هل تعي رام الله دروس التغيير العربية؟   
الاثنين 1432/3/19 هـ - الموافق 21/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:12 (مكة المكرمة)، 14:12 (غرينتش)
مؤمن بسيسو
لا يشي المشهد الراهن في رام الله بأي بادرة تغيير حقيقية اتجاه الانخراط في الهم الوطني الفلسطيني، وتفادي عواقب استنساخ ذات السياسات ومناهج العمل التي قادت القضية الفلسطينية إلى الضياع.
 
سقط "بن علي"، وفي إثره سقط "مبارك" ونظامه الفاسد الاستبدادي، وباتت الثورة على الظلم والفساد والطغيان لحنا أبيا تشدو به الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي الكبير وتتوسل به آليات التغيير الشامل، وبدا موقف الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي أكثر قُبحا وعُريا من أي وقت مضى إثر "الفيتو" الأميركي الأخير في مجلس الأمن الذي تصدى لقرار يدين الاستيطان الإسرائيلي.
 
ومع ذلك فإن سلطة رام الله -التي تشكل حركة فتح عمودها الفقري ومنظمة التحرير غطاءها الأساس- أبعد ما تكون عن استيعاب الدروس العربية المتعاقبة، والاتعاظ بالتحولات الكبرى الجارية، بما يدفعها للمبادرة بجملة من الإصلاحات الحقيقية التي تلامس صلب الواقع والحياة الفلسطينية، وتبعدها عن دائرة النقمة الشعبية والغضب الجماهيري الذي يتفاقم يوما بعد يوم.
 
أجزم بأن أحدا، أيا كانت كفاءته التحليلية والتقديرية، لم يكن يتوقع الزلزال المصري الذي هز عروش وممالك المنطقة العربية بأسرها.
 
من سخريات الأحداث أن الرئيس المصري المخلوع بدا واثقا للغاية عقب سقوط "بن علي" في تونس، وأكد لمحدثيه من المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين في غير مرّة أن مصر ليست كتونس، وأن النظام المصري ليس كالتونسي، وأن مصر تملك حصانة أكيدة ضد عناصر التداعي والسقوط!
 
ما جرى في مصر أذهل العالم بأسره، وها هو "مبارك" يحصد جزاء ما قدمت يداه بحق شعبه الذي ذاق مرارة الظلم والقهر والاستبداد عقودا من الزمن.
 
هل تعي سلطة رام الله الدرس الأكبر الذي بدد نظاما قمعيا بوليسيا إرهابيا، شديد القوة والبطش والجبروت، بين عشية وضحاها؟!
 
لقد جثم النظام المصري على قلوب ونفوس وحياة المصريين ثلاثة عقود ذاقوا خلالها كل أشكال الألم وصنوف المعاناة، حتى اعتقد النظام أن مصر قد دانت لسطوته واستكانت لهيمنته وباتت طوع قِياده في كل شيء.
 
في ساعات معدودات زال الخوف الكامن في نفوس الناس دفعة واحدة، وتحررت الجماهير من عقدة بطش النظام التي ملكتهم دهرا، واندفعت جحافل التغيير إلى ميادين الثورة غير آبهة بعناصر الشرطة والأمن المركزي (التي قدّرت بمليوني عنصر) التي رفعت في وجهها السلاح، حتى ملكت الجماهير ناصية الموقف، ورسخت أقدامها في مواجهة أدوات ورعاع النظام، لتصنع للأمة فجرا مجيدا وتعيد لها مجدا تليدا عزّ انتظاره عبر سنوات الذلّ والتبعية والخنوع لإسرائيل وأميركا وحلف الشرّ والتسوية الآثم الذي سحق إرادة الشعوب في الحرية والكرامة والتحرير.
 
وهكذا كل ثورة فإنها لا تنتظر إذنا من أحد، ولا تجامل أو تستشير أيا كان عندما تطلق شرارة الحسم والانطلاق، وتندفع كبركان هادر لا يخضع لإرادة القمع أو قوانين البطش والإرهاب حتى تحقيق أهدافها.
 
انشغلت السلطة وتنفيذية المنظمة بتصدير قرارات غير واقعية خلال الأيام الماضية، وأوحى لها شيطان الهوى أن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية كفيل بتجديد شرعيتها التي مسختها الوقائع وتجاوزتها الأحداث، ومنحِها إكسير الحياة الذي يمكّنها من الصمود في وجه تحديات الواقع الفلسطيني، والتغطية على فشل نهجها السياسي ومشروعها الوطني الذي تغنت به على امتداد الحقبة الماضية.
 
ما حملته الأنباء بشأن إعلان السلطة عن انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية في الضفة والقطاع، وتغيير في الطواقم التفاوضية استهل باستقالة أو على الأدق "إقالة" صائب عريقات من رئاسة دائرة شؤون المفاوضات، يعبر عن حجم الإرباك الواسع والاضطراب الكبير الذي أصاب السلطة، ويؤشر إلى مدى رعبها من تحديات التغيير العربية التي دفعتها إلى محاولات إحياء شرعيتها المتبددة بطرق معوجة وأساليب عقيمة.
 
ترغب السلطة بشكل محموم في امتصاص أي تداعيات محتملة أو متوقعة لثورتي: تونس ومصر، وخصوصا عقب سقوط نظام مبارك الذي شكل الظهير الأكبر والسند الأبرز لها في المنطقة، والداعم الرئيسي والمباشر لها فلسطينيا وعربيا.
 
لذا تحاول السلطة بكل ما أوتيت من قوة اجتراح مناورات التفافية لتفادي الهزات الارتدادية العميقة التي تسبب فيها سقوط النظام المصري، وأدت إلى ترنّحها واختلال بنيتها وكيانها وإضعاف مواقفها وسياساتها وإدخالها دائرة الخطر الأكيد.
 
لكن معالجات السلطة التي تحاول التمسح بالأصول الدستورية بغية تحصيل الشرعية الوطنية عبر الانتخابات في ظل انهيار النظم الشمولية العربية تفتقد إلى الآليات والمضامين السليمة، وتنحرف عن جادة الصواب والتفكير المتزن، وكأنّ الانتخابات قد أصبحت هدفا في حد ذاتها لاستعادة شرعية متبددة، أو كأنّ بيئة القمع الأمنية التي تحكم الضفة الغربية حاليا قد انتهت لضمان إجراء انتخابات شفافة ونزيهة تعبّر عن الإرادة الفلسطينية الحرة، أو كأنّ الإمكانيات الفنية واللوجستية على توفر تام على امتداد شطري الوطن الفلسطيني المذبوح بالانقسام.
 
تحترف سلطة رام الله الغباء السياسي وتمارس الدجل والتزوير لإرادة شعبها، معتقدة أن بعض الفذلكات اللفظية أو الإجراءات الالتفافية قادرة على تغييب وعي الجماهير وتفريغه من شعلة الثورة وميكانزمات النهوض.
 
جرت الكثير من المياه العفنة تحت أرجل قادة السلطة خلال المرحلة الماضية، وصدمتهم بالكثير من الفضائح المدوية المشفوعة بالوثائق غير القابلة للنقض أو النكران، وعاينوا بأم أعينهم طاقات وقدرات الشعوب الثائرة على الظلم والطغيان، ورأوا كيف انتفض الشعبان التونسي والمصري بشكل قوي للغاية وغير متوقع على الإطلاق، وكيف تتفاعل نذر الثورة في البلدان العربية الأخرى، لكنهم لم يأخذوا العبرة بعد، ومارسوا سياسة الهروب إلى الأمام التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
 
من الغريب أن يُقال عريقات من دائرة المفاوضات فقط، وكأن القضية تتعلق بأشخاص وليس بسياسات تفريطية أوردت القضية الفلسطينية المهالك، وجعلت منها لعبة في يد الأعداء.
 
الأكثر غرابة أن المجموعة المتنفذة التي تدير القرار الفلسطيني، والتي يحلو للبعض أن يطلق عليها لفظ "عصابة"، لا تزال كما هي ولم يتغير أو يتنحّ منها أحد، كما أن الزمرة التي تتحكم في القرار الأمني وتدير علاقات التعاون الأمني مع الاحتلال لا تزال كما هي دون أي تغيير.
 
كيف لحركة فتح -صاحبة مشروع السلطة والمنظمة- أن تحمي ذاتها وسلطتها ومؤسساتها من عجلة التغيير الدائرة بقوة في المنطقة بدون مراجعة وطنية شاملة، تشمل الشأن السياسي والأمني، وتعطي الأولوية للانسجام مع المتطلبات والاحتياجات الفلسطينية، ونبذ كل ما من شأنه الانتقاص من الحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية!
 
"فتح" اليوم لم تعد "فتح" الماضي الحريصة على شرفها الثوري والنضالي، إذ استكانت لأثقال "الراتب" و"الامتيازات" التي باتت أكبر همها ومنتهى سعيها، وسمحت لزمرة متسلقة محدودة بالتسلق على أكتافها وسرقة تاريخها النضالي الطويل وتفريغه من مضامينه الناصعة، والتجرؤ على هتك عرى الحقوق والثوابت والمقدسات.
 
"فتح" ليس كلها مفرطين، وليس جميعها ساقطين، بل هي تركيبة عجيبة ومزيج غريب بين كل ألوان الطيف في إطار فسيفساء غير متجانسة تجمع الوطني الشريف مع المفرّط الساقط مع الإمّعة البليد.
 
غير أن قرارها ومصيرها مختطف اليوم على أيدي مجموعة محدودة سكنت إلى أفياء نهج هابط ومسار عبثي غير وطني، في حين رضيت قطاعات واسعة من قيادات وكوادر الحركة بمسايرة غير محمودة للنهج الراهن، وركنت إلى الدعة والراحة وتجنب المغارم والتكاليف التي تفرضها طبيعة المواجهة مع الاحتلال.
 
من كان يتصور أن تمر فضيحة بل قل جريمة الوثائق التي كشفت عنها "الجزيرة" دون أن يخرج من "فتح" صوت واحد يطالب بمحاسبة الزمرة العابثة المتورطة في بيع وتصفية الوطن والقضية؟!
 
من كان يتصور أن تستسلم القطاعات العريضة في "فتح" لرؤية وسياسة قيادتها المتنفذة المجافية لاستحقاقات المصالحة والتوافق الوطني، وترضخ لقيود واشتراطات الاحتلال، في حين يكفي إعلان قبول الشراكة الوطنية الحقّة لإنهاء الانقسام البغيض واستعادة التوافق الوطني الفلسطيني دون أي عناء؟!
 
سارعت قيادة "فتح" إلى استدعاء حكومة غير دستورية (حكومة فياض) وهيكل جامد (تنفيذية المنظمة) لتمرير سياساتها، وأقرت إجراء انتخابات لن تحل المشكلة والأزمة الوطنية الفلسطينية بل ستصبح سببا في إذكائها وتأجيجها، بدلا من اتخاذ قرار وطني تاريخي حقيقي بقبول الشراكة وطيّ صفحة الانقسام، وخصوصا بعد زوال نظام مبارك الذي شكل أحد العوائق الكأداء التي رهنت المصالحة لمفاهيم ضيقة وأجندة ضارة في إطار من المساومة السمِجة والابتزاز الفجّ.
 
تأسيسا على ذلك.. هل تعتقد سلطة رام الله أنها تقف بمنأى عن طوفان التغيير الذي يجتاح المنطقة العربية حاليا؟
 
صحيح أن للحالة الفلسطينية خصوصية مميزة هي كونها تخضع مباشرة لسطوة وتدخلات الاحتلال، إلا أن ذلك لا يعني انتفاء إمكانية الثورة أو الحراك الشعبي، بل إن خصوصية الوضع الفلسطيني تحت الاحتلال والظروف القهرية التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني، قد تعجل بإطلاق حراك شعبي مجتمعي غير مسبوق.
 
الحراك الشعبي في إطار تحشيد الموقف الشعبي الوطني ضد نهج وممارسات السلطة يشكل أحد الخيارات المطروحة بقوة على أجندة الواقع الفلسطيني الراهن.
 
وها هي بوادر الحراك الشعبي تتنامى يوما بعد يوم مع إعلان مؤسسات ومنظمات وعناصر مجتمعية نيتها تنظيم حملات كبرى في الضفة والقطاع بدءا من نهاية الشهر الجاري في مسعى لممارسة الضغط الهادف إلى إنهاء الانقسام، والدفع إلى تغيير نهج وسياسات السلطة الحالية التي ربطت مصيرها بمصير الاحتلال، وتكيفت مع المطالب والشروط والاستحقاقات الصهيونية، ولا تزال تصدّر الأوهام للشعب الفلسطيني حول إمكانية تجنيد أو استدرار تعاطف المجتمع الدولي ضد المواقف والسياسات الإسرائيلية رغم "الفيتو" الأميركي الأخير في مجلس الأمن الذي صفعها بقوة وسحق كل رهاناتها المتأسسة على الوهم والمنسوجة بخيوط العنكبوت.
 
لا تعتقدنّ السلطة أن ظاهر الأمور والأحداث يبسط لها يد الأمن والاستقرار، فالأكمة لها ما وراءها، والجمر أشد ما يكون اشتعالا تحت الرماد، والنفوس تغلي وتمور تحت السطح ولا يشعر أحد بقوة غليانها إلا لحظة الحسم والانفجار.
 
هل غاب عن وعي وإدراك السلطة أن الناس تراقب ما يحدث في كل صغيرة وكبيرة، وأنها تدرك أن السلطة قد خانت الأمانة وفرطت في الحقوق والثوابت والمقدسات، وأن التعاون الأمني الذي بلغ أرقى درجاته مؤخرا هو خيانة صريحة وعمالة فجة ومباشرة مع الاحتلال دون أي رتوش؟!
 
ويبدو أن السلطة لم تتعظ بما يجري من حولها من تغيرات كبرى وتحولات ضخمة ستغير وجه المنطقة عن قريب، ويبدو أنها ستبقى غارقة في العسل ولن تصحو إلا على مطارق الغضب والتغيير وهي تهوي على رأسها دون استئذان.    
     
عام 2011م هو عام الدروس الكبرى وعام التغيير العربي الشامل.. فهل تعي سلطة رام الله الدرس جيدا، وتفيء إلى رحاب الوحدة والمصالحة الحقة، وتؤوب إلى أحضان شعبها، وتعمد إلى مراجعة سياساتها من الألف إلى الياء، وتتوقف عن تعويلها الخائب على موقف المجتمع الدولي، أم تصر على معاندة القدر واجتراح المنكرات والموبقات، وتضع نفسها في مواجهة شعبها الذي ينتظر مبادراتها الإصلاحية على أحر من الجمر قبل أن يقول كلمته النهائية فيها؟!  
 
لا تزال الفرصة ماثلة أمام قيادة السلطة، لكنها فرصة مؤقتة وقصيرة ولن تدوم طويلا، وما لم تخطُ خطوات جدية وسريعة باتجاه شعبها وحقوقه الأساسية، وتبتعد عن تنفيذ إرادة وإملاءات الاحتلال في إطار التعاون الأمني المشترك، وتتوقف عن الرهان الخاسر على مسيرة التسوية المسمومة، فإن البركان الشعبي الفلسطيني سيحرقها لا محالة، وحينها لن ينفع الندم أو العويل.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة