المقاومة في العراق.. الانطلاقة والخلفية والمستقبل   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة*

-مسار عراقي آخر
-الاتهامات الأميركية
-
من هي الجهات المقاومة؟
-
موقف القوى السياسية والشارع
-المواجهة السياسية والشعبية

بتاريخ 22/5/2003 وافق مجلس الأمن الدولي على قرار يشرّع الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق، وبذلك أخذ الوجود العسكري الأميركي البريطاني صفة الاحتلال المباشر بعد أن جاء محمولاً على دعاوى التحرير.

لم يتحفظ الأميركيون من هذه الصيغة وأقروا بوجودهم الاحتلالي أمام الملأ، مما أحرج بعض أطراف المعارضة العراقية التي تعاونت معهم، حتى إن رجلا مثل زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي الأقرب إلى أميركا بادر إلى انتقاد القرار.

والقرار لم يكن عنصر الأزمة الوحيد، فالممارسات الأميركية البريطانية على الأرض كانت فاضحة، سواءً لجهة السلوك اليومي في عدد من المدن العراقية أم لجهة القرارات الكثيرة المتعلقة بإعادة النظر في بناء الدولة، ومثال ذلك حل الجيش ووزارة الإعلام ومطاردة أعضاء حزب البعث جميعاً -في خطوة عبثية-ووضعهم في سلة واحدة في بلد كان محكوماً بالكامل من طرف الحزب المذكور. ثم أضيف إلى ذلك كله المماطلة في تعيين الحكومة الانتقالية والإصرار على صيغة الاحتلال الذي يبحث عن متعاونين معه لا أكثر، بصرف النظر عن ألوانهم وأشكالهم أو المسميات التي سيعملون تحتها.

مسار عراقي آخر


بدأت المقاومة في الفلوجة وامتدت إلى محافظة الأنبار وداخل بغداد نفسها وصولاً إلى الشمال في الموصل، وعلى نحو يومي تقريبا
بينما الساحة السياسية العراقية مزدحمة بالطروحات واللقاءات والبيانات والتظاهرات كان ثمة آخرون يأخذون مساراً مختلفا يقوم على مطاردة القوات الأميركية والاشتباك معها على نحو يومي في مواقع متعددة.

بدأ هذا المسار في مدينة الفلوجة العراقية التي تبعد حوالي 50 كلم عن العاصمة بغداد، فكان أول احتكاك بين الأهالي والقوات الأميركية مبكراً عقب سقوط بغداد، عندما طالب الأهالي القوات أميركية بالخروج من إحدى المدارس ورفضوا، فجرى تنظيم مظاهرة سلمية أطلق الأميركيون النار عليها فسقط من المتظاهرين 13 رجلاً وعشرات الجرحى.

فاشتعلت على أثر ذلك مواجهات ليلية مع قوات الاحتلال أدت إلى خروج القوات الأميركية من المدينة إلى ضاحية خارجها تدعى "الصدامية"، ثم ما لبثت أن اتخذت هذه القوات من عملية نفذت ضدها ذريعة للعودة إليها مجدداً، وليبدأ مسلسل آخر من الاشتباك معها بين الحين والآخر.

ونشرت مقاومة الفلوجة بضاعتها خارج المدينة، وامتدت العمليات إلى محافظة الأنبار وداخل بغداد نفسها وصولاً إلى الشمال في الموصل، وعلى نحو يومي تقريبا أثار قلق القوات الأميركية وقيادتها وطرح سؤالاً جدياً حول هوية الجهة التي تنفذ تلك الأعمال.

الاتهامات الأميركية


التصوير الأميركي للمقاومة على أنها محاولة لإعادة صدام إلى السلطة، هو محاولة لحرقها شعبياً وتوفير تعاون من العراقيين ضدها
بدا واضحاً خلال الأسبوعين الماضيين نزوع القوات الأميركية إلى تحميل المسؤولية لبقايا حزب البعث وفدائيي صدام حسين. وذهب وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد إلى أن سلسلة الهجمات التي وقعت لم تكن جزءًا من حملة وطنية عامة ومنظمة، لكنها ترجع إلى أنصار الرئيس السابق صدام حسين في شمال البلاد. وقال إن الرد على ذلك قد بدأ بتجنيد العراقيين للتعاون مع قوات الاحتلال.

والخلاصة أن استمرار المقاومة –حسب رمسفيلد- مازال يتحرك على إيقاع صدام ووجوده، وهو ما ذهب إليه أحمد الجلبي في واشنطن حين قال للأميركيين إن صدام قد شوهد مؤخراً في شمال بغداد وإنه يدفع مبالغ كبيرة لمن يقتل أميركياً.

أما الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر فقد قال في شهادة له أمام لجنة تابعة لمجلس النواب الأميركي إن المقاومة منظمة على هيئة مجموعات من خمسة وعشرة أشخاص. وجاء كلامه عقب إسقاط المقاومة لمروحية أميركية في الشمال، وفي ظل هجوم واسع للقوات الأميركية على ما قيل إنه معسكر لتدريب "الإرهابيين"، أدى إلى قتل حوالي مئة منهم. وسميت العملية باسم "شبه الجزيرة" مذكرة بالعمليات المشابهة في أفغانستان لمطاردة تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

السؤال المطروح هنا هو: هل الإدارة الأميركية مقتنعة بالفعل بأن بقايا صدام هم الذين يديرون عمليات المقاومة، أم أن هذا الطرح ينطوي على أهداف أخرى؟

ما يمكن الجزم به هو أن الإدارة الأميركية إنما تهدف إلى إشاعة روح شعبية رافضة للمقاومة من وراء الترويج لوقوف بقايا صدام خلف العمليات، وقد تأكد ذلك أيضاً من خلال القول إن هذه الهجمات تعطل عملية إعادة الخدمات إلى البلاد أيضاً.

فتقديم المقاومة على أنها محاولة لإعادة صدام إلى السلطة هو السبيل الأفضل لحرقها شعبياً، وتوفير تعاون من العراقيين ضدها. وهذه الصورة قد تكون برسم التصديق من قبل البعض في الحالة العراقية، نظراً لحجم الكراهية لصدام حسين في الشارع.

بيد أن إعمال العقل سيقول إن من لم يقاوموا ورئيسهم حاضر والبلد لم يسقط بعد، لن يتوقع منهم أحد أن يفعلوا ذلك بعد انهيار الوضع على نحو شامل. ولعل من السخف أن يقتنع أحد بأن صدام سيعود من جديد. وبالطبع فإن مشاركة بعض العراقيين من العاملين في النظام السابق في المقاومة لن يكون مستبعداً ولكن على أسس جديدة لا صلة لها بالماضي.

من هي الجهات المقاومة؟


المقاومون هم إسلاميون سنة لا صلة لهم بالتنظيمات المعروفة، فهم شبان يعيشون على تراث حماس فلسطين والمقاومة اللبنانية وأسامة بن لادن
في ضوء ما توفر من معلومات وبيانات يمكن القول إن من يقفون خلف المقاومة حتى الآن هم من العرب السنة، سواءً في الفلوجة والرمادي أم في بغداد. ولا يحدث ذلك إلا لأن السنة عملياً لا مرجع لهم، خلافاً للشيعة الذين سيقاومون بقرار وسيهادنون بقرار أيضاً من المراجع على تعددها. والواضح أن قراراً بالمقاومة المسلحة لم يتوفر لدى الطرف الشيعي حتى هذه اللحظة.

وحسب المعلومات المتاحة فإن الذين نفذوا العمليات هم إسلاميون سنة لا صلة لهم بالتنظيمات المعروفة، فهم شبان يعيشون على تراث حماس فلسطين والمقاومة اللبنانية وأسامة بن لادن، فهم من محبي الجهاد.

وبتعبير أدق إنهم من نمط المتطوعين الذين وفدوا إلى العراق من سوريا ولبنان ودول أخرى، مع الإشارة إلى أن بعض المتطوعين لم يعودوا إلى ديارهم ويقال إنهم يشاركون في القتال الآن.

ويؤكد ذلك ما صدر من بيانات سواءً بمسمى الحركة الإسلامية أو كتائب الفاروق، أم سوى ذلك. ومن الصعب نفي مشاركة بعض المنضوين تحت لواء الحركات الإسلامية في العمليات، ولكنه يتم خارج القرار الرسمي.

موقف القوى السياسية والشارع


بعض القوى هدفها إعادة الحد الأدنى من الدولة إلى العمل، سواءً على صعيد الخدمات الأساسية أم وجود المؤسسات التي تعنى بالمواطنين وأوراقهم الثبوتية أو غير ذلك
يمكن القول بكل بساطة إن موقف القوى السياسية مازال يرفض المقاومة المسلحة، ليس من حيث المبدأ إنما في الوقت الراهن. وينسحب هذا على الحزب الإسلامي السني، ومجموعة الشيخ أحمد الكبيسي، والمجموعات الشيعية القادمة من الخارج والموجودة في الداخل.

فالمقاربة السياسية لهؤلاء جميعاً قد تقترب من موقف الشارع من حيث إن التركيز ينبغي أن يتم الآن على مسألة إعادة الحد الأدنى من الدولة للعمل، سواءً على صعيد الخدمات الأساسية أم وجود المؤسسات التي تعنى بالمواطنين وأوراقهم الثبوتية أو غير ذلك.

فهناك حاجة حقيقية إلى الحد الأدنى من وجود الدولة حتى لو كانت عميلة أو تابعة للاحتلال. إنها المسؤولية المدنية للقوات المحتلة كما تسمى في القانون الدولي، والأهم هو جانبها الأمني حيث يغيب الأمن على نحو واضح بوجود المجرمين في الشوارع دون رادع.

ولا يعني ذلك أن الناس أو معظمهم يرفضون ما يجري من عمليات، فالأكيد أنهم ليسو متحمسين لها ليس لإيمانهم بقصة وقوف بقايا صدام خلفها، فهم أو غالبيتهم يدركون أن ذلك ليس صحيحاً، بل لأن مطلبهم الأساسي الآن هو إعادة الخدمات في حدها الأدنى.

ربما كان بالإمكان القول إن الطرف الشيعي يبدي حساسية أكبر حيال المقاومة ولا سيما بوضوح "سنيتها"، فهم يخشون أن يحين موعدها وتنضج ثمارها فتكون المبادرة من نصيب سواهم، وهم الذين يأملون أن يأخذوا البلد بشرعية التحرير فضلاً عن شرعية الغالبية السكانية.

المواجهة السياسية والشعبية


التناقض بين الوجود الأميركي والشعب العراقي سيكون واقعاً ملموساً خلال المرحلة القادمة، وستكون المقاومة هي الخيار
ثمة طرح آخر للمواجهة مع الوجود الأميركي يبدو أن الشيعة يميلون إليه في الوقت الراهن، ويتمثل في المواجهة السياسية والشعبية. والواقع أن جملة التحركات السياسية والشعبية المواجهة للإجراءات الأميركية مركزة إلى حد كبير في سياق القوى الشيعية والقطاعات المرتبطة بالأعمال والمهن، مع ظهور عشائري يختلط فيه السني والشيعي.

من المؤكد أن هذا السلوك من طرف الشيعة يشكل جانباً مهماً، وقد يطرح مقاومة من نوع آخر ستكون متاحة خلال المرحلة القادمة. وقد يشارك فيها الجميع سنة وشيعة، ذلك أن المواجهات اليومية مع الاحتلال على غرار انتفاضة سلمية كما حصل في فلسطين خلال الانتفاضة الأولى ربما يكون مجدياً في وقت من الأوقات، لا سيما بوجود عناصر أخرى تمارس العمل العسكري بعيداً عن التجمعات الشعبية.

إن حرق الوجود الأميركي أمام العالم وتقديمه بوصفه نقيضاً لإرادة الإنسان العراقي ربما يكون مجدياً، وهو لا يقل أهمية عن المواجهة المسلحة، مع أن التناقض بين الأمرين قد لا يكون أكيداً.

لقد أظهر الشارع العراقي حتى الآن رغم هول الصدمة وضخامة التحول حراكاً سياسياً وشعبياً مهماً، وهو ما قد يتطور لاحقاً ليشكل نقيضاً للوجود الأميركي يعمل على طرده في زمن قياسي.

الشيء المؤكد هو أن التناقض بين الوجود الأميركي والشعب العراقي سيكون واقعاً ملموساً خلال المرحلة القادمة، وقد أخذ هذا الأمر يظهر بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة. ولما كان المستقبل لهذا التطور فإن المقاومة ستكون الخيار، وحين تكون المقاومة هي الخيار فإن انتصار الشعوب الحرة سيكون مؤكداً، والشعب العراقي هو واحد من خيرة هذه الشعوب، فضلاً عن أن الدعم العربي -لا سيما الشعبي- سيكون وفيراً، فيما تدفع المعادلة الدولية نحو منحه دفعة أخرى ليكون الانتصار هو بشارة المستقبل ولا شيء سواه.
_______________
*كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة