الخرطوم بعد غياب الترابي   
الجمعة 1437/6/17 هـ - الموافق 25/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:46 (مكة المكرمة)، 9:46 (غرينتش)
ياسر محجوب الحسين

مكاسب حزب البشير
مآلات النظام الخالف
هل من تلامذة نجباء؟

ما من شك في أن حزب المؤتمر الشعبي المعارض في السودان أكبر الخاسرين من الغياب المفاجئ للدكتور حسن عبد الله الترابي الذي وفاه الأجل في الخامس من مارس/آذار الحالي، بيد أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم بزعامة الرئيس عمر البشير يبدو أكبر الرابحين.

وفيما يعتقد البشير أن وفاة الترابي ستضعف المعارضة، يرى أن الدولة السودانية لن تتأثر برحيله، وذلك أمر يتعارض مع حقيقة أن الترابي ظل فاعلا مهما لا يستهان به في السودان منذ أن برز على الساحة السياسية في ثورة أكتوبر/تشرين أول ١٩٦٤، وعليه لن يكون وقع رحيل الترابي مقتصرا على المؤتمر الشعبي، بل سيكون لغيابه ارتدادات زلزالية على مجمل الوضع السياسي في البلاد.

لقد ظل حزب المؤتمر الشعبي أشرس الأحزاب المعارضة لحكومة البشير، وشكل الحزب صداعا مستديما لحزب المؤتمر الوطني منذ تأسيسه في 1999 عقب ما عرف بالمفاصلة بين البشير والترابي قبل 17 عاما. لكن قبل منذ عامين استطاع الترابي بشخصيته الكاريزمية الطاغية أن يوجه أشرعة سفينة السياسة السودانية المحاصرة بالعواصف والأمواج المتلاطمة في اتجاه رياح الحوار الوطني وكانت تلك أول محاولة جادة لاختراق الأفق السياسي المنسد باستئثار المؤتمر الوطني بالسلطة وانفراده بها، حيث استجاب مكرها لبعض متطلبات الحوار تحت ضغط ديناميكية وفاعلية مشاركة حزب الترابي.

كان حرص حزب المؤتمر الوطني الحاكم وقياداته على إبداء حزنهم وتعاطفهم حيال غياب الترابي المفاجئ ظاهرا، غير أن ذلك لا يتعارض مع حالة الارتياح التي سادت -وإن بشكل غير معلن-أوساط الحزب لغياب معارض في حجم ووزن الدكتور حسن الترابي

ما ميز الترابي أنه كان مصنعا متحركا للأفكار والرؤى الجديدة، وأخذ على عاتقه استخدام أدوات العقل والعلم لتحريك كل راكد وساكن من المفاهيم والقضايا ليؤكد شمولية الإسلام وقدرة الأمة على تجاوز التحديات الماثلة، ليس ذلك فحسب بل ذهب البعض إلى أن الرجل تمكن من تغيير أولويات النخبة السودانية المثقفة، وهو ما شكل صدمة للذين نشأوا على فكر وثقافة وشرائع الغرب فناصبوه العداء.

مكاسب حزب البشير
كان حرص حزب المؤتمر الوطني الحاكم وقياداته على إبداء حزنهم وتعاطفهم حيال غياب الترابي المفاجئ ظاهرا، غير أن ذلك لا يتعارض مع حالة الارتياح التي سادت -وإن بشكل غير معلن- أوساط الحزب لغياب معارض في حجم ووزن الترابي.

لقد شكل الترابي هاجسا وبعبعا للرئيس البشير حيث حرص طوال 25 سنة على استبعاده عن السلطة خوفا من الإطاحة به. ويبدو أن فترة السجن الطوعي التي قضاها الترابي في السجن خلال الأيام الأولى لانقلابه في يونيو/حزيران 1989 أوحت للبشير بأنه قادر على الاستئثار بالحكم من دون مشاركة الترابي، وكان الاتفاق بين الرجلين يقضي بأن يذهب الترابي للسجن طوعا ويترك البشير ليثبت موقعه داخل وحدات الجيش.

وظل المؤتمر الوطني الحاكم محل انتقاد لاذع من جانب الترابي وزاد من تأثير نقده أنه كان من الناحية المنهجية بعيدا عن محاولات الكسب السياسي الآني؛ فانتقد كثيرا انحسار الشوري وانفراد قلة قليلة بالقرارات حتى أصبحت تجربة الحكم أقرب للحكم الشمولي، كما ظل ينتقد عدم فاعلية مؤسسات الحكم التي غدت شكلا ديكوريا لا أكثر، فضلا عن انتقاده لطغيان الأجهزة الأمنية على الأجهزة السياسية وتدخل الأجهزة الأمنية في عمل الأجهزة التنفيذية وتحول الدولة لدولة بوليسية شعارها العصا لمن عصا.

ونشب الخلاف بين البشير والترابي بسبب مساعي الأخير لتعديل الدستور حين كان رئيسا للبرلمان، ومحاولته التغيير في نظام الحكم وإدخال إصلاحات ديمقراطية، مثل انتخاب حكام الولايات عوضا عن تعيينهم، وهو ما رفضه البشير. وتعرض الترابي للسجن والاعتقال مرات عديدة بسبب إصراره على انتقاد الحكومة.

سيجد المؤتمر الوطني بعد غياب الترابي مسارب كثيرة للهروب من الالتزام بتوصيات الحوار الوطني، وسينفرد أكثر بالساحة السياسية، حيث كان الترابي أكبر زعيم سياسي معارض انخرط في الحوار، بل هو من مهد الأرضية التي تأسس عليها الحوار، ودعم بشدة إنجاحه، وحث القوى السياسية على الالتفاف حوله، وكان أبرز الضامنين لبعض المشاركين في الحوار خاصة الحركات المسلحة، ولعدد من الشخصيات المؤثرة التي تعارض من خارج البلاد، فالخشية مسيطرة من تراجع الحكومة عن التزامها بتأمين عودة أولئك المشاركين إلى مناطقهم في دارفور أو خارج البلاد.

وجاء في سياق هذه المخاوف تحذير مساعد الأمين العام لحزب لمؤتمر الشعبي علي الحاج من أن فشل الحوار الوطني أو عدم إنفاذ توصياته ومخرجاته سيتسبب في نكسة كبيرة للبلاد.

وتشعر قيادات المؤتمر الشعبي بالضعف أو اليُتم بعد غياب زعيمهم، حيث انخفضت نبرة أصواتهم مستخدمين لغة تصالحية لا تشبه الحزب ما قبل غياب الترابي، فعندما سئل الحاج عن موقف المؤتمر الشعبي حال فشل الحوار، قال لن تكون هناك عودة لمربع المعارضة، وتلك ثمار أينعت يتأهب حزب البشير لقطفها. وعبر الأمين العام الجديد للحزب إبراهيم السنوسي -خليفة الترابي- عن قلقه حينما دعا البشير إلى "اتخاذ قرارات شجاعة وجادة لتنفيذ مخرجات الحوار".

لقد ترك رحيل الترابي فراغا كبيرا واستفهامات كثيرة حول مصير أطروحة النظام الخالف التي أطلقها قبل رحيله، ولم يمهل الموت الترابي حتى يقوم بتنزيل مشروعه "المنظومة الخالفة المتجددة" على أرض الواقع السوداني المأزوم والمتعطش للحلول السياسية

وتتصاعد المخاوف بشأن مستقبل حزب المؤتمر الشعبي للحد الذي يخشى فيه البعض أن ينقسم أو أن يتفرق قادته ومنسوبوه أيدي سبأ، وكنتيجة لغياب الترابي، فيمكن أن ينتهي مصير الحزب إلى أحد مآلين: إما أن ينشق وتذهب ريحه من حزب مؤثر إلى حزب صغير أو عدة أحزاب. أو أن يبقى حزبا متماسكا ولكن بدون رؤية سياسية فيرضى بقسمة مناصب وزارية في مرحلة ما بعد الحوار الوطني.

ويمكن التمييز اليوم بين فريقين من عضوية حزب المؤتمر الشعبي؛ فريق يمثل أصحاب الولاء الشخصي للترابي وتبعوه بعد اختلافه مع البشير في ديسمبر/كانون الأول 1999 تعبا لهذا الولاء العاطفي، وهؤلاء قد يتحولون من بعده لطائفة تجتر أفكاره مثل الجمهوريين الذين أعدم زعيمهم في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري لاتهامه بالردة. أما الفريق الآخر من عضوية الحزب، فهم فريق مسيس ومن المحتمل عودتهم لحزب المؤتمر الوطني، ومن المتوقع تبرير هذه العودة بأن وصية الترابي كانت توحيد الصف الإسلامي.

مآلات النظام الخالف
لقدترك رحيل الترابي فراغا كبيرا واستفهامات كثيرة حول مصير أطروحة النظام الخالف التي أطلقها قبل رحيله، فضلا عن مستقبل الحركة الإسلامية وهو منظرها وأبوها الروحي في ظل غياب دورها وسط الجمهور.

ولم يمهل الموت الترابي حتى يقوم بتنزيل مشروعه "المنظومة الخالفة المتجددة" على أرض الواقع السوداني المأزوم والمتعطش للحلول السياسية.

ومصطلح "المنظومة الخالفة المتجددة"، مصطلح جديد ينم عن تبحر الرجل في اللغة العربية، فضلا عن غوصه عميقا في الفكر السياسي. وقد أحدث هذا المصطلح كثيرا من الجدل كما أحدثه من قبل مصطلح "التوالي السياسي" الذي طرحه في العام 1998 لتعديل الدستور، بيد أن قدر المفاصلة كان أسرع.

وتقوم هذه المنظومة على تذويب التيارات الإسلامية والأخرى ذات الخلفيات الإسلامية في حزب أو كيان واحد وفي إطار شراكة سياسية جديدة، على أن يناط بهذا الحزب أو هذا الكيان قيادة أهل السودان في كافة المجالات الحياتية من سياسة واقتصاد واجتماع وفن ورياضة على أسس المواطنة لا القبلية أو الجهوية أو العنصرية.

وبالضرورة تضم هذه المنظومة كلا من حزبي المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي، ولعل أهم ما هدف إليه الترابي هو معالجة المشاكل السودانية ووضع الحلول المستدامة لما استعصى منها، بغية تغيير سلبيات النظم السابقة فضلا عن النظام القائم وتداول السلطة عبر الانتخابات الديمقراطية، كما تسعى هذه المنظومة لتحقيق التوافق عبر الكثير من المعالجات والتي منها الفيدرالية الحقيقية والدستور التوافقي والتمثيل النسبي، والديمقراطية التوافقية، والمشاركة في أجهزة الدولة (التنفيذية والتشريعية) والخدمة المدنية والقوات النظامية.

بعض أنصار الترابي نظر إلى منظومته نظرة ضيقة واعتبر الأمر مجرد تطور تدريجي للحركة الإسلامية التي بدأت بتأسيس الجبهة الإسلامية للدستور في 1954، ثم جبهة الميثاق في1965، والجبهة الإسلامية القومية في عام 1985، وتلك النظرة الضيقة ستكون إحدى معاول هدم المنظومة الخالفة؛ صحيح أنها حملت نقدا ذاتيا للتجربة الإسلامية في عمومها بالإضافة إلى مراجعات شاملة، ورؤى جديدة تشمل تطوير مفاهيم الحركة الإسلامية نفسها والمنعطفات التي مرت بها، لكن الترابي نظر إلى ما هو أبعد من إطار الحركة الإسلامية الضيق، فليس الهدف توحيد الحركة الإسلامية بشقيها (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي)، بل يشمل التوحيد المرتجى أطيافا أخرى من التنظيمات والكيانات السياسية، فلا تفريق بين من انتمى إلى الإسلام أو حتى إلى غيره من الأديان، فيجتمع كل هؤلاء ويؤسسون تنظيما يقوم بإنزال الأفكار التي اتفقوا عليها، في الحياة العامة.

التحدي الماثل أمام أنصار الترابي يتمثل في بقاء حزب المؤتمر الشعبي كيانا جامعا شاملا ومرتكزا على الدين، ومنفتحا -في الوقت ذاته- على أهل السودان كافة، ليتذكروا دائما أنه تأسس على أهداف ومقاصد تنتظم كل شعاب الحياة أمنا وسياسة واقتصادا ومعاشا ومجتمعا وخلقا وثقافة وعلما وفنا

يتوقع الرجل أن يحقق ذلك معالجة جذرية للمشكل السياسي في السودان الذي لم يراوح مكانه منذ الاستقلال في يناير/كانون الثاني 1956، ويشمل ذلك قضية الحريات وإيقاف الحرب الدائرة في بعض المناطق بالبلاد.

لكن من غير الترابي يتولى تنزيل مشروع بهذه الشمولية؟ إنه سؤال تصعب الإجابة عنه، بل يسيطر الإشفاق على مصير المنظومة الخالفة؛ فلا المؤتمر الوطني الحاكم راغب أو حتى قادر على الاطلاع بمثل هذا التحدي، ولا الثقة متوفرة في قيادات المؤتمر الشعبي، بل حتى مصير الحزب يبدو غامضا وملبدا بالغيوم، قد تبقى المنظومة الخالفة فكرا سياسيا متفردا يدرس في الجامعات، لكن تنزيلها على أرض الواقع في غياب شخصية كاريزمية مثل الترابي يبدو ضربا من المستحيل.

هل من تلامذة نجباء؟
لا شك أن مجمل الوضع السياسي في السوداني خسر كثيرا بغياب رجل مثل الترابي، وهو في حقيقة الأمر مدرسة لها امتدادها السياسي والفكري والتنظيمي. صحيح أن الرهان يجب أن يكون على هذه المدرسة، لكن هذه المدرسة تحتاج لتلاميذ نجباء يحملون رايتها، ولا يبدو على السطح أي من هؤلاء التلاميذ.

إنْ دفع حزب المؤتمر الشعبي بقيادات شبابية مع بقاء القيادات التاريخية قريبة منها تُوجه وتُصوب، فإن الحزب سيتمكن من حمل لواء مدرسة الراحل ويبقي على حد أدنى من التوازن في ظل استئثار الحزب الحاكم بكل مفاصل السلطة. التحدي الماثل أمام أنصار الترابي يتمثل في بقاء حزب المؤتمر الشعبي كيانا جامعا شاملا ومرتكزا على الدين، ومنفتحا -في الوقت ذاته- على أهل السودان كافة، ليتذكروا دائما أنه تأسس على أهداف ومقاصد تنتظم كل شعاب الحياة أمنا وسياسة واقتصادا ومعاشا ومجتمعا وخلقا وثقافة وعلما وفنا.

لن يجد خليفة الترابي نفسه أمام تحد يتعلق بخلافة رجل بمقدرات وتأثير الترابي فحسب، بل سيجد نفسه في دوامة من الملفات الشائكة داخل الحزب وخارجة تتعلق من بين أمور أخرى بمستقبل العملية السياسية.

لقد ترك الترابي حزبا يضم قيادات إسلامية متميزة، وهي قيادات قادرة على توحيد الحزب والخروج به إلى بر الأمان، فهل يخذلونه وقد مضى لحياة برزخية؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة