هل هي حرب استنزاف ثانية في سيناء؟   
الأربعاء 1436/1/5 هـ - الموافق 29/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:28 (مكة المكرمة)، 13:28 (غرينتش)
صلاح بديوي


قصة الشريط العازل
وماذا بعد الطوارئ
خيارات بديلة

يخطئ من يتصور أن إجراءات تنفيذ "الشريط العازل" التي تتم على الحدود المصرية مع قطاع غزة، قد جاءت وليدة اللحظة التي حدثت فيها المذابح ضد جنود الجيش المصري بشرق سيناء، ولا سيما في الآونة الأخيرة.

فهذا الشريط العازل تم التخطيط لتنفيذه منذ أكثر من ستة أعوام، وأدرج هذا المخطط ضمن دراسة أعدتها محافظة شمال سيناء حول محاور التنمية فيها، وتهدف السلطات الأمنية المصرية من وراء إنشاء هذا الشريط، القضاء على ظاهرة حفر الأنفاق، وإحكام الحصار على قطاع غزة بنسبة مائة بالمائة.

قصة الشريط العازل
ووفق ما جاء بالخطة ـالتي تنفذ الآن ـ فإن عرض هذا الشريط العازل يتراوح ما بين ١٥٠٠ متر و٣٠٠٠ متر، وطوله يصل إلى ١٤ كيلومترا، على امتداد الحدود المصرية مع قطاع غزة الفلسطيني.

المخطط الحالي ستنتج عنه إزالة المئات من المنازل بالشطر المصري من مدينة رفح، إلى جانب منازل أخري في مناطق البراهمة وكندا والبرازيل والصرصورية في سيناء، وإتلاف عشرات الآلاف من الأفدنة الصالحة للزراعة

وهو الأمر الذي ينتج عنه حاليا إزالة المئات من المنازل بالشطر المصري من مدينة رفح، إلى جانب منازل أخري في مناطق البراهمة وكندا والبرازيل والصرصورية الواقعة في سيناء، وإتلاف عشرات الآلاف من الأفدنة الصالحة للزراعة.

ويري أهل سيناء أن قيمة الخسائر التي تكبدوها لا تساويها تعويضات مهما كان المقابل المادي المفترض أن تمنحه لهم الحكومة المصرية.

وفي سنواته الأخيرة في السلطة حاول الرئيس السابق حسني مبارك أن ينتهي من عملية تنفيذ هذا الشريط الحدودي العازل، لكنه اصطدم باحتجاجات البدو من سكان رفح والبلدات الحدودية الصغيرة بسيناء، وهو ما جعله يؤخر تنفيذ عملية الإخلاء والهدم.

ونذكر وقتها أن رجال الأمن "الإسرائيليين" اقترحوا على نظرائهم المصريين خلال التنسيق الأمني المشترك بين الجانبين، إقامة جدار فولاذي تحت الأرض، وفوق الأرض يمنع أهل غزة من حفر الأنفاق إلى الأراضي المصرية.

وبدأ العمل بالفعل في تشييد هذا الجدار الفولاذي، إلا أن أهل غزة تحت وطأة التشبث بالحياة، في مواجهة الحصار الظالم، ثقبوا أجزاء من هذا الجدار العازل الفولاذي وواصلوا حفر الأنفاق، التي يطلقون عليها أنفاق الحياة.

ولم تكمل السلطات المصرية تشييد هذا الجدار الفولاذي، نظرا لتفجر ثورة ٢٥ يناير المجيدة في عام ٢٠١١.

وفي أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، والذي تكبدت خلاله قوات الجيش الإسرائيلي خسائر موجعة، وظهر من خلاله امتلاك المقاومة في غزة لأنواع من الأسلحة الحديثة، أعادت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مطالبتها لنظيرتها المصرية، بإنشاء الشريط الحدودي العازل ما بين مصر وقطاع غزة، وفي ذات السياق ضغطت واشنطن على السلطات المصرية.

وفي الجانب المصري جاءت عمليات التوسع في الأعمال الهجومية من قبل عناصر مسلحة في سيناء ضد الجيش المصري وما خلفته من وفيات بصفوف جنوده، وهو ما مثل بالنسبة لها فرصة على طبق من ذهب، لكي تبدأ على الفور في إنشاء الشريط العازل.

وأعلن قادة الجيش حالة الطوارئ في سيناء لمواجهة كل أشكال الاحتجاج وعمليات العنف، التي يمكن أن تنجم عن إقامة هذا الشريط.

وتتهم سلطات الانقلاب العسكري في القاهرة جماعات مسلحة تصفها بالإرهابية، بأنها تقف خلف العمليات التي تستهدف قوات الجيش والشرطة في سيناء.

لكن الجماعات المسلحة في سيناء بدورها باتت تصف الجيش الوطني والشرطة بأنهما قوات احتلال تخدم مصالح إسرائيل، وبالتالى فهما هدف مشروع لهجماتها. واستهداف جنود الجيش أمر يجمع كل أهل مصر على رفضه وإدانته.

وفي خضم تلك المعارك بين أبناء الوطن الواحد، يدخل الموساد الإسرائيلي على الخط ليمارس دوره لمصلحة إسرائيل، ويلعب بكل أطراف المشكلة للأسف، ونحن نري أنه الخطر الحقيقي الآن على الأمن القومي المصري.

ساعد الحل الأمني في سيناء على هذا النمو السرطاني لعمليات العنف والعنف المضاد فيها، وعلى الانتهاك غير المحدود للحقوق الآدمية، وللتقاليد الراسخة في المجتمع البدوي السيناوي منذ قرون

وتقول الجماعات التي ترفع السلاح ضد مظاهر سيادة الدولة المصرية على سيناء إنها أجبرت على ذلك تحت تأثير التجاوزات والجرائم وعمليات الخروج على التقاليد والأعراف القبلية التي ارتكبتها السلطات المصرية بحق أهل سيناء، إضافة إلى ما لحق بهم من ظلم وتهميش.

وماذا بعد الطوارئ
وعقب إعلان المجلس العسكري فرض حالة الطوارئ أصدر المرصد المصري للحقوق والحريات تقريرا تحت عنوان "ماذا بعد إعلان حالة الطوارئ في سيناء" تحدث خلاله عن الأوضاع الأمنية في سيناء منذ عام 2011 حتى الآن.

التقرير كشف أنه خلال تلك الفترة المشار إليها شهدت سيناء ما يقرب من 50 هجوما مسلحا استهدفت قوات الجيش والشرطة، وخلفت أكثر من 198 قتيلا وعشرات المصابين في صفوف الجيش والشرطة.

الأمر ذاته تسبب في عمليات القسوة المفرطة التي واجهت بها سلطات الأمن أهل سيناء، متجاهلة القانون والدستور.

ووفق ما جاء بهذا التقرير فإن تلك الجرائم من قبل قوات الجيش والشرطة ضد المدنيين من أهل سيناء، خلفت أكثر من 500 قتيل، إضافة لأكثر من 7000 معتقل في السجون السرية لتلك القوات، وتهجير أكثر من 500 أسرة وهدم منازلهم، وإخفاء أكثر من 300 مواطن في شمال سيناء وحدها، لا يعرف مصيرهم أحد حتي الآن.

ومما يدعو للأسف أن إعلان حالة الطوارئ بسيناء تمثل إفراطا من قبل السلطة في تبني الحلول الأمنية، إلى جانب أنها تأتي تعقيدا للأزمة وليس حلا لها.

ومن هنا نري أن المطلوب من كل وطني في مصر يحرص على وضع نهاية لإراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد، ليس الثأر لضحايا العمليات المسلحة التي تستهدف قوات الأمن، مع السماح باستمرار الإرهاب وأسبابه! بل القضاء على بواعث العنف والعنف المضاد بين المصريين.

فقد ساعد الحل الأمني للمشكل في سيناء أيضا على هذا النمو السرطاني لعمليات العنف والعنف المضاد فيها، والانتهاك غير المحدود للحقوق الآدمية، وللتقاليد الراسخة في المجتمع البدوي السيناوي منذ قرون.

وعلى الرغم من أن إعلان حالة الطوارئ تعد من قبيل أعمال السيادة، وقد أقر القضاء بذلك، فإن ذلك يجافي نص المادة 68 من الدستور، التي وضعها قادة الانقلاب بعد ٣ يوليو/تموز من عام 2013، وينتهكونها على مدار الساعة.

وتنص تلك المادة على "عدم جواز تحصين أي عمل من أعمال الإدارة ضد رقابة القضاء" ومن ثم لا يجوز أن تخرج جميع التصرفات الإدارية الصادرة بمناسبة تطبيق قانون الطوارئ عن رقابة القضاء وسلطانه.

خيارات بديلة
وإن كانت السلطات المصرية تتخذ من الإرهاب منطلقا لمواصلة ضرب أهل سيناء بكل ما في ترسانتها من الأسلحة، فإن ذلك يروق للموساد والسي آي أيه، وهذا يتضح من خلال ترحيب واشنطن وتل أبيب بعمليات الجيش المصري ضد الجهاديين في سيناء، لأنهم لا يرفعون أسلحتهم بوجه الجيش المصري فقط، وإنما يهاجمون نظيره الإسرائيلي أيضا عبر الحدود.

وفي وقت تمضي فيه السلطات المصرية ومعها حكومة تل أبيب في استثمار تلك العمليات المسلحة الممتدة في سيناء منذ أواخر عهد مبارك لصالح إسرائيل عبر إنشاء شريط عازل من أجل إحكام الحصار حول غزة، فإننا نقترح لوضع حل جذري للمشكلة في سيناء البحث عن خيارات بديلة للحل الأمني، وذلك عبر تبني مشروع قومي يحدث تنمية جذرية في شبه جزيرة سيناء، والعمل على توفير موارد رزق من أجل إعاشة أهلها، والتصالح مع البدو هناك والقبائل التي تضررت من العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الأمن المصرية.

بشأن الشريط العازل على سلطات الانقلاب في القاهرة، أن تبلغ إسرائيل بأن السلام العادل هو الذي يحميها، وبدونه فلا شيء يحميها مهما حرصت على إقامة جدر عازلة وأشرطة تحت الأرض وفوق الأرض

هذا إضافة إلى العمل على تعويض المواطنين بسيناء عن الأضرار التي لحقت بهم جراء تلك الاعتداءات، وإحالة المتسببين فيها للمحاكمة العادلة والعاجلة.

وبشأن الشريط العازل على سلطات الانقلاب في القاهرة، أن تبلغ إسرائيل بأن السلام العادل هو الذي يحميها، وبدونه فلا شيء يحميها مهما حرصت على إقامة جدر عازلة وأشرطة تحت الأرض وفوق الأرض.

لن يتوقف أصحاب الحق عن النضال من أجل نيله، وعلى سلطات القاهرة أن تتوقف بدورها عن إتمام عمليات تشييد هذا الشريط العازل رحمة بأهالي سيناء، وإخواننا تحت الحصار في غزة.

وما لم يحدث ذلك فإن سيناء ستظل مثل البركان الثائر، ولن ينجح أبدا الحل الأمني فيها، بل سيدخل الجيش المصري في حرب استنزاف ثانية لكن هذه المرة ليست ضد عدو مصر والعرب الطبيعي في الشرق، وإنما ضد السيناويين، وستكون حربا لا نهاية لها ولا عائد منها إلا تقطيع أواصر الدم وصلات الرحم بين أهل الوطن الواحد.

وسوف تمثل تلك الحرب تهديدا بالغ الخطورة للأمن القومي المصري على المدى الطويل، وستكون لصالح إسرائيل فقط، وقادة الانقلاب في القاهرة يدركون ذلك جيدا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة