إصلاح الأمم المتحدة.. من إقطاع دولي إلى ديمقراطية دولية   
الثلاثاء 21/5/1426 هـ - الموافق 28/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 9:32 (مكة المكرمة)، 6:32 (غرينتش)


توجان فيصل

الحديث عن إصلاح الأمم المتحدة سابق على الحديث عن الإصلاح في الشرق الأوسط والعالم الثالث الذي يقصد به تحديدا "الدمقرطة", وإن كانت طرأت على المشروع والخطاب الأميركي بالذات في هذا الشأن تعديلات تشكل تراجعات لخدمة عدد من الأنظمة العربية "الحليفة" لها، ولنكون أدق "التابعة" لها.

 

وأبرز هذه التراجعات استبدال تعبير "الحكم الصالح" من تعبير "الدمقرطة"، وسبق أن كتبنا عن مدى إمكانية قيام حكم صالح لحكام فاسدين, كما بينا تاريخ عبارة "الحكم  الصالح والحاكم أو الملك الصالح", وكيف أنه في الثقافة الأوروبية والغربية عموما توقف استعمال تعبيرات كهذه عند القرون الوسطى وبقيت تسترجع فقط في قصص الأطفال، وحتى هذه القصص غابت عنها مؤخرا لسيطرة أدب "الخيال العلمي".

 

أي أنه في حين باتت "الديمقراطية" أمرا مفروغا منه في الغرب وبات المطلوب من الأجيال الشابة وحتى الأطفال, النظر للأمام وتركيز أحلامهم وتطلعاتهم على المزيد من الإنجاز العلمي فإن المطلوب من البالغين في العالم العربي والعالم الثالث أن يقصروا أحلامهم على أمل أن يتعطف الحكام بأمر الله فيلطفوا بعباده و"رعيتهم"!!

 

"
الدول التي استجدت على الساحة الدولية كدول كبرى بقوتها الاقتصادية ثم العسكرية, تتزعم الآن مطالب إصلاح الأمم المتحدة وتجيش لترويجه والمطالبة به طوابير الأتباع الأصغر وصولا للعبيد في قاع السلم الاجتماعي
"
والغريب أن التعامل مع الأمم المتحدة, من جانب أميركا بالذات وبتواطؤ من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لا يتعدى استنساخ هذه النظرة للعالم العربي والعالم الثالث. فهم هنا يعودون للقرون الوسطى أمراء إقطاع لا تزيد دول العالم الثالث في نظرهم عن أن تكون إقطاعياتهم التي يقتسمونها أو يتحاربون عليها, لا فرق، وحكامها هم صغار الأتباع والحاشية الذين "يقتطعونهم" جزءا من ممالكهم تلك, ليديروها نيابة عنهم ويضمنوا لهم مصالحهم فيها.

 

والدول التي استجدت على الساحة الدولية كدول كبرى بقوتها الاقتصادية ثم العسكرية خاصة تلك التي لم تكن كذلك عند نهاية الحرب العالمية الثانية, لكونها الدول المهزومة (مثل ألمانيا واليابان), تتزعم الآن مطالب إصلاح الأمم المتحدة وتجيش لترويجه والمطالبة به, للأسف طوابير الأتباع الأصغر (نظام الإقطاع طبقي فعلا وفيه سلسلة من درجات النفوذ وتسلسل السادة والأتباع, وصولا أحيانا للعبيد في قاع السلم الاجتماعي). ووسيلة تجييش الأتباع هذه هي بشكل رئيسي توظيف الثروة, أي القوة الاقتصادية بدرجة أولى, ثم القوة العسكرية.

 

ويكفي لتأكيد قولنا هذا أن معنى الكبر أو العظمة في اصطلاح "الثماني الكبار" (الكلمة الإنجليزية تعني العظمة أكثر مما تعني الكبر), هو أنها دول صناعية تشكل قوة اقتصادية كبرى. وهذا هو "الرأسمال السياسي" في صورته التي تتجلى في السياسة الدولية.. أما الرأسمال السياسي كما يتجلى دوره في الداخل وحتى داخل دول الثماني الكبار وأثره على الديمقراطية ومستقبلها فيلزمه بحث آخر يتناول الكثير مما استجد عندنا وعندهم في السنوات وحتى الأشهر والأسابيع القليلة الماضية.

 

وعند الحديث عن استحقاق العضوية الدائمة في مجلس الأمن يبدو طريفا أنه حتى الصين التي لا تزال اشتراكية لحد بعيد, بل وتتطلع إليها كوريثة للاتحاد السوفياتي السابق العديد من دول المجموعة الاشتراكية، حتى الصين هذه تطالب بمقعد في مجلس الأمن بامتياز أنها دولة غنية بالموارد والفرص, ولكونها قوة نووية, بأكثر مما هو امتياز مساحتها الجغرافية وتعدادها السكاني, الذي لا يزال عقبة تعالج وإن لم يكن بأسلوب ماو تسي تونغ في حصر حق الإنجاب بطفل واحد.

 

ومن قبلها جلس الاتحاد السوفياتي الشيوعي مائة بالمائة في مجلس الأمن بذات قوة المال والسلاح, الأقرب في ترجمتها السياسية (أي ترجمة هذه القوة) للإقطاع القديم من قرب الدول الرأسمالية الديمقراطية المتحدرة من نظم إقطاعية طورت بسبب تغير وسائل الإنتاج وبالتالي مراكز القوى, أو هجنت أو دجنت.

 

فالحزب الشيوعي الحاكم ضمن طبقية تنتهي بالحاكم الدكتاتور الذي تنتهي ولايته بالوفاة فقط (توريث من نوع آخر للحكم) كان المالك الحقيقي للأرض ونتاجها والكل يعملون لديه وتعطيهم "دولة الحزب" ما تعتقد هي أنها كفايتهم وفي نفس الوقت تسيرهم لحروب لا يملك أحد فيها  أن يقول لا, ولو كانت مبادئه ضد الحرب أو  ضد النظام الحاكم أو ضد  الفكرة أو النهج والسياسة الأحادية التي يقرر الحكام خوض الحرب دفاعا عنها.

 

"
الإصلاح الآتي من الثماني الكبار أو الدول الصناعية ومن يدور في فلكها أو حتى من الاتحاد الأوروبي, هو أشبه بصراعات ملوك وأمراء الإقطاع منه إلى إصلاح يخاطب على الأقل المبادئ الأساسية التي عليها ومن أجلها قامت الأمم المتحدة
"
وهذا نسخ عن النظام الإقطاعي لا يتحقق بذات الطريقة داخل الدول الرأسمالية الديمقراطية، فالأخيرة يخضع قرار الحرب فيها, كما السياسات كلها بما فيها السياسات الخارجية, لموافقة مجالس نيابية منتخبة (ولا نتحدث هنا عن التضليل الإعلامي أو الدور السلبي للرأسمال السياسي داخل الديمقراطيات كما سبق أن نوهنا)، أي أن الدول الرأسمالية هي ديمقراطية في الداخل, ولكن مجمل الدولة (الشعب وحكامه ومؤسسات حكمة) تتصرف "كعائلة" إقطاعية في مواجهة العالم الثالث وشعوبه.

 

من هنا يصبح الإصلاح الآتي من الثماني الكبار أو الدول الصناعية ومن يدور في فلكها, أو حتى من الاتحاد الأوروبي (تحاول أن تزيد حصتها من القرار الدولي), أشبه بصراعات ملوك وأمراء الإقطاع منه إلى إصلاح يخاطب على الأقل المبادئ الأساسية التي عليها ومن أجلها قامت الأمم المتحدة, كما وردت في أدبياتها السياسية العامة, كما القانونية المحددة.

 

وبالتحديد, إذا كانت الأمم المتحدة قد قامت على أشلاء عصبة الأمم بغرض تجنيب العالم كارثة حرب عالمية ثالثة, فإن النقائص الموجودة في بنية الأمم المتحدة, وفي  مجلس الأمن بالذات أدت إلى إضعاف الهيئة العامة وإنقاص هيبتها, خاصة بعد أن أصبحت تجبر على العودة عن قراراتها السابقة بإملاءات من ذات القوى المسيطرة على مجلس الأمن.

 

وجاء قرار غزو أميركا للعراق, رغما عن مجلس الأمن,  ثم قيام المجلس بإعطاء شرعية بأثر رجعي لهذا العزو حين تعامل معه على أنه أمر واقع يعيد ترتيب الأدوار بما فيه دور واسع للمحتلين في الشأن العراقي, وليس باعتباره جريمة عدوان.. عندها فقد مجلس الأمن هيبته ومصداقيته, بل شرعيته كونه قبل أن يتبع غزوة "هتلرية" جديدة بدلا من منع تكرارها.. وبات حاله كحال الجمعية العمومية.

 

"
الحديث عن توسيع عضوية مجلس يوفر الغطاء بأثر رجعي لخرق فادح للأمن العالمي, هو عودة لحال الإمبراطوريات الاستعمارية التي وسمت القرون الغابرة السابقة
"
إن الحديث عن توسيع عضوية مجلس يوفر الغطاء بأثر رجعي لخرق فادح للأمن العالمي, أو استحداث مقاعد دائمة جديدة فيه "لقوى" مالية وعسكرية جديدة نشأت أو استعادت قوتها السابقة وتريد أن تستعيد بالتالي نفوذها "الإمبراطوري" خارج حدودها القطرية, هو تكريس لمبدأ مغاير لكل مبادئ الأمم المتحدة، هو عودة لحال الإمبراطوريات الاستعمارية التي وسمت القرون الغابرة السابقة على مبادئ الديمقراطية وحقوق ومساواة الإنسان وسيادة الدول والحفاظ على السلم العالمي.

 

وإذا كان السلم العالمي سيحفظ بتوسيع عضوية مجلس أمن  كهذا ليشمل أباطرة جددا فهو مبدأ "الاستسلام" الذي يحرم الشعوب الأفقر والأضعف حتى من الأمل الذي كانت تتمتع به حين كانت تواجه في نضالها  إمبراطورية واحدة, لا تحالف إمبراطوريات العالم, وكانت نضالاتها تعتبر مشروعة, بل وبطولية, لا جرائم إرهاب تحاكم عليها دوليا ويتم تبادل أبطالها في رزم, تسلم وتستلم بين دول الإمبراطوريات والدول التابعة, في مقايضة معيارها ليس حق الدفاع عن النفس بعد سلب حق الدفاع عن الوطن.. بل إن أي السجون في ظل أي نظام سيد أو تابع, سيكون أكثر مواءمة لخرق حقوق الإنسان والشعوب والأديان, دونما حسيب أو رقيب!!

 

إن الإصلاح الذي يجب طرحه بخصوص الأمم المتحدة, كما الإصلاح الذي يجب فرضه شعبيا في الدول التي أصبحت حقل تجارب لوصفات عجيبة من مثل "الحكم الصالح لحكام فاسدين".. هو أن نطور نماذج لنا باستحضار مجمل تجارب الأقطار الديمقراطية الحقة, للتوصل إلى أنظمة حكم تنشأ شرعيتها من صناديق الانتخاب وتحدد لها مدة ولاية لا يجوز تجاوزها تحت أي ذريعة, لتحقيق مبدأ تداول السلطة وسلطة الشعب. وسلطة الشعب وحدها كفيلة بتوفير كل ما يلزم "للخصوصية" التي بزعمها يتم القفز على الديمقراطية, اللهم إلا إذا كانت الخصوصية المقصودة ليست تلك الخاصة بأمة وشعب, بل بحاكم بعينه.

 

ومن تجارب الأنظمة الديمقراطية الفدرالية (وقد طرحت هذا على مؤتمر برلماني عقد في طوكيو لدعم جهود إصلاح الأمم المتحدة), يمكن استخلاص نظام فدرالي دولي يحفظ حق الدول الصغيرة (مساحة وسكانا وثروة) فلا تلحق بغيرها أو تلغى, ويحفظ حق الدول الكبيرة فلا تتساوى في القرار دولة بحجم قارة وبتعداد مئات الملايين من البشر مع دويلة من بضعة كيلومترات وربع أو خمس مليون مواطن.

 

"
معايير الأمم المتحدة الحالية لا علاقة لها بالأمن ولا بالأمان ولا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، هي فقط تكتل وتجميع للإمبراطوريات يتبعه إحياء غير معلن للإقطاعيات يجري عبره اقتسامنا بينهم أرضا وثروات وصولا للبشر
"
وهنالك ضوابط معروفة عند الفدراليات العريقة التي ثبت أن أنظمتها تحقق الاستقرار الداخلي بتحقيق عدالة سياسية واجتماعية واقتصادية, منها وضع حدود دنيا وحدود عليا لثقل تصويت لولاية وحسب نوع القرار. وفي شأن الثروات هنالك تجارب لحفظ أحقية  الولايات (الدول في النظام الدولي المقترح) في ثرواتها, مقابل مساهماتها في الاقتصاد الفدرالي (الدولي), كلها محسوبة بحيث لا يتحول أهل  أفقر ولاية لمتسولين وعبيد مقنعين, ولا تصبح ولاية أخرى مجمعا لمنتجعات تضم قصور النخبة الثرية فقط!!

 

وحتى شؤون السيادة التي هي الفارق الأكبر بين الفدرالية داخل دولة والديمقراطية كنظام دولي هنالك معالجات لمتطلبات السيادة داخل الولاية ضمن الفدراليات, إن جمعت لمفاهيم السيادة التي طورها الفقه القانوني على امتداد التاريخ الإنساني, ثم القوانين الدولية, وصولا لما يتم تداوله في الاتحاد الأوروبي الآن, هذا بمجموعه يمكن أن يشكل قاعدة انطلاق لمنظومة دولية عادلة.

 

ثم إن الكثير مما يخلق أزمات دولية تحت شعار أو ذريعة "السيادة" سيزول تلقائيا حين تعتمد الديمقراطية معيارا عالميا, بحيث لا تنضم للمنظومة الدولية الجديدة إلا "دول ديمقراطية" بدلا من "دول ذات سيادة" المستعملة الآن, التي تتيح أن تدخل الدكتاتوريات الصغيرة التابعة للدول الكبرى في عضوية  الأمم المتحدة, لترفع يدها بالتصويت لصالح تلك القوى الدولية وضد مصالح شعوبها, في حين تحرم شعوب أرضها محتلة من عضوية الأمم المتحدة.

 

وهذا الأخير وحده كاف للدلالة على أن معايير الأمم المتحدة الحالية لا علاقة لها لا بالأمن ولا بالأمان ولا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، هي فقط تكتل وتجميع للإمبراطوريات, يتبعه إحياء غير معلن للإقطاعيات يجري عبره اقتسامنا بينهم أرضا وثروات, وصولا للبشر!!
ــــــــــــــ
كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة