قصص الموت من بغداد.. والفكر الأميركي الجديد   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

محمد بن المختار الشنقيطي

كتبت مونيكا ديفي في صحيفة نيويورك تايمز يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري عن مشاعر الناس في قاعدة "فورت كامبل" بولاية كنتاكي الأميركية حيث ينتظر الأهالي قصص الموت التي ترد من بغداد كل يوم، فإذا لم يرد خبر في يوم من الأيام اعتبر الأهالي ذلك خبرا سارا في ذاته "لأنه يعني أن لا أحد من أبناء القاعدة مات اليوم" حسب تعبير الكاتبة.

وقاعدة "فورت كامبل" هي مقر الفرقة 101 الأسطورية التي يعول الجيش الأميركي على جرأة جنودها وخبرتهم واستعدادهم لاقتحام مواقع العدو. لكن هذه القاعدة فقدت حتى الآن قرابة الخمسين من عسكرييها العاملين في العراق، آخرهم تسعة من ضمن ضحايا سقوط –أو إسقاط– المروحيتين الأميركيتين يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.


إذا كان الاستعمار الأوروبي استغلالا للضعف العسكري، فإن الاستعمار الأميركي استغلال للضعف السياسي لدول لا يملك قادتها شرعية الداخل
وقد مات في العراق حتى الآن أكثر من 400 عسكري أميركي منذ بدء الحرب، أغلبهم لقي حتفه على أيدي المقاومة بعد نهاية الحرب، كما جرح أكثر من ألفين حسب إحصائيات وزارة الدفاع الأميركية.

إن مشاعر الناس في المدن والقرى المحيطة بقاعدة "فورت كامبل" وغيرها من القواعد العسكرية هي التي أمْلت التغيير المفاجئ في الإستراتيجية الأميركية بالعراق، وهي المشاعر ذاتها التي ستحدد معالم الإستراتيجية الجديدة ومآلها.

لقد امتاز الاستعمار الأميركي عن الاستعمار الأوروبي التقليدي دوما بالذكاء والفطنة، إذ لم يعتمد أسلوب الغزو المباشر وإن اضطر إليه فهو يتفادى تعيين إداريين أميركيين في الدول المستعمَرة كما فعل الفرنسيون والبريطانيون من قبل، ويجعل لسيطرته دائما وجها محليا. ويرجع ذلك بالأساس إلى استخلاص الأميركيين العبرة التاريخية من تجربة الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية اللتين أفل نجمهما بعدما استنزفهما التوسع غير الموزون.

لذا فإن الأميركيين اعتمدوا أسلوب الاستعمار غير المباشر الذي يتأسس على الاتفاقات الثنائية السرية، والتعاون الأمني الوثيق، مع حضور عسكري مكثف حول مناطق النفوذ من خلال الأساطيل البحرية والقواعد العسكرية، بحيث تبدو الدولة كاملة السيادة رغم أن قرارها الإستراتيجي يصاغ في واشنطن أو تحت عينها.

وإذا كان الاستعمار الأوروبي استغلالا للضعف العسكري الذي تعاني منه شعوب العالم الثالث، فإن الاستعمار الأميركي استغلال للضعف السياسي لأنه اختراق سياسي لدول لا تملك شعوبها الوعي السياسي الكامل، ولا يملك قادتها شرعية الداخل فهم يحتاجون إلى حماية الخارج.

وقد أعان الأميركيين على النجاح في استعمارهم السياسي لأهم الدول العربية كونُ الشعب العربي صبورا على الاستبداد، شكورا لقادته. لكن ما لم يتعلمه الأميركيون فيما يبدو هو أن أمر الاستعمار العسكري المباشر أمر مختلف.

لذا فإن غزو العراق مطلعَ هذا العام جاء مناقضا للتوجه الإستراتيجي الأميركي الذي استمر خمسين عاما، ليس في أسلوب الغزو -فقد غزت أميركا دولا أخرى من قبل- وإنما فيما بعد الغزو، وذلك حينما قررت واشنطن إدارة العراق بأسلوب الاستعمار القديم عبر تعيين رئيس أميركي للعراق سمَّتْه "سفيرا" و"حاكما مدنيا"، كما كان الاستعمار القديم يسمي ممثليه "مندوبين سامين".

وقد عولت الولايات المتحدة على عدة عوامل في نجاح حكمها للعراق، منها:

  • مقت الشعب العراقي للرئيس صدام حسين وزمرته التي عبثت بمصائر الناس في حروب عبثية.
  • وطأة الحصار والعقوبات التي تجعل كل من يرفعها مرحَّبا به حتى لو كان هو الذي فرضها!
  • تمزق لحمة المجتمع العراقي بانقساماته الطائفية والعرقية والمذهبية المعينة لسيطرة الغازي أيا كان.

كما ارتجت الولايات المتحدة من وراء الغزو تحقيق مغانم كبيرة، منها:

  • الاستغناء عن السعودية التي كانت حجر الزاوية في إستراتيجيتها الخليجية واستبدالها بالعراق.
  • رفع الشك عن أي برامج تسلحية قد تحمل مؤشرا لتوازن القوى مع الدولة اليهودية.
  • التحكم أكثر في النفط بما يضمن فرض إرادتها على منافسيها الدوليين مع بزوغ تعدد الأقطاب.

من هنا نفهم لماذا خرجت الولايات المتحدة عن معهود فكرها وسلوكها الإستراتيجي في المنطقة، وسلكت مسلكا غريبا على الفكر الإستراتيجي الأميركي كما هو غريب على عرف العالم اليوم، وهو مسلك الاستعمار والحكم المباشر لبلد مستقل. وما ذلك إلا لأن الغنيمة كبيرة والثمرة بدت ناضجة وسهلة الهضم.


فرضت قصص الموت الجماعي للجنود الأميركيين في العراق منطقا جديدا بعدما أدركت أميركا أن شعبها لن يتسامح مع تساقط أبنائه يوميا

وكانت الإستراتيجية الأميركية قبيل الحرب وبعدها مبنية على أساس الإدارة المباشرة للعراق أطول فترة ممكنة، وسد الباب أمام أي مؤثر خارجي قد يشوش على ترتيب البيت العراقي كما تريده أمنيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا، حتى لو كان هذا التأثير من أصدق أصدقائها أو من الأمم المتحدة. وهذا أمر مفهوم، فالانفراد هو وحده الذي يضمن جني ثمرة الاحتلال كاملة غير منقوصة.

لكن قصص الموت الجماعي للجنود الأميركيين الواردة من بغداد منذ مطلع شهر رمضان فرضت منطقا جديدا للتعاطي مع المسألة العراقية، إذ تدرك الإدارة الأميركية أن شعبها قد يتغاضى عن الكذب بشأن الأسلحة العراقية، وقد لا يهتم بالدماء العراقية التي سفكت أثناء الحرب وبعدها، لكنه لن يتسامح مع تساقط الشباب الأميركيين يوميا صرعى على أيدي المقاومة العراقية.

من هنا كان الإعلان المباغت عن الاستعداد لتسليم الأمر للعراقيين خلال ستة أشهر، وهو إعلان لا يدل على رغبة أو استعداد للتخلي عن الحلم الذي جاء بالأميركيين إلى العراق، وإنما هو عودة إلى أسلوب الاستعمار السياسي بديلا عن الاستعمار العسكري باعتبار الأول أقل كلفة وأقرب إلى "الذوق" الأميركي.

فالشعب الأميركي الذي حارب الاستعمار البريطاني عند ولادة دولته، ليس من ثقافته الرغبة في استعمار شعب آخر استعمارا مباشرا (مع استثناء فلسطين طبعا إذ هي بالنسبة للأميركيين مسألة اعتقاد تتجاوز اعتبارات السياسة والثقافة).

وتمنح الإستراتيجية الجديدة واشنطن عدة امتيازات، منها:

  • تسويق الأمل بين عامة الشعب العراقي بأن الاحتلال ظاهرة عابرة وأن الحصول على السيادة قضية وقت لا غير.
  • إضعاف المقاومة عسكريا وسياسيا عبر سحب البساط من تحتها، وانتزاع شعارات التحرير ومحاربة المحتل من يدها.
  • تهدئة النفوس داخل أميركا بعد أن تصاعدت الأسئلة عن حكمة الحرب وثمنها، ومصداقية الإدارة وكفاءتها.
  • إيجاد غطاء سياسي لسحق المقاومة دون اهتمام بسلامة المدنيين، وهو ما بدأ بالفعل في الهجمات والمداهمات الأميركية الأخيرة.
  • تأسيس بذرة "ديمقراطية وقائية" ناقصة تضع رجال واشنطن العراقيين في الصدارة، بدلا من مسار ديمقراطي شفاف قد يأتي بغيرهم.

لكن تبقى في يد المقاومة العراقية أوراقها التي لا يستهان بها، ومنها:

  • أن المسار المعلن عنه مؤخرا يحتاج إلى وقت لإنجازه، ولو أن المقاومة صعَّدت عملياتها قبل استكماله فقد يربك ذلك الإدارة الأميركية ويدفعها إلى الانسحاب.
  • وحتى لو تم تسليم السلطة بطريقة غير شفافة –وهو ما تبدو واشنطن مصرة عليه عن طريق استبعادها للأمم المتحدة– فإن المقاومة سيظل لها صوتها وأنصارها.
  • ثم إن من العسير على القوات الأميركية أن تنسحب من المدن إلى الصحراء بعدما استمرأت الجلوس في قصور صدام حسين، وهو ما يعني بقاءها في مرمى نيران المقاومة.

وقد وفرت الإستراتيجية الأميركية الجديدة للسياسيين العراقيين الذين تعاونوا مع سلطة الاحتلال هامش مناورة أكبر، لو أحسنوا استغلاله لخدموا بلدهم واكتسبوا المزيد من ثقة شعبهم بعد أن تلطخوا بتهمة التعاون مع المحتل.

ولن يكون استغلال هذه الفرصة بتقديم مزيد من الولاء والطاعة لواشنطن كما يفعل أحمد جلبي وصحبه، وإنما بتوسيع علاقات السياسيين العراقيين بدول الجوار وبدول أوروبا الداعية إلى استقلال العراق، وإصرارهم على تولي الأمم المتحدة الإشراف على التحول السياسي العراقي.


لن تقبل أميركا بتدخل المجتمع الدولي في العراق بسهولة لأنها ستعتبر ذلك خروجا للأمر من يدها وتفريطا في غنيمة حرب تعول عليها كثيرا
ومهما يكن فإن الفكر الأميركي الجديد لا يزال ملتزما بالخطوط العامة "لعقيدة بوش" من حيث الأحادية في الطرح والقرار، واستبعاد الأمم المتحدة والعالم من المشاركة في تقرير مصير العراق، رغم أن الخيار الوحيد الذي سيضمن تحولا ديمقراطيا وانسجاما داخليا هو تولي المنظمة الدولية الإشراف على هذا التحول بما يضمن شفافية المسار وشرعية القيادة، ومحو آثار الاحتلال من نفوس الناس وتضميد جراحهم ورد كرامتهم إليهم.

لكن أميركا لن تقبل هذا الخيار بسهولة، فالقيادة الأميركية تعتبر ذلك خروجا للأمر من يدها وتفريطا في غنيمة حرب تعول عليها كثيرا.

ومع ذلك فإن قصص الموت التي يتلقاها جيران قاعدة "فورت كامبل" وغيرهم يوميا هي العامل الحاسم الذي تركع أمامه كل العقائد السياسية والنظريات الإستراتيجية. فالشاب الأميركي الذي يتطوع في الجيش من أجل الحصول على دراسة جامعية مجانية، والأجنبي الذي يتطوع في الجيش الأميركي أملا في الحصول على الجنسية الأميركية، لا يملكان دافعا للموت في العراق. وأهلهما الذين يتلهفون لرجوعهما ليسوا مقتنعين بشرعية الحرب ولا بحكمتها السياسية.

أليس محزنا أن تكون قصص الموت الواردة من بغداد هي التي ستقنع الأميركيين في النهاية بأن العراق بلد ذو سيادة، وأن عصر الاستعمار قد ولَّى؟!
__________________
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة