أزمة الرئاسة الإندونيسية والسيناريوهات المحتملة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

طلاب إندونيسيون يتظاهرون أمام البرلمان يطالبون باستقالة الرئيس واحد

بقلم: عثمان البتيري
لم تكن الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها إندونيسيا هي أولى الأزمات التي عصفت بهذا البلد منذ انهيار النظام السياسي والاقتصادي في عام 1998, فإندونيسيا أصبحت رجل آسيا المريض كما وصفته نائبة الرئيس السيدة ميغاواتي، وتسببت كثرة الجراح والأسقام فيه إلى فقدان الأمل في شفائه. غير أن أزمة الصراع بين الرئيس واحد ومعارضيه لها طابعها الخاص كما أنها ألقت بظلالها القاتمة على كافة مناحي الحياة في البلاد سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية وتركت آثارها الخطيرة عليها والتي لم يعد يجدي معها تبريرات السياسيين للشارع بأن ما يجري حاليا هو جزء من العملية الديمقراطية في البلاد.

أسباب الأزمة

الرئيس عبد الرحمن واحد
لا يمكن لمتابع الحدث الإندونيسي أن يفهم حقيقة الأزمة الرئاسية التي تعصف بالبلاد منذ عدة أشهر وتكاد تطيح بالرئيس الأول المنتخب ديمقراطياً في تاريخ إندونيسيا، ما لم يعد إلى جذور الأزمة السياسية المسيطرة على البلاد منذ انتقالها من نظام دكتاتوري صارم إلى نظام ديمقراطي حر.

ونستطيع أن نقول أن الأزمة الحالية بدأت منذ انتخاب الرئيس واحد في عام 1999 وأنها كانت وليدة تراكمات متواصلة لصراع القوى السياسية طوال الثمانية عشر شهراً الماضية من حكم الرئيس. وعلى الرغم من أن الرئيس واحد يعد سببا رئيسا في إيجاد هذه الأزمة التي ستودي به إلا أن هناك أسباباً كثيرة ساهمت في وصول الأمور إلى نقطة اللاعودة بين أطراف الأزمة، ومن أهمها:

  1. نائبة الرئيس ميغاواتي سوكارنو
    عملية انتخاب الرئيس واحد والتي جاءت كخيار وحيد لدى الأحزاب الوسطية التي يتزعمها أمين رئيس إضافة إلى حزب غولكار من أجل منع ميغاواتي من استلام رئاسة البلاد بعد فوز حزبها الكبير في الانتخابات. ففي عام 1999 كانت الأحزاب الوسطية ترى أن من المستحيل عليها القبول بوصول ميغاواتي المعروفة بميولها غير الإسلامية إلى الحكم وعمل أمين رئيس آنذاك على توحيد صفوف الأحزاب ضدها وكان عبد الرحمن واحد رئيس حركة نهضة العلماء هو الخيار الوحيد لحشد أصوات الأحزاب خلفه، الأمر الذي مكنه من الحصول على الأغلبية البرلمانية داخل مجلس الشعب الاستشاري. لقد أصبح واحد رئيسا لإندونيسيا لكنه ظل أسير دعم الأحزاب له حيث أن حزبه حزب النهضة القومي لا يملك سوى 11% فقط من مجموع أصوات البرلمان ويبدو أن هذا الأمر يلعب دورا حاسما في عجز الرئيس واحد عن وقف إجراءات البرلمان ضده.
  2. رئيس البرلمان
    أمين رئيس
    خلفت عملية التفاف الأحزاب خلف واحد آنذاك غصة كبيرة في قلب حزب نائبة الرئيس ميغاواتي الذي حصل على أعلى الأصوات البرلمانية وكان من حقها استلام الرئاسة بدلا من واحد , وبالرغم من أن ميغاواتي قبلت بما حصل وأعلنت أنه جزء من العملية الديمقراطية إلا أنها بقيت هي وكبار قادة حزبها يتحينون الفرصة لإعادة ما فقدوه من حق. ولذا فإنه ليس مستغرباً أن يكون حزب ميغاواتي هو القائد لعملية عزل الرئيس واحد الآن.

  3. أضاع الرئيس واحد بشخصيته المتناقضة فرصته الذهبية في الإصلاح وتحقيق الآمال التي علقها عليه الشعب

    لعبت شخصية الرئيس واحد بتناقضاتها دورا في تصعيد الأزمة وافتقاده لكل أشكال الدعم والتأييد اللازمه له. ويقول المحلل الاستراتيجي سالم سعيد إن الرئيس واحد يملك فرصة ذهبية لم يحسن استغلالها فهوأول رئيس ينتخبه الشعب ويعلق عليه آمالا كبيرة في تحقيق الإصلاحات التي تحتاجها البلاد. ويضيف سعيد: إن الرئيس واحد بهذا الدعم الداخلي الواسع إضافة إلى الدعم الدولي يمكنه أن يفرض سياسته بشكل متفرد ودون مراعاة الظروف الموضوعية التي لا تزال تسيطر على الحياة السياسية والأمنية في إندونيسيا . لقد تسببت القرارات المثيرة للجدل التي كان الرئيس واحد يصدرها دون الرجوع إلى مستشاريه في انفضاض الأحزاب البرلمانية من حوله واصطفافها خلف نائبته ميغاواتي. فالرئيس واحد فقد دعم الأحزاب الوسطية عندما قرر إقامة علاقات مع إسرائيل ورفع الحظر عن الحزب الشيوعي إضافة إلى إقالة قيادات هذه الأحزاب من حكومته وإبعادهم عن الدائرة المقربة منه، وفقد دعم حزب غولكار عندما بدأ يستهدف قيادات الحزب المتورطة في قضايا فساد تمت في عهد الرئيس سوهارتو، كما دخل واحد أيضا في صدام مباشر مع الجيش عندما أصر على إبعاد الجنرالات من الحياة السياسية وفتح ملفات التحقيق معهم حول العديد من القضايا والمخالفات خاصة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. كما أن الجيش لم يستطع احتمال سياسات الرئيس واحد في التعامل مع الحركات الانفصالية في كل من أتشيه وإريان جايا وغيرها. ومن المهم أن نذكر أيضا أن الرئيس واحد فقد الكثير من دعم الشارع له نتيجة لتغييره السريع لقراراته وأقواله.
  4. فشل إدارة الرئيس واحد طوال فترة حكمه الماضية في الخروج بالبلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية والأمنية ولعل ذلك يعود إلى عدة أسباب أخرى إضافة إلى ما ذكرناه سابقا عن شخصية الرئيس واحد، منها:
  • معاناة الحكومة من تعدد الأطياف السياسية فيها حيث اضطر واحد إلى استرضاء الأحزاب البرلمانية بتعيين وزراء من كوادرها, وظل الرئيس واحد يشتكي دائما من أن ولاء الوزراء لأحزابهم أكثر من ولائهم للحكومة.
  • دخول البلاد في أزمات عرقية وطائفية متلاحقة وعجز الجيش والشرطة - وربما كان ذلك العجز مقصودا – عن إنهاء هذه الأزمات, ونذكر منها الحرب الطائفية في جزر الملوك والحرب العرقية في كلمنتان والحرب الانفصالية في أتشيه وإريان جايا وغيرها وأدت هذه الأزمات إلى تشتيت جهود الحكومة وإظهار ضعفها الكبير أمام الشارع.
  • الأزمة السياسية الخانقة التي عاشتها البلاد منذ عام 1997م وحتى الآن ساهمت بشكل كبير في شل الرئيس واحد وحكومته وأصبح الشعب الذي ينوء بثقل الأعباء المعيشية الصعبة يحمل الحكومة أسباب قسوة الحياة.

وسط هذه الظروف ظهرت ملامح قضايا الفساد التي اتهم الرئيس واحد بالتورط فيها وسارعت الأحزاب البرلمانية إلى تلقف القضية وشكلت لجنة خاصة للتحقيق. وقد رفض الرئيس واحد منذ البداية التعامل مع لجنة التحقيق متعبرا إياها غير قانونية، لكن البرلمان رفض طعون الرئيس في اللجنة وأعلن قبوله لنتائج تحقيقاتها في نهاية شهر يناير الماضي. ووجه البرلمان للرئيس واحد رسالة اللوم الأولى مانحا إياه ثلاثة أشهر للرد على ما نسب إليه من تهم، ثم وجه له رسالة اللوم الثانية في نهاية شهر أبريل الماضي بعد أن رفضت الأحزاب البرلمانية رد الرئيس واحد الذي اعتبرته غير مقنع ولا يبرئه من التهم الموجهة إليه.

الآثار التي خلفتها الأزمة

تغرق إندونيسيا في أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية منذ سقوط نظام سوهارتو، ولكن الأزمة الرئاسية الأخيرة تركت آثارها الخاصة على واقع البلاد الصعب، ويتضح ذلك من المظاهر الآتية:


  1. أدت أزمة الرئاسة إلى القطيعة بين الرئيس ونائبته، وانشغال البرلمان عن واجباته الأساسية، وتنامي القلق الشعبي من انفجار الأزمة، وزيادة الشرخ العرقي والطائفي، وتفاقم حالة الانهيار الاقتصادي، وقد فقد الشارع العام ثقته بالرئيس وبالقادة الآخرين الذين يتصارعون من أجل مصالحهم

    سياسياً، تسببت الأزمة في قطيعة شبه نهائية بين الرئيس واحد ونائبته ميغاواتي كما أدت إلى شلل كامل في الحكومة التي أصبح جل اهتمامها ينصب على البحث عن حل سياسي للأزمة. وجاء التغيير الوزاري الأخير ليؤدي إلى مزيد من التشتت في أداء الحكومة التي فقدت أحد أهم شخصياتها وهو الوزير المنسق للشؤون السياسية والأمنية بسبب موقفه الرافض لقرار واحد بإعلان حالة الطوارئ.
  2. البرلمان أيضا تحول إلى مسرح للتحالفات السياسية الهادفة إلى عزل الرئيس واحد ولم يعد هناك تركيز على واجبات البرلمان لسن القوانين والتشريعات وهو ما أشار إليه الرئيس واحد في خطابه الاستفزازي عندما قال إن على النواب القيام بواجباتهم فأمامهم أكثر من 160 مشروع قانون لم تبحث حتى الآن.
  3. أما على المستوى الشعبي فقد أصبح الشعب في حالة ضياع وخوف لكثرة ما يتردد من إشاعات وأنباء حول ما ستسفر عنه هذه الأزمة، ويبدو واضحا أن الشارع فقد ثقته بالرئيس واحد لكنه فقد أيضا الثقة بالقادة الآخرين الذين يراهم الشعب يتصارعون من أجل مصالحهم الذاتية.
  4. الأزمة أضافت حالة انشقاق جديدة إلى الأزمات العرقية والطائفية والانفصالية التي تعاني منها البلاد أصلا، فأنصار الرئيس الذين يزيدون عن 30 مليون شخص أصبحوا يهددون بالانفصال عن إندونيسيا كما أنهم يعلنون استعدادهم للدخول في معارك ضد أنصار المعارضة لمنع عزل الرئيس واحد وهذا يضع وحدة البلاد أمام خطر حقيقي.
  5. أما اقتصادياً، فغني عن القول ما أدت إليه هذه الأزمة من تدهور في اقتصاد البلاد التي تصل ديونها إلى حوالي 140 مليار دولار، فقد دفعت الأزمة برأس مال الاستثمار الخارجي إلى الفرار، وفقدت إندونيسيا الأمل في الحصول على قروض مالية من المؤسسات الدولية، بعد أن رفض صندوق النقد الدولي تقديم الدفعة الثانية وقيمتها 400 مليون دولار من القرض الخاص بإندونيسيا إلا بشرط توفر الاستقرار السياسي والأمني قبل منح القروض. ويدل انهيار العملة المحلية أمام الدولار على التأثير الواضح للأزمة حيث انخفضت قيمة الروبية الإندونيسية من 8000 روبية مقابل الدولار في بداية الأزمة، إلى 11500 ألف روبية حالياً.
  6. ظهور انشقاقات واضحة في المؤسسات الحكومية حيث رفض قائد الشرطة قرار الرئيس واحد بتنحيته، وهو أمر خطير سيؤدي إلى ضياع هيبة الدولة مستقبلا حسب رأي المراقبين.

مستقبل الأزمة واحتمالات التصعيد

كل المعطيات الموجودة على الأرض تشير الآن إلى أن التصعيد سيكون هو الخيار الوحيد لدى جميع الأطراف خاصة أن الرئيس واحد يرفض تماما التنحي عن منصبه، فيما ترى ميغاواتي وبقية قيادات حزبها أن الوقت قد حان لإعادة ما انتزع منهم في الانتخابات الماضية. ومع ذلك ستظل هناك فرص وإن كانت ضعيفة للتوصل إلى مخرج سياسي ينقذ البلاد من نفق الأزمة المظلم. وفيما يأتي استعراض لأبرز السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الأزمة:

السيناريوالأول: التصعيد

التصعيد
هو السيناريو الأكثر احتمالا حتى الآن في حال استمرار الرئيس واحد على موقفه وإقدامه على حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ

تؤكد معظم المعطيات السياسية الراهنة أن أكثر السيناريوهات احتمالاً هو سيناريو التصعيد، وذلك عندما يعلن الرئيس حالة الطوارئ في البلاد وحل البرلمان ومجلس الشعب الاستشاري لمنع انعقاد الجلسة الخاصة المقررة في أغسطس المقبل والتي سيتم فيها محاسبته وربما عزله. وهذه الخطوة سيقدم عليها واحد إذا فشلت الوساطة مع نائبته ميغاواتي وأصرت على عدم القبول بمبدأ اقتسام السلطات، وفي حال إعلان حالة الطوارئ فإن المراقبين يؤكدون أن ذلك سيكون انتحارا بالنسبة لواحد حيث سيرفض الجيش والشرطة تنفيذ الأمر وبالتالي سيقوم مجلس الشعب بتقديم جلسته الخاصة كما أكد أمين رئيس، رئيس مجلس الشعب ليتم خلالها إنهاء رئاسة واحد للبلاد. ويشكك بعض المراقبين في مدى قدرة واحد على فرض حالة الطوارئ في الوقت الذي يعجز فيه عن تغيير قائد شرطته، لكن آخرين يؤكدون أن شخصية واحد المليئة بالتناقض قد تجعله ينفذ خطوته.

السيناريو الثاني: قبول ميغاواتي بصفقة الرئيس
وهو احتمال ضعيف ولا يردده سوى الرئيس واحد والمقربون منه، حيث يؤكدون أن ميغاواتي ستقبل بالوصول إلى حل سياسي وسط يتم خلاله إعادة المياه إلى مجاريها وبذلك يسقط احتمال الجلسة الخاصة لمجلس الشعب ويسقط كذلك احتمال إعلان حالة الطوارئ. غير أن حزب ميغاواتي أكد رفضه التام لأية صفقة مع الرئيس خاصة فيما يتعلق بتقاسم السلطات لأن ذلك سيخلق حسب رأيهم ازدواجية في مركز صنع القرار إضافة إلى أن تجاربهم مع الرئيس واحد مريرة حول نكوصه عن وعوده وتعهداته.

وكان الرئيس واحد قد تعهد في أغسطس من العام الماضي أمام الجلسة السنوية لمجلس الشعب بنقل الصلاحيات إلى ميغاواتي لكنه تنكر لذلك بعد أيام من انقضاء الجلسة. ولا يريد قادة حزب ميغاواتي أن تتحمل زعيمتهم أخطاء واحد طالما بقي في السلطة، وبالتالي تحمل المسؤولية معه وطالما أن الفرصة سانحة لأن تصبح ميغاواتي هي الرئيس، فلماذا القبول بأقل من ذلك؟

السيناريو الثالث: الصدام بين أنصار الرئيس وأنصار المعارضة
أخطر السيناريوهات هو وقوع الصدام بين أنصار الرئيس واحد الذين يزيدون عن ثلاثين مليون شخص هددوا بالانفصال عن إندونيسيا إذا تم عزل زعيمهم من الرئاسة، وبين أنصار نائبة الرئيس ميغاواتي سوكارنو.

وإذا كان هذا السيناريو هو الأضعف حتى الآن، إلا أنه يظل السيناريو الأخطر في حال وقوعه. وتقلل المعارضة من قدرة أنصار واحد على تنفيذ تهديدهم خاصة أنهم بلا تنظيم قادر على تحريكهم، إضافة إلى أنهم لا يتواجدون إلا في إقليم واحد هو إقليم جاوه الشرقية، لذلك لن يكون تأثيرهم كبيرا. كما أن المعارضة من أنصار ميغاواتي يمارسون ضبط النفس، ويؤكدون أنهم لن يسمحوا لأنصارهم بالاصطدام مع أنصار واحد، كما أنهم لن يضيعوا الفرصة المواتية الآن لعزل واحد دستوريا. فيما يؤكد أعضاء الجمعية المحمدية الذين يبلغ عددهم حوالي 22 مليون شخص، يؤكدون أنهم لن ينجروا إلى مواجهة مع أنصار الرئيس واحد ولن يسوقوا البلاد إلى هاوية الصراعات الداخلية ومخاطر الانقسام. ولكن هل سيستطيع أنصار المعارضة الاستمرار في سياسة ضبط النفس وكبح الجماح إذا ما استل أنصار واحد سيف المواجهة ليفرضوا إرادتهم بالقوة مهما كان الثمن؟ أم سينفلت زمام الأمور من يد الجميع وتدخل البلاد في دوامة عنف وصدامات طويلة الأمد، قد تنتهي بعدة انقسامات في الخريطة الإندونيسية؟

 

اقرأ لمزيد من المعلومات:
الملف الخاص: إندونيسيا.. صراع التاريخ والجغرافيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة