الهزيمة   
الأحد 1427/4/1 هـ - الموافق 30/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)
نبيل شبيب


بمنظور تاريخي
بمنظور حضاري
بمنظور إسلامي

ازداد في الآونة الأخيرة الحديث عن هزيمة أميركية في العراق، وبدأ يشمل أوساطا وأقلاما من سائر المستويات والاتجاهات والمناطق، بدءا بأنصار المحافظين الجدد مثل فوكوياما الذي يعزو أسباب الهزيمة إلى انحراف عن نهجهم القديم و"أخلاقياتهم"، انتهاء بإعلاميين عرب معروفين مثل فيصل القاسم الذي يرى أن على الأنظمة العربية أن تشكر واشنطن، فسنوات الاحتلال الثلاث أسقطت المخاوف من المغامرة بمحاولة زحزحتها بالقوة الخارجية.

أما أوروبيا فقد ظهرت المخاوف مما يترتب على الهزيمة الأميركية منذ انقضاء العام الأول على الحرب، وبدأت تبعا لذلك المساعي للتخفيف من عواقبها بالمنظور الغربي بطبيعة الحال، وهذا مما يفسر تجدد التقارب الأميركي الأوروبي بعد المواجهات الأولى.

بمنظور تاريخي
"
هزيمة أميركا في العراق يمكن أن تؤدي إلى نقيض المفعول المعتاد للهزائم، كما ستزداد جهود القوى الدولية الأخرى لتخفيف آثار الهزيمة قدر الإمكان، وسد الثغرات في العمل على "عرقلة" مسيرة مشروع ما للتحرر والنهوض الإسلامي
"
كلمة هزيمة نفسها تحتاج هنا إلى تحديد، فهزيمة دولة "كبرى عسكريا" كالولايات المتحدة الأميركية لا تتخذ شكلا مماثلا لهزيمة دولة صغيرة نسبيا، مثل العراق أو أفغانستان، ولا تعني بالتالي احتلال أرضها، ولا تحطيم قدرتها العسكرية أو طاقاتها الاقتصادية ولا هيمنة قوة أجنبية على سيادتها السياسية، ولم يقع شيء من ذلك عبر حرب فيتنام، ومع ذلك لا يختلف المؤرخون على الحديث عن هزيمة أميركية فيها، بدأت معالمها تظهر للعيان قبل الانسحاب العسكري والانكفاء السياسي بسنوات.

وكما كان في فيتنام ظهرت مقدمات الهزيمة الأميركية في العراق في ارتفاع حجم الخسائر أضعاف التقديرات المسبقة، وفي انقلاب موقف الناخبين، وفي ارتفاع حجم التكاليف المالية إلى درجة الإرهاق، وجميع ذلك كان في حرب فيتنام مقدمة لانسحاب عسكري، وتراجع عن الأهداف السياسية، وينتظر أن يكون كذلك في حرب العراق، بسرعة أكبر، مما يعود إلى مفعول ثورة الاتصالات بالمقارنة مع سبعينيات القرن الميلادي العشرين.

لا ينبغي إذن طرح السؤال هل تقع الهزيمة أم لا، وإنما عن كيفية وقوعها ثم التعاطي معها. وتتطلب الإجابة هنا النظر أولا في عوامل أخرى تميز حرب احتلال العراق عن حرب فيتنام، كانعدام الدعم الخارجي في حالة العراق، وكون المنطقة الإقليمية، العربية والإسلامية، مستهدفة دوليا ومنهارة داخليا، على نقيض ما كانت عليه أوضاع جنوب شرق آسيا، والاستهداف سيبقى موضع الأولوية لدى صانعي القرار الأميركي الصهيوني، بغض النظر عمن يحكم رسميا في واشنطن، ولم يكن هذا يسري على فيتنام.

وعلى الصعيد التاريخي كانت نتائج الهزيمة في فيتنام نكسة في مسيرة تكوين "إمبراطورية أميركية" عالميا، لم تمنع من متابعة الطريق نفسه، أما الهزيمة في العراق فتمثل مفصلا تاريخيا حاسما يمكن أن يحولها إلى ضربة قاصمة وليس مجرد نكسة على طريق طويل، وهذا ما يشمل المشروع الصهيوني الأميركي، رغم ضعف المنطقة سياسيا، فمن المؤكد تسارع خطوات أخرى على طريق بدأت في جنوب لبنان وعبرت أرض الانتفاضة، وجعلت من طريق كامب ديفد مدريد أوسلو حلما صهيونيا يحتضر.


لهذه النتائج أبعاد بالغة الأهمية غربيا، إذ لا ترى القوى الدولية المتمردة على الهيمنة الأميركية مصلحة ذاتية في وقوع هزيمة أميركية صارخة على أرض العراق، فهي لا تستطيع -حتى الآن- ملء الفراغ في السياسة الدولية، وهي لا تريد أن يكتسب المشروع الإسلامي القدرة على التحرك في الأرض الإسلامية عموما.

إن الهزيمة يمكن أن تؤدي إذن إلى نقيض المفعول المعتاد للهزائم، أي أن تزداد شراسة الهجمة الأميركية وضراوتها، وإن سقط المحافظون الجدد، نتيجة إدراك أن الجولة الراهنة حاسمة مستقبليا، كما ستزداد جهود القوى الدولية الأخرى لتخفيف آثار الهزيمة قدر الإمكان، وسد الثغرات في العمل على "عرقلة" مسيرة مشروع ما للتحرر والنهوض الإسلامي في المنطقة.

بمنظور حضاري
"
يختلف العراق عن فيتنام في أن الهزيمة الأميركية فيه تمثل مفصلا تاريخيا ما بين حقبة صعود إجرامي بالمفهوم الحضاري، طال زمنيا، وبين حقبة الهبوط الإجرامي بالمفهوم الحضاري أيضا، بدأت الآن، رغم كل تقدم تقني وعلمي
"
الأهم مما سبق استيعاب الهزيمة الأميركية من الزاوية الحضارية، ليس تقنيا بطبيعة الحال، بل بالمنظور الإنساني للكلمة. فهنا تظهر معالم هزيمة حضارية كبرى لدولة حاولت أن تنصب نفسها زعيمة لحضارة الغرب المادية، وأطلقت شتى الشعارات البراقة المغرية لنشر ما تراه هي عالميا، لينكشف أمرها أمام من أبى رؤيته من قبل، محض دولة عدوانية تريد التسلط عالميا وفرض ما تراه بالقوة العسكرية المجردة، بل عبر قهر الإنسان بأبشع الوسائل.

لقد كان لهذا الجانب الحضاري من الهزيمة مقدماته وعناوينه في هيروشيما وفيتنام، وفي مآسي المجاعات الكبرى مقابل ترسانات أسلحة الدمار، ولم يعد يخفى على الإنسان الغربي نفسه، أن القتل بقنبلة ذكية أو عنقودية أو "أم القنابل" ليس أرقى ولا أدل على التقدم "الحضاري" من القتل بسكين أو خنجر ولو كانا من العصر الحجري، كما أن الوصول إلى القمر واكتشاف خارطة العناصر الوراثية، لا تغفر ما يصنعه صانعو سياسات عالمية تنشر الموت جوعا ومرضا في صفوف ربع البشرية على الأقل.

وقد وصلت مسيرة الهزيمة حضاريا إلى مداها في أفغانستان والعراق عبر توجيه أعتى الأسلحة الفتاكة ضد دولة أو ضد شعب -سيان فالحصيلة بالمنظور الحضاري واحدة -مع إدراك الطرف المعتدي أنه لا يواجه ما يوازي مفعول أسلحته الفتاكة، وهذا "خُلق" في التعامل الدولي في العصر الذي تريده أميركا أميركيا، لا يختلف عن خُلق مريضٍ من قبيل ما يكشف عنه استفحال الجريمة في الولايات المتحدة الأميركية من مثل الاعتداء بالرشاشات على أطفال في مدرسة، أو اعتداء عتاة المجرمين على المسنين في الشوارع.

هنا يختلف العراق عن فيتنام أيضا في أن الهزيمة الأميركية فيه تمثل مفصلا تاريخيا ما بين حقبة صعود إجرامي بالمفهوم الحضاري، طال زمنيا، وبين حقبة الهبوط الإجرامي بالمفهوم الحضاري أيضا، بدأت الآن، رغم كل تقدم تقني وعلمي، ورغم سائر الشعارات المرفوعة عن الحريات والحقوق.

مع كل ما يمكن وينبغي تقديره من تقدم علمي وتقني ومنظومة بناء سياسي داخلي، يبقى أن المسيرة الأميركية صنعت لنفسها داخليا وعالميا "وجها حضاريا" بالقوة الدموية، ووضعت عنوان "الإنسان" على حلقات متواصلة من توظيف استخدام القوة المحضة على حساب الإنسان، في مسلسل بدأ بإبادة الهنود الحمر، وعَبَرَ محطات التجارة بالرقيق، والعنصرية الداخلية، والحملات الاستعمارية في أميركا الوسطى والجنوبية، ولم تعرف هذه المسيرة سوى منطق القوة، رغم مقاومة "الإنسان" الأميركي له بين حين وحين، مما ظهرت معالمه في دعوات التحرير والمساواة، لتغيبها معادلة موازين القوة داخليا ودوليا من جديد.

إن القوة الغاشمة من وراء القناع الحضاري هي التي هُزمت حضاريا في الحرب ضد أفغانستان والعراق –كما في فلسطين- بسقوط هذا القناع، وظهور ما يرمز إلى ذلك في غوانتانامو وأبو غريب، فكان سقوطا تجاوز بمفعوله العالمي سقطات سابقة، ولهذا بات حدث العراق يمثل مفصلا تاريخيا سبق للتاريخ أن سجل ما يشبهه، ما بين صعود إمبراطوريات وانهيارها.

وإن رفض جهات غربية عديدة، سياسية وفكرية، أن تخوض غمار هذا "المفصل التاريخي" مع القذائف الأميركية العاتية، يعود إلى حد كبير، إلى إدراك تلك الجهات أن الآلة العسكرية الأميركية تقوض البقية الباقية من القيم الإيجابية في منظومة القيم الغربية، ليطفو على السطح كل ما كان فيها ظاهرا للعيان أو مغيبا وراء الشعارات، وترمز إليه كلمة "شرعة الغاب" سواء كانت القوة المعتمدة قوة المال أو الاحتكار دون مراعاة للإنسان نفسه، أو القذائف القاتلة، الغبية منها والذكية.

بمنظور إسلامي
"
من المؤلم ألا ترى السياسات الرسمية في بلادنا العربية والإسلامية أرضية للتحرك دوليا، إلا بمنظور البحث عن قوة دولية ترتبط بها، ارتباطا تبعيا، بدلا من التعامل معها تعاملا سياسيا واقعيا قائما على القبول والرفض والأخذ والعطاء
"
بالمقابل يحتاج السؤال عن كيفية التعامل مع الهزيمة المؤكدة إلى منطلق آخر بمنظور عربي وإسلامي، للعمل على استثمار نتائجها. وليس هذا سهلا بعد أن أظهر سقوط بغداد عسكريا مدى هشاشة النظم الاستبدادية وعجزها ساعة الخطر الخارجي عن تعبئة الطاقات الشعبية الكبرى لمواجهة عدوان خارجي وصده، رغم وجود تلك الطاقات كما ظهر في المقاومة بعد الاحتلال.

أول ما يفرضه التعامل مع الهزيمة الأميركية المحتمة هو:

- إيجاد أرضية عمل دائب مشترك من وراء سائر الخلافات العتيقة للمحاور، والتيارات، والتوجهات، والانتماءات الشكلية وغير الشكلية.

- والتلاقي على رفض كل صورة من صور قهر الإنسان محليا وعالميا، في كل ميدان سياسي أو عسكري أو اقتصادي أو اجتماعي أو فكري، والانطلاق من أن مقياس العمل الحقيقي للقضايا المصيرية ليس الانتماء بل جوهر الإخلاص لتلك القضايا من وراء الانتماءات، فإذا كان نبض انتماء العقيدة وانتماء الحضارة في الأمة العربية والإسلامية، هو النبض الذي يحرك جماهير بلادنا، مسلمين وغير مسلمين، ويعبئ قواها وإمكاناتها الكبرى، فكل عمل خارج هذا النطاق يمثل خيانة للقضايا المصيرية، مهما كانت وراءه رؤى تفلسفها النظريات والاقتناعات الذاتية متجاهلة ما كان من تجارب مأساوية على امتداد العقود الماضية.

- والتلاقي فكريا وعلميا على كل مستوى ممكن من وراء الحواجز والحدود والقيود السياسية الممزقة المدمرة، ومن وراء الشكليات والاعتبارات القُطرية المفرقة المتخلفة، ومن وراء التسميات والعناوين التي تتجاهل ما يجمع الشعوب ويجعل الفكر والعلم في خدمة قضاياها المصيرية..

- والتلاقي على صعيد الإنجازات المرئية على أرض الواقع، في ميادين الاستثمار وتوظيف طاقات الشعوب، على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات والاتحادات والنقابات في مختلف المجالات، ونتمنى أن نقول في يوم قريب على مستوى الحكومات أيضا، عندما تضع الحكومات نفسها في خدمة الشعوب بدلا من أن تستخدمها، وأن تتجاوز نفسها من أجل القضايا المصيرية لا أن تتجاوزها من أجل البقاء في السلطة، وإلا فلا ينبغي في هذه المرحلة أن تبقى الحكومات هي "العقبة" في وجه التعاون من وراء الحدود، ولا يجوز التسليم بذلك.

ولا تزال الدول العربية والإسلامية إجمالا مقتصرة على التصرف بمنظور سياسات قُطرية ضيقة المجال محدودة الأفق ضعيفة التأثير، مقابل استهداف أرضها ومستقبلها، لتكون مسرحا للأحداث من صناعة قوى دولية، ولا يمكن لهذا السلوك "السياسي" أن يجعلها طرفا في أي "لعبة سياسية دولية"، ناهيك عن توظيف بعض تلك السياسات القُطرية أو جلها في المراهنة على ما بات يستحق وصف "الجواد الأميركي الخاسر" على المسرح الدولي وإقليميا.

ويكفي درسا ما كان من عواقب الرهان قديما على الجواد السوفياتي الخاسر، نتيجة الظن بأنه قوته لن تنحسر، ومن المؤلم من وراء ذلك كله ألا ترى السياسات الرسمية في بلادنا العربية والإسلامية أرضية للتحرك دوليا، إلا بمنظور البحث عن قوة دولية ترتبط بها، ارتباطا تبعيا، بدلا من التعامل معها تعاملا سياسيا واقعيا قائما على القبول والرفض والأخذ والعطاء، ولا يمكن لأي بلد من بلادنا أن يصنع ذلك ما لم ينطلق من الطاقات الذاتية والإرادة الشعبية أولا، وهو ما لا يتحقق دون استعادة علاقات الثقة الحقيقية بين الحاكم والمحكوم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة