مؤتمر لندن لإصلاح السلطة الفلسطينية.. اللاعبون ودوافعهم   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة*

-الهدف البريطاني من عقد المؤتمر
-ماذا عن الموقف الأميركي؟
-الموقف الفلسطيني
-الموقف الإسرائيلي الرافض . . لماذا؟
-مداولات المؤتمر.. مشاكل وحيثيات

ياسر عبد ربه وبقية الوفد الفلسطيني يشاركون تلفزيونيا من رام الله
تحت عنوان "العوائق الإسرائيلية أمام الإصلاحات الفلسطينية"، عقد في لندن في الثالث عشر من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري مؤتمر عرف بأنه مؤتمر لندن الدولي، بعد أن دعا رئيس الوزراء البريطاني لعقده هناك بحضور الفلسطينيين فقط، أي بغياب الطرف الإسرائيلي الذي كان رد على ذلك -إلى جانب أسباب أخرى- بمنع الوفد الفلسطيني من السفر إلى لندن، وهو ما دفع وزارة الخارجية البريطانية -ولكي لا تبدو في موقف المهزوم- إلى الإصرار على عقده من خلال "الفيديو فون"، حيث شارك الوفد الفلسطيني من رام الله وغزة.

إلى جانب الوفد الفلسطيني المشارك عن بعد، كانت هناك مشاركة عربية (مصر، الأردن، السعودية) إلى جانب مشاركة أعضاء اللجنة الرباعية الدولية، وهي (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الأمم المتحدة).

للمؤتمر العتيد جملة من الدلالات التي يمكن الحديث عنها، والتي تتفوق من حيث الأهمية على حيثياته والنتائج التي تمخض عنها. وتتضح تلك الدلالات من خلال قراءة المواقف المتفرقة للأطراف المعنية سواء من شارك فيها أو من كان حاضراً غائباً، كما هو شأن الطرف الإسرائيلي.

الهدف البريطاني من عقد المؤتمر


واشنطن بقيادة بوش لا يمكنها الدخول في معركة مع شارون لاسيما في ظل الدعم الكبير الذي يحظى به في أوساط صهاينة الولايات المتحدة، واليمين المسيحي الجمهوري
ليس من الصعب استقراء الفكرة أو الأفكار التي وقفت خلف المؤتمر في العقل البريطاني، فلندن التي اعترف وزير خارجيتها جاك سترو قبل أسابيع بمسؤولية بلاده عن الكثير مما حل بالفلسطينيين، تريد دوراً فاعلاً في هذا الملف يمنحها شيئاً من الدور الذي يعيد لها شيئاً من الهيبة والمصداقية في آن معاً.

إلى ذلك ولعله الأهم من ذلك، ما يمكن وصفه بدعم بريطانيا للولايات المتحدة في حربها ضد العراق، ذلك أن مجاملة العرب في هذه المرحلة من خلال الملف الفلسطيني، ربما تساهم في الحد من ردود الفعل في المنطقة على الحرب الموجهة ضد العراق. وقد عبرت وزيرة التنمية البريطانية المعروفة بجرأتها كلير شورت عن هذا الأمر بقولها إن "الناس مرتابون وغاضبون كون العراق يشكل الأولوية (بالنسبة للولايات المتحدة) ولأنهم لا يرون أي تحرك يتعلق بإسرائيل وفلسطين". وأضافت إن "العالم يعتقد أن هناك سياسة كيل بمكيالين"، على اعتبار "أن الولايات المتحدة هي الداعم الرئيسي لدولة إسرائيل على صعيد الأسلحة والمساعدات المالية".

قد يطرح سؤال هنا، وهو لماذا لم تقم الولايات المتحدة بهذه الخطوة إن كانت ترى لها فائدة؟ والإجابة أن واشنطن بقيادة الرئيس جورج بوش لا يمكنها الدخول في معركة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، لاسيما في ظل الدعم الكبير الذي يحظى به في أوساط صهاينة الولايات المتحدة واليمين المسيحي الجمهوري.

هناك سبب آخر يمكن الإشارة إليه بالنسبة لبريطانيا، ويتمثل في ما يمكن وصفه على أنه انحياز من طرف رئيس وزرائها توني بلير لرئيس حزب العمل الإسرائيلي عمرام متسناع زعيم حزب العمل الجديد، بوصفه يقدم طرحاً أكثر واقعية. كما هو أكثر حفاظاً على مصالح بريطانيا والولايات المتحدة في المنطقة من الطرح الذي يتبناه شارون. ولعل ذلك هو ما يفسر استقبال رئيس الوزراء البريطاني لزعيم العمل، وهو الاستقبال الذي أثار استياء شارون، حيث وصفه بأنه تدخل سافر في الشؤون الداخلية لإسرائيل ومحاولة للتأثير على الحملة الانتخابية.

ماذا عن الموقف الأميركي؟


تدرك واشنطن أن المؤتمر لن يقدم أو يؤخر، كما أن إمكانات تأثيره على فوز شارون المتوقع في الانتخابات لا تبدو كبيرة
من الواضح أن واشنطن لم تكن لتعارض المؤتمر في أي حال، ولا أن تسعى إلى إفشاله. فبريطانيا هي الحليف الأهم وربما الوحيد في أوروبا ولا يمكن إغضابها من أجل قضية ليست على قدر من الأهمية، وإن بدت كذلك بالنسبة لشارون، أقله من خلال التصريحات المعلنة.

بيد أن ذلك لا ينفي أن واشنطن تدرك الهدف البريطاني الآخر، هذا إذا لم توضع في صورته منذ البداية. وهو الهدف المتعلق بمجاملة العرب والسعي إلى تخفيف حدة رفضهم لاستهداف العراق.

صحيح أن هذا الهدف قد لا يكون مرضياً بالنسبة لشارون، غير أن حجم الرفض لا يبدو محرجاً إلى حد كبير. ذلك أن واشنطن تدرك أن المؤتمر لن يقدم أو يؤخر، كما أن إمكانات تأثيره على فوز شارون المتوقع في الانتخابات لا تبدو كبيرة.

الموقف الفلسطيني

ثمة دوافع عديدة لاهتمام الجانب الفلسطيني بالمؤتمر، لعل أهمها هو ذلك النزوع إلى التجاوب مع أي جهد دولي للتدخل في القضية الفلسطينية، نظراً للقناعة بأن الجهود كلها ستصب في النهاية ضد مصلحة المعتدي، ممثلاً في شارون الذي يتجاهل المطالب الدولية على نحو متكرر.

غير أن العامل الأهم في قبول المؤتمر والترحيب به هو ذلك المتصل بإعادة الاعتبار للرئيس الفلسطيني، وتجاهل مطالب إزاحته من قبل شارون والإدارة الأميركية. والحال أن عرفات يقدم هذا الهدف على أية قضايا أخرى تتصل بحيثيات المؤتمر وأهدافه وبرنامجه. فما دام ينطوي على اعتراف بزعامته المهددة، فإن ما عدا ذلك يغدو هامشياً، فكيف إذا كان مؤتمراً لن يترتب عليه شيء عملي.

من المؤكد أن الجانب الفلسطيني قد أراد من خلال المؤتمر، أن يلفت الأنظار إلى أن مسألة الإصلاحات لا يمكنها التحرك في ظل بقاء الاحتلال المباشر للمدن والقرى الفلسطينية. أي التركيز على مسألة إنهاء الاحتلال الذي جاء بعد بدء الانتفاضة الفلسطينية في نهاية سبتمبر/ أيلول 2000. والخلاصة هي إلقاء الكرة في ملعب الحكومة الإسرائيلية، بوصفها الجهة التي تطالب بالإصلاحات وتعطلها في آن معاً.

إلى ذلك هناك هدف الحصول على دعم بريطاني لفكرة الدولة الفلسطينية ذات السيادة في نهاية النفق، من خلال وضع ذلك ضمن رؤية المؤتمر للمستقبل. وبالتالي نزع شرعية تلك الدولة التي يتحدث عنها شارون والتي لا تملك من حقيقة الدولة غير الاسم.

الموقف الإسرائيلي الرافض . . لماذا؟

تقف قصة غطرسة شارون في مقدمة أسباب الوقوف في وجه المؤتمر ومحاولة إفشاله، فالرجل الذي يدرك أن "مؤتمر لندن لتوني بلير قد جاء لإرضاء العرب" -على حد تعبير سفيره في واشنطن زلمان شوفال كان- ولا يزال يرفض بحدة أية مجاملة للعرب على حساب إسرائيل. حتى في قضية العراق التي يدرك أنها تتحرك على إيقاع الهواجس الإسرائيلية أكثر من أي شيء آخر.


البريطانيون وإن تفهموا مواقف السلطة بسبب قصة الاحتلال، إلا أنهم أصروا على ألا يكون ذلك حائلاً دون استمرار الإصلاحات، وفي المقابل قدم أركان السلطة عرضاً لما يعانونه في سبيل إكمال مسيرة الإصلاح وآمالهم الحقيقية حياله
لا شك أن مسألة رد الإهانة لبلير الذي استقبل خصمه متسناع كانت حاضرة في ذهنه، وهو يبادر إلى إدارة الظهر لبريطانيا عبر منع الوفد الفلسطيني من المشاركة في المؤتمر. ولكن الأهم من هذا وذاك هو رفض شارون القاطع لمسألة إعادة الاعتبار لعرفات، والتي أدرك أن مؤتمر لندن ينطوي عليها إلى حد كبير. وقد كان حديث شارون واضحاً على هذا الصعيد، عندما استدعى سفير بريطانيا في تل أبيب ووبخه قائلاً "أنظر بخطورة بالغة إلى محاولتكم إحياء عرفات. طالما عرفات هو المسؤول عن الإصلاحات في السلطة الفلسطينية فلن ينتج عن ذلك شيء إيجابي". وأوضح حسب (يديعوت أحرونوت) أنه يلاحظ "تصدعات في الجانب الفلسطيني، وأنه يتوقع أن تكون هناك بعد الانتخابات فرص حقيقية لوقف الإرهاب والدخول في المسيرة السلمية". وبالطبع فإن تعويل شارون على مسألة حرب العراق لدفع عرفات نحو الهاوية تبدو حاضرة هنا إلى حد كبير، وهو الأمر الذي لا يخفيه لا هو ولا المقربون منه. ولعل الأمر الآخر الذي يمكن الحديث عنه هنا يتصل بالجانب الفلسطيني، حيث يرى شارون أن تشدده مع بلير وعرفات والفلسطينيين، والقول إن متسناع يرسم صورة ضعيفة لإسرائيل. كل ذلك قد يفيده في حملته الانتخابية التي لا بد له من التعامل مع هاجسها حتى اللحظة الأخيرة، وعدم الركون إلى الاستطلاعات التي تمنحه التفوق حتى الآن.

مداولات المؤتمر.. مشاكل وحيثيات

لم يكن في المؤتمر ما يمكن أن يثير الانتباه إلى حد كبير، فالبريطانيون وإن تفهموا مواقف السلطة بسبب قصة الاحتلال، إلا أنهم أصروا على ألا يكون ذلك حائلاً دون استمرار الإصلاحات. وفي المقابل قدم أركان السلطة عرضاً لما يعانونه في سبيل إكمال مسيرة الإصلاح وآمالهم الحقيقية حياله، سواءً بإصلاح أجهزة السلطة، أم بالإصلاحات السياسية والتشريعية والإدارية والدستورية والاستعداد للانتخابات الفلسطينية، وسن القوانين وعلى رأسها الدستور الذي تعطل الدولة العبرية نقاشه وإقراره.

وتحدث الفلسطينيون عن طموحاتهم كلها على صعيد الإصلاح والعوائق التي تقف في طريقهم، كما أكدوا على قبولهم المضي في "خريطة الطريق" وصولاً إلى الدولة الفلسطينية العتيدة. ويبدو أن الفلسطينيين قد عرضوا على الجانب البريطاني مسودة الدستور الفلسطيني التي تتضمن مدة محددة للرئيس لا تتجاوز دورتين كل منهما خمس سنوات، ووجود منصب رئيس الوزراء، ونصوص "حضارية" جداً لدستور على درجة عالية من الرقي.

هناك إشكالات ينطوي عليها المؤتمر قد لا تبدو واضحة للعيان، بيد أنها على درجة كبيرة من الأهمية. ذلك أن المداولات قد أكدت موافقة الجانب الفلسطيني على "خريطة الطريق" الأميركية كسبيل لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما يجعل من أحاديث الحوار الفلسطيني والهدنة والاتفاق على سبل المقاومة أمراً عبثياً. فالخريطة ترفض العنف والتحريض على نحو قاطع، وهو الأمر الذي طولب به الفلسطينيون من قبل بريطانيا على لسان جاك سترو. أي أن كل ما يجري على الأرض لم يدفع إلى تجاهل هذا المطلب على اعتبار أنه رد فعل، بل جرى الإصرار على أن المقاومة إرهاب، وأن التحريض مرفوض ومدان.


إن مؤتمر لندن لم يفض إلا إلى دلالات حسنة بالنسبة للرئيس الفلسطيني الذي جرى الاعتراف به مرة أخرى من جانب بريطانيا، وأخرى سيئة بالنسبة للفلسطينيين ومستقبل تعاطيهم مع الاحتلال من خلال "خريطة الطريق" التي لا يعرف كيف ستكون تفاصيلها إذا ما نجح بوش في غزو العراق والترتيبات اللاحقة التي ينتظرها شارون على أحر من الجمر
الأمر الآخر ولعله جزء من الأول، هو تركيز حديث الإصلاحات على جانبين أساسيين هما الأمني والمالي، وكلاهما كما هو معروف مرتبط بالأخر، وكلاهما يصب في خانة توفير الأمن للدولة العبرية. بيد أن الأهم من ذلك كله هو منح ما يشبه الشرعية للاحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي تنزع عنه أية مسؤولية عن شؤون السكان المحتلين. فالمؤتمر في جوهره يمنح الوجود لسلطة غير موجودة، ويجعل إدارة شؤون الفلسطينيين مسؤوليتها، فيما هي لا تملك السيطرة على شيء. والحال أن مجمل ما جرى خلال الشهور العشرة الماضية منذ عملية "السور الواقي" يقوم على هذه المعادلة، أي تأكيد حالة مائعة بين الاحتلال والحكم الذاتي لتخليص الدولة العبرية من عبء إدارة السكان. وقد جاء المؤتمر ليدعم هذه الفكرة على نحو واضح، فضلاً عن دعمه لمسؤولية السلطة عن الإصلاح رغم سياسات القمع الإسرائيلية، بما ينطوي على مطالبة بأن تكون "النية الحسنة" من الطرف الفلسطيني وليس الاحتلال.

في ضوء ذلك كله يمكن القول إن مؤتمر لندن لم يفض إلا إلى دلالات حسنة بالنسبة للرئيس الفلسطيني الذي جرى الاعتراف به مرة أخرى من جانب بريطانيا، وأخرى سيئة بالنسبة للفلسطينيين ومستقبل تعاطيهم مع الاحتلال، من خلال "خريطة الطريق" التي لا يعرف كيف ستكون تفاصيلها إذا ما نجح بوش في غزو العراق، والترتيبات اللاحقة التي ينتظرها شارون على أحر من الجمر. وإلا فما معنى استخفافه حتى بالرباعية الدولية في حديثه لمجلة نيوزويك قبل أيام، عندما قال "الرباعية ليست شيئاً.. لا نأخذها بجدية.. هناك خطة أخرى ستكون جدية". أليست هي الخطة التي ستظهر بعد ضرب العراق وما يترتب عليه؟

بقي أن يشار إلى أن المؤتمر لم يصدر أية قرارات، سوى التوصية بعقد اجتماع آخر في العاشر من شهر فبراير/ شباط المقبل لاستكمال البحث في الملف المطروح!!.

_______________
*كاتب ومحلل فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة