محنة الحقيقة في الأزمة المصرية   
الثلاثاء 1434/10/14 هـ - الموافق 20/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 7:36 (مكة المكرمة)، 4:36 (غرينتش)
فهمي هويدي

 

أصعب سؤال يواجه العقل المصري منذ قامت ثورة يناير/كانون الثاني  2011 هو معرفة حقيقة ما جرى ويجري في البلد، ذلك أننا شهدنا دلائل متزايدة على تغييب الحقيقة وطمسها، بل وتزويرها في بعض الأحيان.

(1)

ثمة مقولة شائعة بين الباحثين في الشأن السياسي تقرر أن الحقيقة هي الضحية الأولى في الحروب، وهو ما ينطبق بذات القدر على الصراعات السياسية الحادة.

لذلك أزعم أنها تنطبق تماما على ما نحن بصدده في مصر. ذلك أن الأحداث التي تعاقبت منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 تاهت أو التبست فيها معالم الحقيقة.

فقد عرفنا ما الذي حدث من خلال الترويج لما وقع من خلال وسائل الإعلام التي قامت بدور رئيسي في تشكيل الإدراك العام، وبسطت هيمنتها على العقل الجمعي في ظل الفراغ السياسي. وبالتالي فإننا قرأنا إجابات مستفيضة على السؤال ماذا، إلا أنه جرى التعتيم أو قل التلاعب والتدليس في الإجابة على السؤالين الكبيرين: من ولماذا.

ولأننا لم نعرف من الفاعل ولماذا فعلها فإن الحقيقة بدت مشوهة ومنقوصة. وبالتالي فإننا لم نفهم ما جرى أو فهمناه على نحو مغلوط. سأفصِّل في شرح ذلك المنطوق وأدلل عليه بعد قليل، لكني سأتوقف لحظة أمام الحاصل في مصر هذه الأيام.

ذلك أن وسائل الإعلام المصرية جميعها تنقل إلينا كل صباح وعلى مدار النهار أخبارا وتقارير وصور حوادث الهجوم على الكنائس وأقسام الشرطة وبعض المؤسسات العامة، كما تتحدث عن وقائع قتل وتعذيب وتخريب وقطع للطرق، إضافة إلى معلومات عن أسلحة ثقيلة وذخائر ومخططات إرهابية تستهدف إشاعة الفوضى في البلاد وتهديد النظام العام.

لم نعرف أن تحقيقا نزيها جرى في الوقائع الأخيرة تمت بموجبه إدانة المتهمين فيما ثبت بحقهم، ولكننا شهدنا محاكمات عبر وسائل الإعلام انطلقت من الإدانة ورتبت عليها التداعيات والأصداء اللازمة
وهذه الحوادث والجرائم كلها تنسب إلى الإخوان المسلمين، سواء في تصريحات المسؤولين أو في وسائل الإعلام التي تحولت إلى قضاء جديد يقيم الادعاء ويصدر حكم الإدانة وينفذه، دون أن يجرؤ أحد على استئنافه أو نقضه، وإلا حلت عليه اللعنة ولوحق بالاتهام والاغتيال المعنوي الذي تعد الخيانة أبرز مفرداته وعناوينه.

(2)

لم نعرف أن تحقيقا نزيها جرى في تلك الوقائع تحددت بناء عليه هوية الفاعلين، وعلى ضوئه تمت إدانتهم فيما ثبت بحقهم، ولكننا شهدنا محاكمات عبر وسائل الإعلام، انطلقت من الإدانة ورتبت عليها التداعيات والأصداء اللازمة.

وأشدد على فكرة نزاهة التحقيقات التي قد تبدو بديهية في الظروف العادية، لكنها ما عادت كذلك في أجواء التلوث الراهن التي عصف فيها الهوى السياسي بحكم القانون وبمبادئ الحق والعدل.

خذ مثلا واقعة إحراق الكنائس التي حدثت في الأسبوع الماضي (تراوح عددها بين 7 و17 كنيسة)، وأجمعت وسائل الإعلام على أن الإخوان هم الذين فعلوها، رغم أن أمرا بهذه الخطورة كان ينبغي أن يخضع للتحقيق الذي يحدد المسؤولين عن ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء.

علما بأن أي قارئ لتاريخ الإخوان يعرف جيدا أنهم لم يلجؤوا إلى ذلك الأسلوب في أحلك الظروف التي مروا بها، حتى إن رجال مباحث العادلي لم يجرؤوا على توجيه مثل ذلك الاتهام إليهم في حادث الهجوم على كنيسة القديسين بالإسكندرية (في آخر عهد محمد حسني مبارك) رغم خصومتهم الشديدة لهم، لأنهم كانوا أكثر خبرة، ويعرفون أنها تهمة غير قابلة للتصديق.

مثل ذلك التحقيق لم يتم لتحديد المتهمين في مختلف الحوادث الأخرى التي تداولتها وسائل الإعلام، وجرى فيها تعميم الإدانة، وغسل أدمغة الناس دون أي دليل. إذ مثلما لم يقبض على أي شخص في تهمة حرق الكنائس، فإن ذلك تكرر أيضا في حالات أخرى تداولت وسائل الإعلام أخبارها تحت عناوين صارخة تحدثت عن تعذيب وقتل، واقتحام أقسام للشرطة، واعتداء على بعض المباني العامة، ولم نعرف في أي منها من فعل هذا، وإنما كل الذي تلقيناه كان تقارير وتسريبات وزعتها الأجهزة الأمنية، وتناقلتها أبواقها المنتشرة في المحيط الإعلامي.

لست أدعو إلى تبرئة الإخوان كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، علما بأنه ليس كل المتظاهرين أو المعتصمين من الجماعة، وإنما أدعو إلى تحديد المسؤولين والفاعلين في كل جريمة، بعد تحقيق جاد يمهد لمحاسبتهم، ويقنعنا بأننا في دولة تحترم القانون، ولا تخضع فيها الاتهامات للهوى السياسي.

(3)

ما حدث في مصر خلال الأسبوعين الأخيرين من تخريب وفوضى وإحراق للكنائس وهجوم على مراكز الشرطة يعيد إلى أذهاننا سيناريو أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني وما بعدها، التي شهدت وقائع مماثلة إلى حد كبير، ولكن تاريخ تلك المرحلة تم طمسه وتزييفه، بحيث أعيدت صياغته وجرى تركيب وقائعه في شكل جديد تمت في ظله تبرئة الجناة وإدانة الأبرياء، في أخطر وأجرأ نموذج لاغتيال الحقيقة وتشويه الذاكرة عرفته مصر.

لحسن الحظ فإن لدينا تقريرين وثقا حقائق أحداث الثورة وعامها الأول، أعدهما نفر من كبار القضاة والمحققين والباحثين، أفلتا من حملة الطمس والتزييف، صحيح أنه تم تجاهلهما ودفنهما، لكنهما لا يزالان بين أيدي الجهات المختصة، وقد أشرت إلى أحدهما في حديث سابق وقلت إنه لو أتيح له أن يرى النور وينشر على الملأ، لرأى فيه الجميع تاريخا جديدا مختلفا عن ذلك الذي تم تزييفه وجرى تعميمه على وسائل الإعلام.
التاريخ المتعلق بجرائم ثورة يناير تم طمسه وتزييفه، بحيث أعيدت صياغته وجرى تركيب وقائعه بشكل جديد تمت في ظله تبرئة الجناة وإدانة الأبرياء، في أخطر وأجرأ نموذج لاغتيال الحقيقة وتشويه الذاكرة عرفته مصر

أتحدث عن التقرير الذي أعدته لجنة تقصي حقائق أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني التي رأسها المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض (وهو الذي أشرت إلى بعض جوانبه في حديث سابق)، وقد قدم في نحو 350 صفحة إلى حكومة الدكتور عصام شرف في منتصف شهر مارس/آذار 2011.
 
أما التقرير الثاني فهو الذي أعدته لجنة أخرى لتقصي حقائق ما جرى في أعقاب الثورة، كان قد أصدر الرئيس محمد مرسي في شهر يوليو/تموز 2012 قرارا بتشكيلها برئاسة المستشار عزت شرباصي رئيس الاستئناف الأسبق، وقد قدمته في نحو 750 صفحة إلى الدكتور مرسي في شهر يناير/كانون الثاني عام 2013.

وقد علمت من الدكتور سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية الذي كان يعمل مع الدكتور عصام شرف حين كان رئيسا للوزراء أن المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري آنذاك طلب عدم إذاعة مضمون التقرير الأول، وقال لي الدكتور سيف إن الدكتور شرف هو الذي أبلغه بذلك.
 
أما التقرير الثاني فقد قيل لي إن الدكتور مرسي أحاله إلى النائب العام وآثر عدم نشره، وأن الجزء الخاص بمسؤولية الشرطة العسكرية عن أحداث ماسبيرو حذف منه.

(4)

دلني المستشار عادل قورة على خلاصة كان قد أعدها لتقرير اللجنة الأولى نشرت على شبكة التواصل الاجتماعي، وقال لي المستشار عزت شرباص إن ثمة خلاصة لتقرير اللجنة الثانية وعد بتمكيني من الاطلاع عليها.

وفهمت من المستشار محمد فؤاد جاد الله -الذي كان مستشارا قانونيا للدكتور مرسي- أن التقرير الثاني تضمن وقائع جديدة وأدلة دامغة، من شأنها أن تعيد النظر في العديد من القضايا التي عرضت على القضاء وفي تحريك الدعوى ضد بعض المتهمين الجدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين.

من الخلاصات المهمة التي ذكرها التقرير الخاص بأحداث الثورة أنه "تبين للجنة أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير، خاصة من مبنى وزارة الداخلية ومن فوق فندق النيل هيلتون ومن فوق مبنى الجامعة الأميركية. وقد دلت على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة، ومن مطالعة التقارير الطبية التي أفادت أن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات من خرطوش في الرأس والرقبة والصدر، علما بأن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط الداخلية".

وهي شهادة تدين الشرطة في جرائم القتل والقنص، كما تدين وزير الداخلية. ومعلوم أن الجميع تمت تبرئتهم من تلك الجرائم، وجرى الترويج لادعاءات اتهمت "الطرف الثالث" بعملية القنص التي نفت الداخلية أية صلة بها، وأقحمت حركة حماس في التهمة لصرف الانتباه عن دور الشرطة. فضلا عن ذلك فقد تضمن التقرير معلومات خطيرة عن تواطؤ الشرطة مع فلول النظام السابق والبلطجية في موقعة الجمل، وعن ملابسات فتح السجون ودور الشرطة فيها، كما أنه شكك في واقعة هروب المسجونين والمحتجزين من سجن وادي النطرون وهي الأسطورة التي نسجت من حولها أساطير استندت إليها محكمة استئناف الجنح التي اتهمت الإخوان وحماس وحزب الله باقتحام السجن.

القارئ لتاريخ الإخوان يعرف جيدا أنهم لم يلجؤوا لذلك الأسلوب في أحلك الظروف التي عاشوها، حتى إن رجال مباحث العادلي لم يجرؤوا على توجيه مثل ذلك الاتهام إليهم بحادث الهجوم على كنيسة القديسين بالإسكندرية

أثناء البحث عن محتوى التقرير الثاني الذي ركز على أحداث العام الأول للثورة، وقعت على شهادة لأحد أعضاء لجنة تقصي الحقائق التي رأسها المستشار عزت شرباص، وهو الأستاذ أحمد راغب المحامي (ناشط حقوقي لا علاقة له بالإخوان). وقد نشرتها له جريدة الشروق في 6 يناير/كانون الثاني 2013، أي بعد أيام قليلة من تسليمه إلى رئيس الجمهورية.

ووجدت أنه ذكر بأن من الخلاصات المهمة التي انتهت إليها اللجنة أن القوات المشاركة في التصدي للمتظاهرين والمعتصمين -سواء من الشرطة أو القوات المشاركة- استخدمت الأسلحة النارية والخرطوش، فضلا عن استخدام ذات القوات لأفراد يرتدون الزي المدني في التصدي للمتظاهرين والاعتداء عليهم. وقد كان بعض هؤلاء المدنيين في عدد من الوقائع يحملون الأسلحة البيضاء والزجاجات الحارقة (المولوتوف).

كذلك ذكر الأستاذ راغب أن من أهم ما توصلت إليه اللجنة أنه لا وجود لطرف خفي يقتل المصريين (في المظاهرات). فما توصلت إليه اللجنة من نتائج وحقائق في جميع الوقائع والأحداث التي عملت عليها ثبت من خلالها أن هناك طرفين لا ثالث لهما هما المتظاهرون وأجهزة الدولة المختلفة.

لقد خضعت كل أحداث الثورة للتحقيق من جانب اللجنتين اللتين استعانتا بأكثر من سبعين باحثا ومحققا، تحت قيادة عدد من أبرز القضاة في مصر، ولكن الشهادات التي خلصوا إليها تم تجاهلها وتمت تبرئة الذين اتهموا بقتل المتظاهرين وأثاروا الانفلات الأمني والفوضى لإجهاض الثورة.

من ثم نجحت الدولة العميقة في إهالة التراب على تلك التحقيقات، في حين قدمت لنا تاريخا مغايرا روجت له وسائل الإعلام، لكن ذلك ينبغي ألا يثنينا عن المطالبة بتقصي حقائق المذابح والجرائم التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، إن لم يكن من أجل فهم ما جرى، فعلى الأقل لكي يتاح للأجيال القادمة أن تطالع تاريخ تلك الفترة بغير تشويه أو تزوير.

لست واثقا مما إذا كانت السلطة القائمة في مصر الآن تملك شجاعة اتخاذ هذه الخطوة، لسبب بسيط هو أنها تمثل الطرف الآخر في الأزمة، لذلك فإن سؤالي لا ينصب على ما يمكن أن تكشف عنه تلك اللجنة في بحثها عن الحقيقة، ولكنه حول ما إذا كان سيسمح بتشكيلها أم لا.

ولا ننسى في هذا الصدد أننا قرأنا أن لجنة مماثلة ستشكل للتحقيق في أحداث مذبحة الحرس الجمهوري التي وقعت في 11 يوليو/تموز الماضي وقتل فيها أكثر من خمسين شخصا، ولكن أربعين يوما مضت ولم تر اللجنة النور. وهو ما لا يجعلنا نتفاءل بأن تفلت الحقيقة بدورها من المذبحة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة