي لها في أسمرا ولذا بادرت بتسريع الأحداث وتفجير العمل العسكري في أنحاء البلاد, وركزّ الحراك على اغتيال الأطقم الفكرية والإدارية والنخبة من قيادة المحاكم وبعض قيادات المقاومة التي هَزمت الجيش الإثيوبي بعمل منظم إضافة إلى استنساخ بعض الوسائل من التفجير في أوساط المدنيين مع ملاحظة أن هذا التفجير يقع في أوساط وشخصيات الساحة الإسلامية كما هو معروف.

خلط الأمور لشرعنة الحرب
ومن المفارقات العجيبة أنّ قيادة جناح أسمرا كانت تضع الشروط في خطاب إعلامي وفي الخطاب الآخر الموازي تستدعي المشهد العراقي لتطبقه على الصومال مع افتراق الوضع الميداني عن العراق والجهات القائمة على مشروع المصالحة ووجود قوات إسلامية من الجانبين ووساطة راعية أعطيت الكلمة تنتمي إلى علماء الصومال ومدعومة من العمق الإسلامي.

إلاّ أنّ قيادة الحزب وشركاءه كانوا يعرضون خلطاً غير متصور عقلاً ولا شرعاً بين حالة العراق وحالة الصومال مستثمرين ذلك الصخب والضجيج للتغطية على أشلاء المدنيين في الصومال بحساسية الاحتلال الأميركي للعراق ومغزاه في الضمير الإسلامي, فهناك في بغداد قوات وحالة احتلال قائمة لم تخرج بعتاد عسكري ضخم وعملية سياسية هي أنتجتها من البداية ولا تزال ترعاها ولا يوجد على الإطلاق أي نوع من التأول المشابه لحالة الصومال.

أمّا في الحالة الصومالية فالقوات الأصلية الغازية انسحبت, نعم هي متربصة خلف الحدود لمن يخدمها من جديد ويفتك بقوى الممانعة الإسلامية نيابة عنها لتدخل من جديد لكنّها الآن في حالة انسحاب فعلي ولا يوجد مقارنة بين قوات وعتاد غاز احتلالي وبين مجموعة فرق أفريقية استخدمت غطاء للعهد السابق وهي خاضعة عمليا لمحاصرتها, بل واستعدادها بالخروج أمرٌ محكوم بأحكام المصالحة والطلب المباشر منها.

وفي الحالة الصومالية هناك رعاية أُعطيت حق الحكم في الخلاف وهي مرجعية شرعية تُعلم الفريقين بما تراه حُكماً شرعياً, ومع ذلك لم يُطرح على الطرف الآخر تفكيك قوات الحزب الإسلامي أو إدماجه في الجيش المطلوب تأسيسه لحماية الأمن الصومالي وطنيا بتوحيد جيش المحاكم ما دام الحزب يرفض, فقط كان المطلوب منه أن يوقف إطلاق النار واستهداف المدنيين ووقف التضييق عليهم في معيشتهم وفتح الباب لتطبيق ما اتُفق عليه وطالب به الحزب الإسلامي نفسه, ولكن قيادات الحزب نفسها كانت تُعيق ذلك فمن يدفعها؟

الراعي الإقليمي من وراءه
"
أفصح مسرح الأحداث الجديد عن دفع قوي لأسمرا وتأثير واضح ولو ضمنياً لخط سير الأحداث العسكرية والسياسية التصعيدية وخاصة من خلال الدعم الكبير والعتاد العسكري الذي يَعبر من إريتريا إلى الصومال
"
أفصح مسرح الأحداث الجديد عن دفع قوي لأسمرا وتأثير واضح ولو ضمنياً لخط سير الأحداث العسكرية والسياسية التصعيدية وخاصة من خلال الدعم الكبير والعتاد العسكري الذي يَعبر من إريتريا إلى الصومال ومع الاتفاق على أنّ أسمرا تُدير هذه الحرب بهذه الشراسة لمصلحة لها وهي تدمير ما تبقى من مشروع المحاكم الإسلامية وهو هدف أيضاً لأديس أبابا لكن كِِلا الطرفين يسعى ليكون البديل بيده وقد سقط مرحليا بديل حكومة عبد الله يوسف بيد أثيوبيا وبقي أنّ يحل البديل الآخر لأسمرا إن نجح لكن ليس الآن.

الجانب المهم في الموضوع والخطير أنّ هذا الدعم الهائل من أسمرا لا يزال يعبر قريباً من قواعد الوجود الإسرائيلي المعروفة وعلاقة تل أبيب المستمرة مع أسمرا وهو ما يثير سؤالا مهما من أين جلبت أسمرة هذا الدعم لمشروع الأرض المحروقة للحزب الإسلامي؟؟ هناك جواب واحد!!.

الرفض الاستعماري لانتهاء المشهد السابق
من المهم أن يستوعب الموقف الدولي الاستعماري لانتهاء المشهد السابق بانتصار المحاكم الإسلامية وعودتها وتشكيلها حكومة مؤقتة وإن لم تستقر الأمور لها وتعود لاستكمال البناء الذاتي بشراكة وطنية بحكم أنها في أول خطوة بعد الانتصار.

هذا المشهد الذي وصلت إليه حركة المحاكم الإسلامية في تزامن مع تورط أديس أبابا مع المقاومة والراعي الدولي للغزو وهي واشنطن في وقت حرج لصناعة التاريخ الأميركي الجديد وخسائره في العراق وأفغانستان قبل به المحور الدولي على مضض وبصورة مؤقتة, لذا وبرغم ما يبديه المحور الدولي من قربه من حكومة مقديشو الجديدة إلا أن هذا ليس هو الموقف النهائي، وفي نهاية الأمر فإنّ مشروع أسمرا لتفتيت قوى الممانعة بدعم تل أبيب سيكون الخيار المفضل لعودة نفوذ المحور الدولي إلى الصومال بعد أن كُفي المؤونة بأيدٍ محلية ترفع راية إسلامية تُصفي المشهد وتنقله لحرب أهلية تنهك الجميع وتهيئ للتدخل الجديد.

المعركة لن تنتهي برأس شريف
ومع الأخذ بالاعتبار تطور المعارك أخيراً فإن الوضع الإستراتيجي لن يحسم لو خسرت هذه المقاومة وحتى بسقوط مقديشو, فما يجري الآن من تصفية للجناح المركزي من قيادة وقواعد المحاكم الإسلامية ليس سوى المرحلة الأولى للمشروع الدولي, فمع برك الدماء التي ستقف مرحليا لو استطاع الحزب قتل شيخ شريف, تكون قد أنجزت أهم مراحل الخطة وهي ضرب المشروع السياسي الإسلامي للمحاكم والقضاء عليه قضاءً مبرماً.

ثُمّ انتظار مرحلة فقدان التوازن الكامل للصومال واشتعال الحرب الإقليمية في داخله, وخلالها من المتوقع اندلاع حرب أخرى بين الحزب الإسلامي وحركة الشباب المجاهدين لكون أن هناك اختلافا بين المنطلقات لقواعد التفكير للحركة وبين أصول التفكير الشرعي المُطلق حيث ينتهي فكر القاعدة إلى طلب التسليم وفقط التسليم من الطرف الآخر أو مواجهته كمرتد أو باغ.

"
بغضّ النظر عن وصول الصومال لمرحلة اقتتال الشريكين أو عدمه فإن الحالة التي سيرثها الصومال بعد حالة فقدان التوازن ستُعطي الضوء الأخضر للمشروع المركزي الأميركي ببعده التوسعي الاستعماري
"

وبغضّ النظر عن وصول الصومال لهذه المرحلة من اقتتال الشريكين أو عدمه فإن الحالة التي سيرثها الصومال بعد حالة فقدان التوازن ستُعطي الضوء الأخضر للمشروع المركزي الأميركي ببعده التوسعي الاستعماري أو ما يخص أمن إسرائيل في القرن الأفريقي, حينها سيتوجه المجتمع الدولي وبدفع أميركي له وللاتحاد الأفريقي لخلق البديل المنقذ للمشهد الدموي -أي بديل دولي- المحتج به بالنسبة للمشروع الدولي ليعيد توازن حلف شمال الأطلسي، والرعاة يشيرون إلى بحيرة الدماء ومن خلفها يخضع العالم لرؤية السارق والمجرم الأصلي.

لكن ذلك بكل تأكيد إنما هو إدانة لمن هيأ المشهد وصنع الكارثة المتفق على أنّها مُحتّمة مع الأجنبي في حين رفض المختلف الاسمي فيه بحسب زعمه ولو كانت أصوله الشرعية والعقلية من صيانة الدماء ووحدة الأرض في يد أهل البلاد وبراياتهم الإسلامية, وإن اعتذر وكابر غدا فإن التاريخ لن يعود للوراء فهل سترجع الأرواح التي أزهقها والوطن الذي أنهكه وقدمه للمعتدي؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة