المحطة القادمة للدبلوماسية النووية   
الأحد 1437/4/22 هـ - الموافق 31/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:08 (مكة المكرمة)، 12:08 (غرينتش)
كريستوفر ر. هِل


أثبتت التجربة مع إيران أنه بإمكان الدبلوماسية أن تنجح حتى في الحالات التي تبدو مستعصية، وهو ما يدعو إلى تطبيق الإجراء نفسه من أجل إحراز تقدم لإنهاء الطموحات النووية لكوريا الشمالية.

إن الحصاد الدبلوماسي لاتفاق الصيف الماضي المتعلق ببرنامج إيران النووي قد بدأ؛ فعندما انحرفت قوارب البحرية الأميركية للمياه الإيرانية في يناير/كانون الثاني الجاري -وهو تطور كان يمكن حتى قبل عام فقط أن يثير أزمة- تم احتجازها فترة قصيرة فقط، وفي الأسبوع نفسه أفرجت إيران كذلك عن خمسة سجناء أميركيين، وقامت بتصدير يورانيوم مخصب طبقا للصفقة النووية، كما دخلت مجددا أسواق النفط العالمية.

العلاقات مع إيران ما يزال لديها طريق طويل لتقطعه، ليس فقط في ما يختص بمراقبة تقيدها بالصفقة، ولكن أيضا تشجيع قادتها على تغيير نهجهم الإقليمي، بما في ذلك تحسين العلاقات مع العرب السنة

إن العلاقات مع إيران ما يزال لديها طريق طويل لتقطعه، وليس فقط في ما يختص بمراقبة تقيدها بالصفقة، ولكن أيضا تشجيع قادتها على تغيير نهجهم الإقليمي، بما في ذلك تحسين العلاقات مع العرب السنة، خاصة السعودية، ولكن مهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن إيران قدمت عرضا جديدا واعدا من التعاون الذي يستحق المتابعة على الرغم من المخاطر.
 
لكن إيران هي ليست الدولة المتقلبة الوحيدة التي لديها طموحات نووية، حيث إن من الدول التي تتمنى أن تكون نووية كوريا الشمالية، التي أظهرت القليل من الاهتمام بالتفاوض على صفقة، وعلى العكس من ذلك فإنه يبدو أن الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون يحض علماءه ومهندسيه على تسريع تطوير أسلحة نووية. إن إمكانية تهديد العالم تروق له لدرجة أنه لا يريد التخلي عنها، وحتى لو كان ذلك يعني البقاء في عزلة غير رائعة بالمرة.
 
على الرغم من أن كوريا الشمالية لا تعدّ دولة أسلحة نووية رسميا، فإنه مع استمرار أبحاثها وبرامج التطوير فيها دون انقطاع، فإن من الممكن أن تصبح كذلك قريبا. وفي الحقيقة قامت كوريا الشمالية في السادس من يناير/كانون الثاني الحالي بإجراء ما يبدو أنه اختبار نووي ناجح، ورغم أنه ليس قنبلة هيدروجينية -على الأرجح- كما ادعى الإعلام الكوري الشمالي، أو أنها قنبلة ذرية، فإن لديها ما يكفي من القوة التفجيرية لتشكل تهديدا خطيرا.
 
من الواضح أنه يتوجب عمل شيء لكبح جماح الطموحات النووية لكوريا الشمالية، لكن الصين- البلد الوحيد الذي احتفظ بعلاقة طبيعية مع الشمال، بما في ذلك توفير المساعدات الحيوية. (تعرضت لانتقادات واسعة بسبب عدم رغبتها في اتخاذ موقف حازم، وحتى دونالد ترامب المرشح المفترض الأوفر حظا لنيل ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة والذي لا يتمتع بأي خبرة في السياسة الخارجية يقر بالحاجة لموقف صيني أقوى من كوريا الشمالية على الرغم من أن ترامب كعادته يرفق هذا التأكيد المنطقي باقتراح مريب يتعلق بضرورة قيام الولايات المتحدة الأميركية بقطع العلاقات التجارية مع الصين).
 
لكن قلة من الناس هم الذين يعترفون بأن الصين لا يمكنها تحمل مسؤولية منفردة عن جعل كوريا الشمالية دولة منضبطة، فالولايات المتحدة الأميركية وبقية العالم يجب أن يتبنوا سياسات تدعم هذه النتيجة.
 
يوجد لوزير الخارجية الأميركي جون كيري سجل حافل من الجرأة في التعامل مع القضايا الصعبة، خاصة في الشرق الأوسط، لكن يجب ألا ينسى كيري أن يحوّل انتباهه إلى قضايا أمن الشرق الآسيوي كذلك، ومع وجود الدبلوماسية الذكية التي تساعد في حدوث توافق بين أهداف القوى ذات العلاقة، فإنه يمكن لكيري أن يحدث الفرق في هذا الخصوص.
 
لسوء الحظ لجأ كيري إلى توجيه الاتهامات عوضا عن ذلك، فلقد أعلن مؤخرا للصحافة أنه أخبر وزير الخارجية الصيني وانغ ياي على الهاتف بأن نهج الصين الناعم تجاه كوريا الشمالية قد فشل.
 
لا يوجد أحد يستمتع بتوجيه الانتقاد إليه من خلال الصحافة والصين هي أقل اعتيادا على ذلك مقارنة بالآخرين؛ وعليه فإن من غير المفاجئ أن الصينيين سارعوا إلى إصدار بيان يضعون فيه اللوم على عدم إحراز تقدم مع كوريا الشمالية على عاتق الولايات المتحدة الأميركية.
 
إن الصينيين محقون؛ فسياسة أميركا المتعلقة بالصبر الإستراتيجي مثل سياسة الصين المتعلقة بالإقناع الودي قد نجحت فقط في السماح لكوريا الشمالية بتعزيز طموحاتها النووية.
 
لو أن إقناع الصين باتخاذ موقف أقوى في ما يتعلق بكوريا الشمالية هو هدف رئيسي للسياسة الأميركية فإنه يتوجب عليها استخدام المستوى المناسب من الجهد الدبلوماسي والعمل مع الصين لتطوير حلول جديدة.
 
وعلى الرغم من أن العلاقات الأميركية–الصينية معقدة للغاية، وتعمل طبقا لديناميكية تتميز غالبا بالمنافسة، وأحيانا حتى بالمواجهة، فإن الجانبين ليسا غريبين عن التعاون في الأمور ذات الاهتمام المشترك مثل الأمور التي تحد من البرنامج النووي لكوريا الشمالية.

على الرغم من أن العلاقات الأميركية-الصينية معقدة للغاية وتعمل طبقا لديناميكية تتميز غالبا بالمنافسة وأحيانا حتى بالمواجهة، فإن الجانبين ليسا غريبين عن التعاون في الأمور ذات الاهتمام المشترك

لقد أطلقت الولايات المتحدة الأميركية والصين في 2003 المحادثات السداسية مع كوريا الجنوبية واليابان وروسيا وكوريا الشمالية، والتي تستهدف التفاوض من أجل إنهاء البرنامج النووي للشمال، وبعد ذلك بسنتين تم الاتفاق على تصريح مشترك ينص على التزامات الدول، بما في ذلك المتطلب بأن تقوم كوريا الشمالية بالتخلي عن جميع برامجها النووية. للأسف لم تتقيد كوريا الشمالية بالتزاماتها، وحتى بعد عدة جولات من المحادثات، حيث وصلت المبادرة الدبلوماسية إلى طريق مسدود سنة 2009.
 
يجب أن تعمل الدول ذات العلاقة على المقاربات المشتركة، وبالنسبة للصين فإن هذا يعني زيادة الحوافز الاقتصادية لكوريا الشمالية من أجل تغيير سياساتها النووية، وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية فإن هذا يعني الذهاب أبعد من الاكتفاء بتشجيع الصين على عمل المزيد، وذلك عن طريق تقديم دعم حقيقي للجهود الصينية ومناقشة صريحة، والتي يجب أن تبقى ضمن القنوات الدبلوماسية التقليدية.
 
إن تجربتنا السابقة مع إيران تظهر أنه بإمكان الدبلوماسية أن تنجح وحتى في الحالات التي تبدو مستعصية، ولقد حان الوقت لتطبيق نفس التعاون والالتزام بتحقيق اختراق بطريقة مجدية وقابلة للحياة من أجل إحراز تقدم في ما يتعلق بإنهاء الطموحات النووية لكوريا الشمالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة