عندما تستبد بنا الغرائز   
الأحد 1428/10/17 هـ - الموافق 28/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)
وائل مصطفى

الاستبداد سادتي، لا يرحم كما أنه طبائع، والطبائع غرائز، والغرائز أبدا لا تتبدّل ولا تتغيّر، ولكنها دوما قابلة للتهذيب، وهي إما غرائز موت وإما غرائز حياة.

"
ستبقى سياسة ما يعرف بالفوضى الخلاقة التي تتبناها وترعاها أميركا في منطقة الشرق الأوسط فلسفة لا تستند إلى منظومة ضميرية، ولا تعرف خلقا ولا يعترف بها معتقد ولا دين
"

عندما تستبد غرائز الموت يسود الكره والتعدي والعنف والنزوع إلى الدمار، وعندما تكون الغلبة لغرائز الحياة فلا بديل عندئذ عن الحب والسلم والوئام والنزوع إلى كل ما فيه بناء وعمارة.

آخر الصرعات في عالم الغريزة والاستبداد، صرعة وزير الخارجية الفرنسي كوشنر التي أعلنها بكل كبرياء وغرور بأن خيار الحرب مع إيران مفتوح، وأن على الجنرالات أن يضعوا خططها ويستعدوا لها.

فهو بذلك، ومن شدة جموح غريزته تراه وقد عمي عن حقيقة كون مشروع إسرائيل النووي يعود الفضل فيه إلى أسياده، وأن التفلت النووي في منطقة الشرق الأوسط إنما هو عائد إلى تلك المحاباة التي تتمتع بها إسرائيل من قبل بلاده، وغير بلاده، وعلى حساب العرب والأكراد والأتراك والإيرانيين، وضمن ألاعيب سياسية تكتيكية وإستراتيجية، آنية ومرحلية، وتبعا لما يخدم المصالح الاستعمارية الأوروبية والأميركية.

وعندما تكلم العقل والمنطق المتمثل في بيان الوكالة الدولية للطاقة الذرية على لسان وكيلها وأمينها العام، محمد البرادعي الذي أكد أهمية الدبلوماسية والحوار لا اللجوء إلى الحرب والقوة كخيار، كانت ردة الفعل الغرائزية لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، حتى وهي في طريقها إلى الشرق الأوسط للحديث في السلام وعن السلام.

فهي بكل سفور وعتو ونفور قد أنكرت على البرادعي أطروحته السلميّة، وكان أن لطمته كعادتها لطمة سياسية، وقالتها بكل غلظة وفظاظة: "إن على البرادعي ألا يتجاوز حدوده. وعلى العالم أجمع أن يعلم بأنه لا ينفع مع إيران إلا القوة، ودبلوماسية الأنياب".

بوش وصقوره الجارحة، ومن هم حلفاء اليوم والبارحة، تراهم يقتلون يوميا -وبفعل الهيمنة الغرائزية على حسهم ومداركهم ومكامن العاطفة والانفعال لديهم- العشرات والمئات، وفي نهاية المطاف يقولون إنهم يحاربون الشر والدكتاتوريات.

ستبقى سياسة ما يعرف بالفوضى الخلاقة التي تتبناها وترعاها أميركا في منطقة الشرق الأوسط فلسفة لا تستند إلى منظومة ضميرية، ولا تعرف خلقا ولا يعترف بها معتقد ولا دين.

وما لم يعد القائمون عليها إلى ما هو نظام وقانون، وإلى ما هو حكمة ورحمة، فإن محصلتها المزيد من التقتيل والتدمير، والمزيد من تفريخ وتوليد ما ينعتونه صباح مساء عدوانا وعنفوانا ودموية وإرهابا.

من هنا وبفعل هذا النهج تولد الاغتراب، ورويدا رويدا تعاظم وعم الاضطراب، وهدد المسار والمسير، وأضحى حال البشر في خطر، وكل هذا ما كان ليحدث لولا الاستجابة لجموح الغرائز واستبداد من هم عبيد لها.

صحيح أنه لولا الغرائز لما استمرت الحياة، ولما كان هنالك مجال لحفظ بقاء ولا نوع، ولما كان هنالك عمل ولا نمو ولا تطور، ولكن عندما تعمل هذه الغرائز في واقع أصحابها في معزل عن قيم الحرية والعدل والمساواة، وفي ظل أجواء من العنصرية والتحيز، سرعان ما تراها وقد استبدت بهم لتجعل منهم طغاة عتاة، لا مفر لهم ولا سبيل أمامهم إلا الغطرسة والقرصنة والعمل على تحطيم مبادئ الإنسانية والعزة والكرامة.

من هذا الواقع السيكولوجي ومن غيره اشتق واستنبط علم النفس ما عرف بغرائز الموت والعدوان "الثاناتوز" عند سغموند فرويد، أول من ميّزها في العصر الحديث عن غرائز الحياة "الإروز"، وأول من عدها من محركات الحرب العالمية الأولى وما سبقها وما تلاها من فظائع وحروب.

أخطر ما في الأمر أن تستبد غرائز الموت والعدوان بمن هم في موقع المسؤولية التاريخية في واقع البشرية، ومن هم في موقع اتخاذ القرارات المصيرية والإستراتيجية.

فمثل هذه الحالة لا مناص من تهديدها للوجود الإنساني وإلحاقها أقصى درجات الأذى بمن هم أبرياء من من لا حول لهم ولا قوة، ولا زلة ولا علة إلا لكونهم يحملون أوصافا أو أسماء معينة، من هذا اللون أو ذك، وينتمون إلى قوم أو جنس دون غيره، وربما إلى أرض ما أو شعب أو أمة ما.

حركة الاستعمار، خاصة عندما تتزامن مع سياسات القهر والقمع والكبت ونوايا التقتيل والتدمير، وفي بعض الحالات النزوع لفعل الإبادة، ما هي إلا جموح واستجابة لغرائز الموت والعدوان.

"
جورج بوش ومن على شاكلته تصرفوا بطريقة غرائزية عندما قرروا غزو أفغانستان فالعراق، وهم بذلك قد داسوا وتجاوزوا الأعراف والمواثيق الأمميّة وكل ما هو عقل ومنطق
"
الحروب غير الشرعية وغير المبررة أخلاقيا، كلها جاءت وما زالت تأتي تباعا في هذا السياق النفسيّ المرضيّ المقيت، ومن أبشعها في التاريخ كله الحربان العالميتان الأولي والثانية، وما تخللهما من فضائح لا تجوز بحق الإنسان والمدنية والحضارة والتاريخ.

وما أفعال الإمبريالية اليابانية وكل من النازية والفاشية وما قامت به الشيوعية السوفياتية والرأسمالية الغربية، إلا دليل على أن غرائز الموت قد استبدت بهيرو هيتو وهتلر وموسوليني وستالين، وكل من تشرتشل وديغول وفرانكلين.

التاريخ كتب، وما زال يكتب عن كل ما حدث في المستعمرات من استعباد واستبداد، وأرخ لمجريات العمليات العسكرية هنا وهناك، وما نتج عن ما اصطلح عليه الضربات التكتيكية والإستراتيجية البشعة، فالكل في الحس الإنساني السويّ قد أجرم بحق الإنسانية وساهم في تسويق ثقافة الموت والدمار.

ودارت الأيام لتأخذ الحروب شكلا جديدا غير ذك المعهود، فالحرب العالمية على ما يسمونه الإرهاب التي يراها بعض المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين غير مسبوقة، والأكثر ضبابية وخطورة في التاريخ البشريّ، ما هي إلا حرب بربرية تتزعمها وتقودها الإدارة الأميركية بدوافع غرائزية في ظل رغبات استبدادية، وكرد ذرائعي على ضربات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 المشبوهة والمثيرة للجدل.

فكان أن تصرف جورج بوش ومن على شاكلته بطريقة غرائزية عندما قرروا غزو أفغانستان فالعراق، وهم بذلك قد داسوا وتجاوزوا الأعراف والمواثيق الأمميّة، وكل ما هو عقل ومنطق.

وصار المنطق والعقل في حسهم ليس أكثر من الاحتكام إلى تلك الزاوية الغرائزية المظلمة الجاثمة في دهاليز اللاوعي وعالم اللاشعور.

فَبْرَكاتُ ضرب الأبراج في نيويورك، وفبركات أسلحة الدمار الشامل التي ألصقت بشخص صدام حسين ونظامه السياسي، والرد عليها بحرب غرائزية جنونية ما زالت حية شاخصة، وما زالت صورها ومشاهدها المذهلة لا تغيب عن الخواطر والأذهان.

وكان بعد ذلك ما كان من انتصار غرائز الموت على الحياة، بل الانتصار على كل ما هو ضميريّ وعقلانيّ.

الدماء في كل من أفغانستان والعراق أضحت أنهارا، والخراب والدمار قد بلغ ذروته بشاعة وفظاعة، وما زال الحبل على الجرار.

الرسميون العرب وغير العرب كان أن تواطؤوا مع الأميركان وحلفائهم للتخلص من نظامي صدام وطالبان، ولألف سبب وسبب فعلوا ذلك، ولكن من بين أعظم تلك الأسباب، الاستجابة لجموح الغرائز ونداء الاستبداد التي تحركت في أعماقهم بفعل رغبة البعض في الانتقام، وخوف البعض الآخر من تهديدات بوش وتداعياتها على الحكم والنظام.

لقد اشترك الجميع في مسيرة "الدم والفناء"، ولحسابات ذاتية وعائلية وحزبية وفئوية وقومية وطائفية ومذهبية، محلية وإقليمية وعالمية، كان الفعل المدان وكان الفعل الحرام.

والفعل سادتي من منظور سيكولوجيّ راديكالي لا يجر إلا فعلا نظيرا له، وبقدر المستطاع والممكن والمتاح تكون الاستجابة وحجمها.

وعليه فمنطق الغريزة لا ولن يجر من يقع عليهم أثره إلا إلى التعامل بالمثل والاحتكام إلى الغريزة، وعندها لا ولن ينفعنا عقل ولا قول، إلا أن يتغمّدنا الله بواسع رحمته.

الأجواء في المنطقة ما زالت أجواء حرب وعبث غرائز، والمسار والمسير إليها على ما يبدو لي بالأمر الحاصل، وهو ما تفسره الأحداث المتسارعة ومجرياتها في كل من العراق وفلسطين ولبنان التي كان آخرها تأزم الوضع السياسي والأمني في العراق، متمثلا في الانسحاب الفجائيّ للقوات البريطانية من قلب ومحيط كبرى الحواضر والمدن العراقية، وانسحاب بعض الكتل البرلمانية السنية والشيعية من الائتلاف الحاكم في بغداد، وآخرها انسحاب الكتلة الصدرية، ناهيك عن تصاعد وتيرة الاغتيالات السياسية في لبنان، ونعت قطاع غزة البائس بـ"الكيان المعادي".

في مثل هذا الحراك الغرائزيّ المتصاعد مؤشر على أن الحرب قادمة، فهي ما لم تبددها صفقة من نوع أو آخر وشيكة وعلى الأبواب، وربما تنشب خلال وأثناء جلسات مؤتمر السلام المرتقب في واشنطن.

"
مؤتمر الخريف في مثل هذه الأجواء الموتورة هو اللغز، بل هو كلمة السر لإعلان الحرب على كل من سوريا وإيران ومن هو محسوب عليهما في المنطقة وبالتزامن وعلى التوازي
"
فهذا المؤتمر في مثل هذه الأجواء الموتورة هو اللغز من وجهة نظري، بل هو كلمة السر لإعلان الحرب على كل من سوريا وإيران ومن هو محسوب عليهما في المنطقة، وبالتزامن وعلى التوازيّ.

وليحدث ذلك من وجهة نظر أميركية وإسرائيلية هم فيها جاهزون، هذا في الوقت الذي سينشغل فيه الإعلام العربي وغيره في المنطقة، بل وفي العالم أجمع بوجود العرب ومحبي السلام في قمة الخريف.

وعلى من هم في حضرة السيد بوش عندئذ أن يسلموا بالأمر الواقع، وأن يقبلوا لأنفسهم أن يكونوا رهينة في القفص الأميركيّ ويغضوا الطرف عما يجري في بلادهم؛ بعلمهم (المجزوء) ومن بعد تضليل وتورية وتمويه وتغرير، أو بدون علمهم.

الطلعة الجوية الإسرائيلية الأخيرة فوق الأراضي السورية، وفي هذا التوقيت بالذات، ومن إسرائيل جنوبا إلى لواء الإسكندرونة شمالا، ثم التوجه شرقا إلى آخر نقطة حدودية سورية عراقية رسالة معنوية ومادية تحمل في طياتها العديد من المدلولات السياسية والعسكرية، لكل من السوريين والإيرانيين ومن يتخندق في صفهم.

بل هي رسالة إلى كل من هم غرقى في الوحل الأميركيّ، ممن أضحوا يتولولون ويتململون من النهج الأميركي والإسرائيلي العبثيّ وغير البناء في المنطقة، وذلك كي لا يفكروا قيد أنملة في الخروج مما هم فيه.

وعدا هذا وذاك نرى أنها طلعة استفزازية تأتي في سياق أهمية التأكيد على أن يد إسرائيل في المنطقة ومن يقفون وراءها ما زالت طويلة، وستبقى طويلة، بل ستصل حيث شاءت الوصول.

هذا فعلا ما تسعى إليه أميركا وإسرائيل وتتمنيانه منذ زمن بعيد، والرؤيا والغاية هي تدمير المنطقة كما تدمر الأساطيل عن بكرة أبيها، وليعاد ترتيب بلدان وأوطان من هم في محيط الخليج، وما وراء الخليج، وعلى الوصفة الأميركية ومن هم في خانتها.

الشركات الأميركية المحكومة بغرائز الإنتاج وعقد الاستهلاك والتوريد تتطلع إلى تلك اللحظة وتنتظرها بفارغ الصبر لتعلن النصر، وبشغف منقطع النظير.

كل هذا لينتعش الاقتصاد الأميركي من بعد كساد وتراجع أمام الاقتصادات الأوروبية واليابانية المنافسة، والنامية والمتصاعدة في كل من الهند والصين، وليتضاعف حجم رأس المال اليهوديّ، وليرسم المستقبل العربي والإسلامي عندئذ كما يريده راسموه.

أما إذا ما شاءت الأقدار وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن، فعندئذ على العالم أجمع أن يتعلم بحق كيف عليه أن يكبح جماح الغرائز، وأن يحارب وبلا مواربة طبائع الاستبداد، وأن يبحث -ومن خلال منظمة أممية جديدة- عن مخرج يضمن للشعوب والأمم أمنها واستقرارها، وكل ما لها فيه من رفاه وحياة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة