وضع غير مسبوق   
الخميس 1428/11/20 هـ - الموافق 29/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)
توجان فيصل


لم ترتق الأوضاع السياسية في الأردن -ليس بعد حل مجلس النواب عام 1962 تحديدا- إلى أية مرتبة تقارب الديمقراطية وسيادة الدستور, أو حتى "عودة الحياة النيابية" (تعبير بديل يستعمل لدرء الحرج أو لتحاشي ذكر الديمقراطية) إلى درجة تجعل مقالتنا هذه حديثاً عن "فصل السلطات" بمعناه الدستوري.

ولكنها مقالة تتناول ما كان قائماً من فصل "عرفي" بديل, غير حاسم أو قطعي كما سنوضحه, ولكنه مكّن من قيام نوع من التوازن الحقيقي أو الوهمي بين السلطات القائمة على أرض الواقع لفترة غير قصيرة, وهو ما نراه يلغى الآن بضربة واحدة .. مما يستلزم وقفة تساؤل على الأقل, لكون الإجابة ليست في مقدور أحد مهما بلغ علمه بالشأن الأردني.

إذا استثنينا سلطة الملك, لكونه يحكم عن طريق رجاله, فالكل يعرف أن أقوى موقعين في الدولة تاريخياً هما موقع رئيس الحكومة وموقع مدير المخابرات, ويتفاوت الوزن النوعي للموقعين بتفاوت قدرات من يشغلهما.

وهذا أمر انطبق على سنوات تغييب الحياة النيابية ولم تغيره عودتها كثيراً, وإن حدّت من ثنائيته بدرجة تناسبت مع الوزن النوعي للبرلمانات التي جيء بها وحسب من جاء بها.. سواء الشعب أم القوّتان المذكورتان أم إحداهما.

"
إذا استثنينا سلطة الملك لكونه يحكم عن طريق رجاله, فالكل يعرف أن أقوى موقعين في الدولة تاريخياً هما موقع رئيس الحكومة وموقع مدير المخابرات, ويتفاوت الوزن النوعي للموقعين بتفاوت قدرات من يشغلهما
"
ومع أن دائرة المخابرات العامة يفترض أن تتبع الحكومة إدارياً, فإن واقع الحال في العالم الثالث كله -وأحياناً في دول متقدمة كما حدث بأميركا في الستينيات وأظهر تفاصيله البحث المطول في قضية اغتيال الرئيس كنيدي- يحتم أن يكون لمدير المخابرات دور أكبر لكون قنواته تفتح على الحكم وليس فقط على الحكومة, في أمور ليست أقل من أمن الدولة.

ورغم شكوى بعض رؤساء الوزارات من نفوذ مديري المخابرات, فإن وجود قطبين في السلطة التنفيذية أعان كليهما لوقت غير قصير, على تحاشي تحمل نتائج الكثير من الأخطاء أو الفشل أو حتى الممارسات السلبية المتفرقة. 

فتقييد الحريات العامة مثلاً, إن لم يأت بقانون تتبناه صراحة حكومة بعينها, يمكن أن يلصق أكثر بالمخابرات, ومثله الفصل التعسفي من العمل أو الترقيات غير المبررة, في حين أن مجمل فشل السياسات العامة والاقتصادية بالذات كان يلصق بالحكومة, مع أن بعض القرارات يختلط فيها الأمني بالسياسي, ناهيك عن اختلاط المصالح العامة بالخاصة. والأخير يقودنا لموضوع الفساد الذي لا يستثني الناس من تهمه أحداً إن استشرى, ولكنهم يجرؤون على توجيه تلك التهم لرجال الحكومة أكثر من رجال المخابرات.

وهو ما قبلت به حكومات بعينها, في أكبر صفقة بين القطبين في عهد عودة الحياة البرلمانية, من أجل الحد من قدرة نواب الشعب على محاسبتهم, فقبلت بتنزيه المخابرات بإيكال مكافحة الفساد لها عن طريق إحداث دائرة متخصصة في المخابرات تحمل هذا الاسم.

ورغم أن مدير المخابرات الذي أبرمت الصفقة في عهده اعتقل وحوكم هو نفسه بتهمة الفساد, فإن قطاعاً من الشعب اقتنع بقدرة المخابرات أكثر من الحكومة على أداء هذه المهمة لما يتوفر لها من أساليب استقصاء, خاصة أن بعض رؤساء المخابرات كأحمد عبيدات وطارق علاء الدين كانت لهم وقفات مميزة ضد الفساد.

المهم بالنسبة لموضوعنا اليوم أن هذه الثنائية -وهي ثنائية تم الحفاظ عليها بل تأكيدها حتى عندما تولى رئاسة الحكومة رؤساء مخابرات سابقون- أتاحت للسلطة التنفيذية بدائل ومخارج ولو محدودة, لما يسمى "الضبط والموازنة " (check and balance) في غياب سلطة رقابة شعبية مقنعة.

ومن هنا أمكن تجاوز حتى بعض الأوضاع السياسة والأمنية الحرجة كتلك التي أدت إلى انتفاضة أبريل/نيسان 1989, بأقل قدر من الخسائر "للسلطة التنفيذية" بالذات.

ولكن ما حدث مؤخراً يبدو كأنه إطاحة بهذه المعادلة. فمجرد تولي شقيق مدير المخابرات لمنصب الرئاسة يرجح أن يحد من قدرة المخابرات على القيام بأي من أشكال "الضبط" السابقة لممارسات الحكومة, كما يوحي بأن سمة الحكومة لم تعد "مدنية ", لا لمجرد أن رئيسها سبق أن تولى منصباً عسكريا هاماً -فقد سبق أن أتى الرئاسة من تولوا مناصب عسكرية وأمنية أعلى- بل من باب التماهي المتوقع بين موقعي الحكومة ورئاسة المخابرات.

وهي نقطة حساسة لأن الانتخابات الأخيرة المثيرة للجدل أوصلت عدداً كبيرا من كبار المتقاعدين العسكريين للمجلس مما استوقف الصحافة. ولا يقلل من التخوف العام من طغيان السمة "الأمنية " -وهو تخوف تكرر عن الحكومة السابقة أيضا- كون هذه الحكومة كما أجمعت الصحافة وأوحت تصريحات سرّبها مسؤولون كبار، حكومة "موظفين" مهمتها "تنفيذية" وليست صنع القرار, ورئيس المخابرات الحالي بالمقابل لا يعتبر مجرد تنفيذي بل يعتبر صاحب قرار أكثر مما كانت الحكومة السابقة.

وفي هذا الإطار كان يمكن أن يعتبر القرار المتأتي من رجل قوي نقلة نوعية مرغوبا فيها بعد عهد حكومة ضعيفة -وإن كان رئيس الحكومة السابقة تحديداً لم تطله أية تهمة فساد- أعلنت أن يدها مغلولة عن أي إصلاح بفعل "متنفذين" لم تسمهم, ولم تكن هنالك حاجة لتسميتهم لكون الشارع يعرفهم.

"
الحكومة الجديدة حمّلت نفسها عبء كل ما فعلته سابقاتها المرفوضة شعبياً, وذلك في تركيبتها الكارثية, فقد حملت الحكومة الجديدة نفسها ابتداء كل ما جرى من تزوير صريح للانتخابات النيابية الأخيرة, وقضايا الفساد
"
ولكن الذي جرى أن الحكومة الجديدة حملت نفسها عبء كل ما فعلته سابقاتها المرفوضة شعبياً, وذلك في تركيبتها الكارثية. فقد حملت الحكومة الجديدة نفسها ابتداء كل ما جرى من تزوير صريح للانتخابات النيابية الأخيرة, حين أبقت وزير الداخلية السابق ضمن طاقمها وفي نفس موقعه السابق, في حين كان الأولى أن تستبدل به غيره حتى تهدأ النفوس ولكي تتمكن من الحديث عن فتح صفحة جديدة.

خاصة أن تهم التزوير كما بينّا, تطال أكثر من جهة متنفذة يختلف أو يتفق الناس على تحديدها حسب نتائج ذلك التزوير ولصالح من جاءت.

ولم تكتف الحكومة الجديدة بهذا, بل حملت نفسها في تركيبتها تلك عبء كامل الحكومات السابقة تقريباً, وخاصة تلك التي أثيرت وما تزال تثار ضدها العديد من قضايا الفساد, والتي حلت مجلس النواب لما يقارب سنتين لتمرر أكثر من مائتي قانون مؤقت مطعون في دستوريته من قبل كل الجسم القانوني المعتبر.

العديد من هذه القوانين صادر حقوقا وحريات للشعب أو خدم مصالح الرأسماليين أو حصّن الفساد, بحيث أحدثت دعوة الرئيس الجديد أعضاء حكومته إلى إشهار ذمتهم المالية عكس ما أمل من تلك الدعوة, لكون ما سيجري -حسب نصوص قانون إشهار الذمة المالية كما وضعه قطب تلك الحكومة المعاد في الحكومة الجديدة- "تكتم" أبعد ما يكون عن "الإشهار", حيث يمثل فرصة "تحصين" لأية ذمة يتمناها لنفسه أي مسؤول سابق بعد إقرار ذلك القانون. (انظر مقالاتنا الأربعة التي تبحث في تفاصيل ذلك القانون ونشرت متسلسة بعنوان "من أين لك هذا " في "الراية  القطرية أو إعادة نشرها معاً في "الغد" الأردنية أثناء مناقشة القانون).

وزيادة على هذا حملت الحكومة الجديدة نفسها قدرا من وزر مجلس النواب السابق وبعض أوزار الحالي المتوقعة, وجلبت على نفسها تهمة شراء صوت المجلس الجديد ورضاه, حين وزّرت ابن من يعلن نفسه وتعلنه التوقعات رئيساً للمجلس الجديد.

والوزير الشاب الذي أسندت له حقيبة "وزارة الأشغال" تتلخص خبرته في تولي إدارة أعمال "العائلة " -بسبب تولي الوالد مناصب رسمية- في شركات "مقاولة" أحيلت إليها تلزيمات حكومية وليس فقط عطاءات، أثارت زوابع على مدى السنوات الماضية, إضافة إلى حصص في شركات أخرى تقع أعمالها ضمن ما يتوقع من هذه الحكومة أن تعالجه, مما يجعل ذلك الوزير أحد المعنيين بالحديث "الوجل" للصحافة عن "تشابك مصالح عدد من الوزراء ومصالح شركاتهم مع الوزارات التي تولوها في الحكومة"!

ويأتي كل هذا في حين يضج الشارع بأحاديث عن "المتنفذين" و"مراكز القوى" التي أجمعت الصحافة على أنها شلّت أو ارتهنت أداء أكثر من حكومة, وأنها كانت وراء عمليات شراء وبيع الأصوات وحصدت بهذا غالبية المقاعد النيابية لرجالها, حسب الصحافة والمراقبين والشارع الأردني كله.

أي أن مجمل المجلس النيابي الذي تطلب الحكومة رضاه هكذا أو تعلن تحالفها المسبق معه، هو موضع رفض وغضب وإحباط الشارع الأردني إلى حد أن كاتبا متزناً مقدراً تقديرا عاليا يرأس تحرير أكثر الصحف المستقلة مصداقية وصف هذا المجلس بأنه "لم يكن القشة التي قصمت ظهر البعير (الديمقراطي) فقط وإنما الهراوة التي نزلت على رأسه"!

"
مجمل المجلس النيابي الذي تطلب الحكومة رضاه أو تعلن تحالفها المسبق معه هو موضع رفض وغضب وإحباط الشارع الأردني إلى حد أن كاتبا متزناً  وصف هذا المجلس بأنه "لم يكن القشة التي قصمت ظهر البعير فقط وإنما الهراوة التي نزلت على رأسه"!


"

فلماذا تحتاج لحمل هذا الإرث السيئ حكومة يغلب على تقييم شخص رئيسها الإيجابية, وربما التفاؤل لولا تركيبة حكومته, ويمكن أن تنطلق الثقة الشعبية بها صاروخياً لو تبدت معارضة مجلس نواب كهذا لها, بل يضع الشعب على رأسها إكليل غار لو قامت "بالتنسيب" بحل هذا المجلس!

في هذا السياق يقول الكاتب المذكور "من أسهل الأمور تمرير مشاريع القرارات الاقتصادية والمالية وغيرها على الجسر الذي سيقوم بين الحكومة والمجلس الجديدين, لكن ما ذا عن الجسر أو الجسور بين السلطتين (الجديدتين) وبين الرأي العام؟ ماذا عن الخطاب السياسي الذي يقنع الناس بصحة السياسات أو يطلب التضحية من أجل القرارات الصعبة؟".

لهذه اللحظة على الأقل ولحين اتخاذ أية إجراءات جديدة توازن هذه المعادلة أو تحدّ منها أو حتى تعود عنها و"العود أحمد", يبدو أن تحالف القطبين قد ألحق به مجلس النواب في تشابك يصل حد الشراكة المحدودة بالأعضاء.. ولأن هنالك إجماعا على أن المجلس النيابي لا يمثل الشعب, فإن الشعب يصبح الكتلة غير الممثلة في هذا التحالف, ولو بضابط اتصال.

وهو ما يتوقع أن يبدأ نقده شعبياً, وأوسع أطر النقد -في غياب أو تغييب الأحزاب الذي ظهر جلياً في الانتخابات الأخيرة- سيكون هو ما يسمى "بالصالونات السياسية", الذي يبدو أن الصحافة "الوجلة" باتت تتوقعه بل تعول عليه لرفدها بقولها إنه "يتوقع أن تتعرض التوليفة الجديدة لانتقادات الصالونات السياسية استمراراً لما يسمى بهواية الطخطخة في كل الاتجاهات", وهو قول يحمل قدراً غير قليل من التجني, وقدراً أكبر من "التقية" يعوّل على سعة صدر السياسيين "المخضرمين" أكثر مما يعوّل على سعة صدر السلطات!!

ولكن, إن بقيت المعادلة على ما هي عليه فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو عن ما ذا سيحدث لو سقط هذ التحالف في خطأ أو فشل جديد -مما هو متوقع بنسبة ما في ظل صعوبة الظروف بالنسبة لأية حكومة تأتي الآن- يضاف لهذا الإرث الجاهز الذي جمعته الحكومة بتوليفتها هذه؟؟ في الماضي كان مثل هذا الوضع يعالج بإلقاء كل الذنب على طرف يعزل وإعطاء الفضل لمن يبقى بإبراز أو زعم تضادهم مع الطرف المعزول.

أما الآن فالكل موثق بعضه ببعض بحبل يغوص في اللحم, ينجحون معاً أو يسقطون معاً. وفي الحالة الأخيرة يصعب تصور الوضع الناتج, ببساطة لأن الوضع الحالي غير مسبوق, ويأتي في إطار وبمعية أوضاع أخرى غير مسبوقة بذات القدر لا يتسع المجال هنا لبحثها!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة