الأزمة التركية.. الفساد والسياسة   
الجمعة 1435/2/25 هـ - الموافق 27/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)
خورشيد دلي


 
الفساد والمواجهة السياسية
التوقيت والدلالات
خريطة سياسية جديدة

ثمة أسئلة كثيرة عن سر سرعة تحول قضية الفساد الكبيرة التي تم تفجيرها في تركيا إلى أزمة سياسية، خاصة وأن التحقيقات في القضية استمرت 14 شهرا قبل أن يتم كشفها في توقيت حساس.

ولعل ما حولها إلى قضية سياسية بامتياز هو إقالة الحكومة لعشرات المسؤولين من قوات الأمن والشرطة والقضاء، فضلا عن إصرار رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان على توجيه أصابع الاتهام إلى الخارج، وتحديدا إلى الولايات المتحدة وإن لم يسمها حتى الآن.

الفساد والمواجهة السياسية
في انتظار أن يقول القضاء كلمة الفصل في قضية الفساد المثارة، تختلف التقديرات بشأن تداعيات هذه القضية على مستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم وزعيمه أردوغان الذي طالما تطلع للوصول إلى قصر تشانقاي الرئاسي في أنقرة.

هناك من يرى أن الحزب الذي فاز عدة مرات لن يتأثر كثيرا وإن خسر بعضا من أصواته، وثمة من يرى أن الأزمة الحالية مختلفة في طبيعتها وتداعياتها وستوثر على مستقبل الحزب في الحكم على أبواب انتخابات  حاسمة

فثمة من يرى أن الحزب الذي فاز في الانتخابات البرلمانية السابقة بأكثر من خمسين بالمئة من الأصوات، ويشغل حاليا الرئاسات الثلاثة (البرلمان، الجمهورية، الحكومة) لن يتأثر كثيرا وإن خسر بعضا من أصواته، وعكس هذه الرؤية ثمة من يرى أن الأزمة الحالية مختلفة في طبيعتها وتداعياتها وستؤثر على مستقبل الحزب في الحكم على أبواب الانتخابات المحلية والرئاسية والبرلمانية، خاصة وأن الظروف الداخلية والخارجية بالنسبة لتركيا باتت مختلفة.

في مجمل قضية الفساد الجارية، تتجه الأنظار إلى جماعة غولن المعروفة بالخدمة في تركيا (تنتمي تاريخيا إلى جماعة النور أو النورجية نسبة إلى العالم الديني سعيد النورسي المعروف ببديع الزمان)، وتحول التحالف القائم بين الجماعة والحزب إلى صدام مفتوح على خلفية تراكم الخلافات بين الجانبين ( الخلاف بشأن رئيس الاستخبارات حقي فيدان، العلاقة مع إسرائيل، التعامل مع تظاهرات تقسيم في إسطنبول،  قضية التعليم في المعاهد الخاصة...).

ولعل ما يجعل المواجهة مفتوحة بين الجانبين واحتمال ظهور الكثير من المفاجآت هو النفوذ الكبير لجماعة غولن في صفوف قوات الأمن والشرطة والقضاء، فضلا عن المرافق الحيوية، وتحديدا في مجالات الصحة والتعليم والخدمات. في التداعيات الدرامية لما قد يحصل في الأيام والأسابيع المقبلة، إضافة إلى استقالة ثلاثة وزراء، والتعديل الحكومي الذي أجراه أرودغان، يمكن التوقف عند ما يلي:  

1- الكشف عن ملفات فساد جديدة واستمرار موجة الإقالات والتنقلات في المؤسستين الأمنية والقضائية على خلفية المواجهة المفتوحة بين أردوغان وغولن.

2- موجة استقالة جديدة من المسؤولين في حزب العدالة والتنمية، في ظل الحديث عن خلافات بين أردوغان ونائبه بولنت أرينج الذي يمثل كتلة كبيرة في البرلمان تقدر بمائة نائب، فضلا عن الخلاف بين أردوغان والرئيس عبدالله غول بشأن طريقة التعاطي مع العديد من القضايا الداخلية والخارجية.

3- الاستقالة الجماعية لـ 15 نائبا يمثلون كتلة غولن في البرلمان في مرحلة متطورة من المواجهة.
4- تصعيد المعارضة التركية وتحديدا حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليجدار أوغلو من المطالبة باستقالة الحكومة ورئيسها أردوغان، خاصة بعد دعوة وزير البيئة المستقيل أردوغان إلى الاستقالة.

إلى جانب هذه الخطوات، فإن المشهد التركي بات مفتوحا من جديد على أزمة سياسية من نوع أزمات النظام التي كان يتحدث عنها مرارا رئيس الوزراء الراحل بولنت أجاويد، في إشارة إلى الدولة الخفية الموجودة في بنيان الحكم في البلاد وقدرتها على إثارة الأزمات وتغير التحالفات.

التوقيت والدلالات
دون شك، توقيت الأزمة حساس بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، ليس بسبب الاستحقاق الانتخابي في الداخل فقط، وإنما بسبب المرحلة الجديدة من العلاقات الأميركية-التركية، وتحديدا بين إدارة الرئيس باراك أوباما ورئيس الوزراء أردوغان على خلفية جملة من القضايا السياسية، بعد ما جرى في مصر وتطورات الأزمة السورية و تداعيات التقارب الإيراني-الأميركي، وصولا إلى توجه تركيا لإتمام صفقة الصواريخ مع الصين واستمرار الخلافات مع إسرائيل.

وفي هذا السياق ينبغي النظر إلى الدعوة التي وجهتها واشنطن إلى زعيم المعارضة التركية كمال كليجدار أوغلو لزيارتها، واللقاءات التي أجراها الأخير مع فتح الله غولن هناك، فضلا عن اللقاءات والاتصالات المتكررة بين المعارضة التركية والسفير الأميركي في أنقرة فرنسيس ريتشاردوني، كل ذلك مقابل جمود الاتصالات بين أوباما وأردوغان.

يعتقد أردوغان في العمق أن هناك مؤامرة ضد تركيا، وأن الأصابع الأميركية موجودة في قلب هذه المؤامرة، والهدف هو تركيا ودورها، ولعل هذا ما يفسر تهديداته بطرد سفراء بعض الدول وحديثه عن عملاء في الداخل

إذ تقول التقارير إنه لم يتم أي اتصال بين الرجلين منذ أشهر بعد أن كانت الاتصالات بينهما شبه يومية، حيث التشاور بشأن الأزمة السورية، وعليه يمكن التوقف هنا عند نقطتين:

الأولى: أن أردوغان يعتقد في العمق أن هناك مؤامرة ضد تركيا، وأن الأصابع الأميركية موجودة في قلب هذه المؤامرة، والهدف هو تركيا ودورها، ولعل هذا ما يفسر تهديداته بطرد سفراء بعض الدول، وحديثه عن عملاء في الداخل، وكذلك اتصال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بنظيره الأميركي جون كيري ليبلغه استياء أنقرة من سعي واشنطن إلى إسقاط حكومة أردوغان وتشويه سمعتها كما قالت الصحافة التركية.

الثانية: من الواضح أن أردوغان وفي مواجهة ما يتعرض له وحزبه ذاهب إلى مواجهة مفتوحة بالتوازي مع اتخاذ سلسلة خطوات للحد من تداعيات قضية الفساد على حزبه وحكومته.

ولعل أولى هذه الخطوات إجراء تعديل حكومي واسع، والحزم في مكافحة الفساد وتوجيه ضربات جديدة إلى معاقل غولن للإبقاء على الصورة القوية لحزب العدالة والتنمية استعدادا للمرحلة المقبلة.

خريطة سياسية جديدة
مع انتهاء تحالف أردوغان-غولن وتحوله إلى صراع يذكيه بعض أطراف المعارضة، من الواضح أن خريطة التحالفات السياسية والحزبية في البلاد لن تبقى كما هي عليها في المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية التي على نتائجها ستتضح القضايا المتعلقة باتجاهات الناخب التركي وتداعيات قضية الفساد.

الأمر الأكيد هنا، هو أن أردوغان لن يستطيع القول بعد اليوم إن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد في تركيا الذي لم يعرف الفساد في البلاد حتى لو ضرب على المتورطين بيد من حديد.

الأمر الثاني: أن المنبت الأيدولوجي الواحد أي الإسلامي لا يعني احتمال عدم تحوله إلى صدام ومواجهة بين الحلفاء، كما حصل بين حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن.

الأمر الثالث: أن قضية بناء تحالفات سياسية بين أحزاب مختلفة أيدولوجيا ليست جديدة في تركيا.

فمثل هذا الأمر حصل بين الحركة التي يمثلها غولن اليوم في السبعينيات وحزب العدالة في عهد الرئيس الأسبق سليمان ديميريل، كما حصل أيضا مع مؤسس الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان مرارا حين دخل في تحالف مع حزب العدالة بزعامة ديميريل في السبعينيات، ومن ثم حزب الشعب الجمهوري في مرحلة بولند أجاويد في الثمانينيات، ومن ثم حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر في منتصف التسعينيات، وشكل حكومة ائتلافية معها قبل أن يقدم استقالته في فبراير/شباط عام 1997 على خلفية ما عرف بالانقلاب الأبيض ضده من قبل الجيش، إثر البيان الشهير الذي عرف ببيان 28 فبراير/شباط.

سيناريو ما سبق، يرشح التوقعات التي تتحدث عن إمكانية حصول تحالف
توقعات بتحالف بين جماعة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض بزعامة كليجدار أوغلو، ويرجح آخرون عقد تحالف بين جماعة غولن وحزب الحركة القومية بزعامة دولت باغجلي
بين جماعة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض بزعامة كليجدار أوغلو، رغم أن البعض يستبعد مثل هذا التحالف نظرا للاختلاف الأيدولوجي الكبير بين الجانبين، ويرشح بدلا منه إمكانية حصول تحالف بين جماعة غولن وحزب الحركة القومية بزعامة دولت باغجلي.

وبغض النظر عن حصول مثل هذا التحالف أو عدمه مع أي من الحزبين، فلا شك أنها ستؤثر على نسبة أصوات حزب العدالة والتنمية في ضوء التقارير التي تتحدث عن أن نسبة المؤيدين لجماعة غولن في المدن الكبرى تتراوح بين 7 إلى 8 بالمائة فيما تتراجع هذه النسبة في الريف من 2 إلى 3 بالمائة.

ومقابل احتمال ظهور مثل هذا التحالف يرى البعض أن أردوغان قد يجد نفسه أمام تحالف مع حزب السلام والديمقراطي الكردي الذي له 36 نائبا في البرلمان خاصة إذا أقدم أردوغان على خطوات ملموسة لإيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا في ظل عملية السلام بين حكومة أردوغان وحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوجلان.

في الواقع، ومع أنه ما زال من السابق لأوانه الحكم على التداعيات النهائية لقضية الفساد في تركيا إلا أنه من الواضح أن ما حصل يرشح المشهد السياسي التركي للدخول في مرحلة انتهاء دور الحزب الحاكم الذي يهيمن على مؤسسات الدولة.

ومن المرجح بدلا من ذلك أن تتجه الأمور نحو مرحلة بناء تحالفات حزبية وسياسية جديدة، لن يستطيع معها حزب واحد قيادة البلاد، كما هو الحال منذ عام 2002 مع حزب العدالة والتنمية والاضطرار إلى الدخول في صيغ ائتلافية وتوافقية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة