عودة السفير الأميركي ومستقبل علاقات دمشق وواشنطن   
الاثنين 1430/7/20 هـ - الموافق 13/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:17 (مكة المكرمة)، 13:17 (غرينتش)
عمر كوش

 

- دلالات القرار

- من التأزم إلى الحوار
- الجانب السوري
- الجانب الأميركي

جاء قرار الرئيس باراك أوباما بإعادة السفير الأميركي إلى دمشق في أعقاب الزيارات المتواترة التي قامت بها مؤخرا وفود من مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين إلى جانب عدد آخر من المسؤولين السياسيين الأميركيين إلى العاصمة السورية دمشق.

وإذا كان القرار يطوي غيابا استمر ما يقارب أربع سنوات، فإنه يشكل خطوة تنسجم مع نهج الحوار مع سوريا الذي بدأه الرئيس الأميركي فور وصوله إلى البيت الأبيض، ويعكس التغير والتحسن الملحوظ الذي بدأت تشهده العلاقات الأميركية السورية مع بداية عهد أوباما.

"
أدرك الرئيس أوباما أن سياسة الدعم الأعمى لإسرائيل لم تساهم في غير وضع عقبات عديدة أمام عملية السلام في الشرق الأوسط وفي تعريض المصالح الأميركية لشتى المخاطر
"
دلالات القرار

لا شك أن عودة السفير الأميركي إلى دمشق ستفتح آفاقا جديدة في مسار العلاقات السورية الأميركية، بوصفها ترمز إلى أكثر من رغبة في تطويرها بشكل إيجابي، وبما يعني عودتها إلى الحوار والتفاهم المشترك بعد أن سادها التوتر والمشادات خلال ثماني سنوات المنصرمة.

ويعبّر القرار عن اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بأهمية دور سوريا الإقليمي، ويعتبر دليلا واضحا على فشل سياسة عزل سوريا ومعاقبتها التي انتهجها جورج دبليو بوش، و"يعكس اعتراف الإدارة بالدور المهم لسوريا في المنطقة"، حسبما صرح به إيان كيلي المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، خصوصا وأنه يأتي في وقت بدأ فيه الحديث عن "خطة أميركية" للوصول إلى سلام بين سوريا وإسرائيل، ينهض على مبدأ إعادة منطقة الجولان المحتلة إلى السيادة السورية وجعلها منزوعة السلاح من خلال تحويلها إلى "حديقة للسلام"، مقابل ابتعاد القيادة السورية عن إيران وتخليها عن دعم الفصائل الفلسطينية وحزب الله اللبناني.

وبصرف النظر عن مدى دقة التسريبات الإعلامية حول فحوى ومضمون هذه الخطة، فإنه من الصعوبة التوصل إلى أي حل للصراع مع العدو الإسرائيلي في حالة استبعاد سوريا منه.

وتدرك الإدارة الأميركية جيدا أن لسوريا دروا هاما في حل الملفات الساخنة في المنطقة، وأن الحل الشامل لقضية الشرق الأوسط يجب أن يشملها ولا يستثني أحدا في المنطقة.

ويبدو أن التوجه الجديد الذي اعتمده الرئيس الأميركي في سياسته الشرق أوسطية قد بدأت تظهر ملامحه، على الأقل على مستوى الخطاب السياسي، بدءا من رسالته الموجهة إلى إيران، مرورا بما قاله خلال زيارته إلى تركيا، وانتهاء بخطابه الموجه إلى العالم الإسلامي في جامعة القاهرة.

ويشكل قراره بإعادة السفير الأميركي إلى دمشق خطوة عملية في اتجاه الترجمة العملية لخطابه السياسي.

من التأزم إلى الحوار
الواقع هو أن العامل الرئيسي الذي كان يعكر ويوتّر العلاقات الأميركية مع مختلف البلدان العربية هو الانحياز المطلق للإدارات الأميركية السابقة لإسرائيل ولممارساتها العدوانية.

وقد أدرك الرئيس أوباما أن سياسة الدعم الأعمى لإسرائيل لم تساهم في غير وضع عقبات عديدة أمام عملية السلام في الشرق الأوسط، وفي تعريض المصالح الأميركية لشتى المخاطر.

وهو يسعى حاليا إلى تصويب ذلك، لكن يجب عليه أن يضع قادة إسرائيل على خط السلام الشامل، لأن المطلوب هو اتخاذ خطوات عملية أخرى بخصوص حل الصراع العربي الإسرائيلي والدخول في عملية سلام شامل وعادل.

وكان تأزم العلاقات السورية الأميركية يتصل بالأهداف الإستراتيجية الأميركية، مثل "الحرب على الإرهاب"، واحتلال العراق، والوضع في لبنان والصراع العربي الإسرائيلي، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث كانت الإدارة الأميركية السابقة تولي ما تسميها "الحرب على الإرهاب" أهمية قصوى، وتمادت في التلويح بأولويتها بعد احتلال العراق.

ووظفت الإدارة الأميركية ما حصل من أحداث خطيرة في لبنان من أجل إرباك النظام في سوريا على صعيد الداخل اللبناني، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، بينما سعى النظام بدوره إلى تجيير الوضع اللبناني لصالحه، بواسطة تثبيت البيت اللبناني والوقوف بوجه أية محاولة لتغيير الأوراق التي يمكن أن تؤثر عليه.

ثم تأتي متغيرات الصراع العربي الإسرائيلي، التي تخص القضية الفلسطينية وعملية التسوية، حيث تماهت مواقف الإدارة الأميركية مع مواقف حكومات الاحتلال الإسرائيلي. وبعدها يأتي المشروع الأميركي للإصلاح في المنطقة الذي كان يخفي أهدافا لا تخدم شعوب ودول المنطقة، والأمر الذي لا يمكن السكوت عنه هو أن الإدارة الأميركية السابقة كانت تريد تحويل المنطقة العربية إلى حقل تجارب، وبلدان مدمرة.

وقد أبدت سوريا تعاونا لافتا في قضايا الحرب على الإرهاب والوضع في العراق، لكن يبدو أن الإدارة الأميركية كانت ترغب في جعل الفضاء اللبناني منطلقا للحصول على التغير المطلوب في الموقف السوري.

"
يعتبر الجانب السوري قرار إعادة السفير الأميركي إلى دمشق خطوة في الاتجاه الصحيح المفضي إلى تطبيع العلاقات الأميركية السورية، لكن يبقى على الجانب الأميركي أن يزيل العقوبات المفروضة على سوريا وأن يرفع اسمها نهائيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
"
لا شك أن مشهد العلاقات السورية الأميركية اختلف مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة، التي قامت بمراجعة سياساتها حيال منطقة الشرق الأوسط، واعتمدت لغة الحوار مع سوريا، وأرسلت العديد من المسؤولين الأميركيين للتحاور مع المسؤولين السوريين، وتوجتها زيارة جون كيري الأخيرة لدمشق، التي يبدو أنها وضعت اللمسات النهائية لأسس الحوار الرسمي بين الإدارة الأميركية والقيادة السياسية السورية.

ويمكن القول إن سنوات من محاولات عزل سوريا ومعاقبتها والضغط عليها، بل واستبعادها من أية عملية سلمية في الشرق الأوسط، قد انتهت.

وليس خفيا أن هنالك مراهنات أميركية وأوروبية وعربية على أن دخول سوريا في عملية التفاوض مع إسرائيل، وأن التقدم في عملية التفاوض، سيقودها إلى الانسحاب التدريجي من الحلف الإستراتيجي مع إيران.

لكن بالمقابل، هنالك أيضا من يعتقد أن هذه المراهنات مجرد وهم، إذ من الصعب التقدم على مسار عملية السلام عبر التفاوض مع حكومة اليمين الإسرائيلي المتشدد بزعامة بنيامين نتنياهو، فضلا عن أن التحالف بين إيران وسوريا لا يمكن فكه عبر الدخول في عملية التفاوض مع الطرف الإسرائيلي.

الجانب السوري
يعتبر الجانب السوري قرار إعادة السفير الأميركي إلى دمشق خطوة في الاتجاه الصحيح المفضي إلى تطبيع العلاقات الأميركية السورية، لكن يبقى على الجانب الأميركي أن يزيل العقوبات المفروضة على سوريا وأن يرفع اسمها نهائيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

كما تعتبر القيادة السياسية السورية أن خيارها هو السلام الإقليمي، ودخلت في مفاوضات، مباشرة وغير مباشرة، مع الطرف الإسرائيلي بهدف استعادة هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل عام 1967، لكن شريطة أن لا يمنح ذلك إسرائيل أي أرجحية إستراتيجية، ولا يمنحها كذلك الاستمرار في قمع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.

وبالفعل، فقد جرت عملية بناء السياسة الخارجية السورية، خلال العقود الماضية، وفق معطيات الصراع مع "الكيان الصهيوني" حربا أو سلاما، حيث تم ترتيب الأولويات السورية وفق هذه السياسة، فالتحالفات الدولية يتم الدخول فيها أو الحوار معها بناء على قربها أو بعدها من هذا "العدو"، والتوازنات والمحاور الإقليمية يجري تنضيدها وتأليفها لمواجهة هذا "العدو التاريخي".

لذلك يصح القول إن السياسة الخارجية السورية تتحدد وفق الموقف من إسرائيل وموقف العالم منها. إنها سياسة تقوم على معادلة بسيطة تتبع المثل القائل: "عدو عدوي صديقي"، أما "صديق عدوي" فعلينا أن نحدد أولا درجة صداقته ونسبتها، ثم نحدد بالتالي درجة صداقتنا له ونسبتها. وقد انسحب ذلك التقييم على علاقة سوريا مع الدول العربية والأوروبية أيضا.

وعلى الرغم من المواقف المتبدلة والمتحولة للولايات المتحدة الأميركية من سوريا، فإن الأخيرة سعت على الدوام إلى إنشاء علاقة جيدة ومتوازنة معها، مقابل سعي الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدة الأميركية إلى استجلاب سوريا إلى معسكر السلام، الذي تحوّل إلى معسكر "الاعتدال"، والذي من شأنه -إن تمّ- أن يرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط.

وفي سياق ذلك، دخلت القيادة السورية في تحالف إستراتيجي على مدى 30 عاما مع إيران، أي منذ الإطاحة بالشاه عام 1979، ومثّل "حزب الله" الشريك السوري الأساسي في لبنان منذ بداية ثمانينيات القرن المنصرم.

كما دعمت هذه القيادة حكومة حركة حماس في قطاع غزة، ووفرت مقرا لرئيسها خالد مشعل في دمشق، وهي تنظر إليها كحركة مقاومة وطنية شرعية للاحتلال الإسرائيلي وممارساته العدوانية.

"
يبقى أن مستقبل العلاقات السورية الأميركية مرهون بما ستفضي إليه الجهود الأميركية في دفع ورعاية العملية السلمية، وبمدى تأثيرها على حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل وإلزامها بوقف الاستيطان والدخول في مفاوضات تفضي إلى سلام عادل وشامل
"
الجانب الأميركي

صدرت عن الجانب الأميركي إشارات عديدة، تشي بتغير السياسة الأميركية حيال العراق وسوريا وإيران والقضية الفلسطينية، ولا شك أن أي تقارب إيجابي بين الولايات المتحدة الأميركية وسوريا سيغير معطيات المنطقة بصورة كبيرة، خصوصا إن ترافق مع عودة المفاوضات السورية الإسرائيلية برعاية أميركية.

ويبقى المطلوب سوريا هو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ورفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويمكن ربط قرار إعادة السفير إلى دمشق مع بوادر الانفتاح البريطاني مع حزب الله اللبناني، والبوادر الأميركية الخجولة المترافقة مع المطالبات الدولية بالانفتاح الواسع على اللاعبين غير الدولاتيين، بدءا من حركة طالبان في أفغانستان وصولا إلى حركة حماس في فلسطين، لأن منطقة الشرق الأوسط لا تحتمل سوى الحوار والتفاهم، بغية الخلاص من الحروب والتوترات والأزمات والوصول إلى مخارج وتسويات ترضي الجميع، ولا تستثني أحدا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن إسرائيل عملت، ولا تزال، على نسف جهود التسوية العادلة وحل الملفات الساخنة، وعلى مرأى ومسمع العالم كله، وشجعتها وباركت مواقفها الإدارة الأميركية السابقة.

لذلك فإن المطلوب من الإدارة الجديدة أن تفعل شيئا لوقف الصلف والعربدة الإسرائيلية في المنطقة، والأجدى بها أن تستخدم أوراقها الضاغطة، بما فيها مجلس الأمن، لبعث الروح في مفاوضات السلام المتوقفة وتطبيق خارطة الطريق والوصول إلى حل الدولتين.

وتعلم الإدارة الأميركية أن سوريا أبدت تعاونا هاما في قضايا الحرب على الإرهاب والوضع في العراق، وفي حل الوضع اللبناني والوصول إلى التوافق، حيث لم تتدخل في الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة، حسب تصريحات معظم المسؤولين اللبنانيين.

وما اعتراف الإدارة الأميركية بالدور الإقليمي الهام الذي تلعبه سوريا في المنطقة إلا دليل إضافي على التراجع عن سياسة العزل والمقاطعة، وإحلال سياسة الحوار وتنقية الأجواء محلها.

ويشكل هذا الاعتراف تحولا يستحق الترحيب، مع التأكيد على أن الحوار وسيلة وليس غاية في حدّ ذاته، والمهم هو تأدية وتطبيق الهدف منه.

ويبقى أن مستقبل العلاقات السورية الأميركية مرهون بما ستفضي إليه الجهود الأميركية في دفع ورعاية العملية السلمية، وبمدى تأثيرها على حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل وإلزامها بوقف الاستيطان والدخول في مفاوضات تفضي إلى سلام عادل وشامل في المنطقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة