هبت رياح الديمقراطية والحكمة في التعامل معها   
الأحد 1426/3/16 هـ - الموافق 24/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)


عماد فوزي شعيبي

 

الرسالة التي وجهها الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب تنصيبه للولاية الثانية بإدراج مصر والسعودية في ندائه من أجل الديمقراطية والإصلاح، تم تلقيها بسرعة في القاهرة، وقام الرئيس المصري حسني مبارك بالدعوة إلى تعديل المادة الدستورية التي تتصل بالسماح لعدد من الأشخاص بالترشيح لرئاسة الجمهورية، وهو ما اعتبر لياقة سياسية كافية للتكيف مع الرياح العارمة التي لم تعد بالنسبة للمحافظين الجدد مجرد لغة أيديولوجية، بل أصبحت بعد زيارة بوش لأوروبا نقطة تقاطع بين أوروبا وأميركا.

 

صحيح أن كلا الطرفين يفهمها بطريقته، ولكن الخلاف هو على (الفويرقات NUANCES)، التي لا تعني أن اندياح لغة الحريات وتداول السلطة لن يكون هو لغة العالم لتشكيل الهوية العالمية للدول، مثلما كانت (الدولة) هي الهوية التي تم التوافق عليها بعد الحرب العالمية الثانية كقاسم مشترك أعظم في المنظومة الدولية.

 

كان الخلاف بُعيد الحرب العالمية الثانية على مساحة الدولة ودورها في "لعبة الأمم"، لكن الاتحاد السوفياتي الذي أغرق العالم أيديولوجياً بلغة "الجماهير"، لم تمنعه ديكتاتورية البروليتاريا الافتراضية، التي كان من المفترض أنها ستنهي الدولة، من أن يصنع دولة أشد صرامة من الدولة الرأسمالية التي انقض عليها ذات يوم باسم (استقصاء Maximize) الديمقراطية طلباً لحكم الأكثرية القصوى وهي البروليتاريا؟!. فكانت الدولة الشمولية القامعة، وذهبت البروليتاريا ضحيتها!.

 

"
أوروبا تفضل اليوم مداعبة الديمقراطية على أمل التجريب ودفع الولايات المتحدة إلى المقدمة والواجهة لتتحمل هي بنفسها المسؤولية والنتائج، فيما سيكون لأوروبا أن تجني الثمار إذا ما كانت ثمة من ثمار
"
إذاً، لم يكن الخلاف على الدولة كهوية إنما على فويرقات في الدولة!. صحيح أنها كانت رياحاً عاتية هبت على العالم كله سبعين عاماً إلا أن أحداً من الطرفين (الاشتراكي والرأسمالي) لم يختلف على قواعد اللعبة المرسومة بعد الحرب العالمية الثانية وهي الدولة والواقعية السياسية ومنع الانفجار بين الكبار..

 

اليوم، الرياح نفسها تهب ولكن باسم الديمقراطية التي ُجبلت بالحريات، وأصبح واضحاً أن الفويرقات بين أوروبا وأميركا لا تمنع من الإعلان عن التوافق على نقل الديمقراطية كهوية سياسية لعالم ما بعد 11 سبتمبر/أيلول إلى العالم وتحديداً إلى العالم العربي والإسلامي، لأنهما حسب وصف المحافظين الجدد يعيشان الإرهاب لأنهما يعانيان من الطغيان!.

 

صحيح أن سذاجة الأيديولوجيا التي أطلقها المحافظون الجدد، وتقاطعت مع سذاجة "التبشيرية" التي يحميها جورج بوش تيار التمامية المسيحية، تصل إلى حدّ تصوير مشكلات العالم العربي والإسلامي على أنها محصورة فقط في طغيان حكامهم، متناسيا بقصد أو بدون قصد مشكلات أخرى لا تقل أهمية، بل وتفوق ذلك مثل ترتيب الأولويات كالإهانة القومية والجرح الوطني ممثلاُ في احتلال إسرائيل للأرض، وفي التفاوت بين الفقراء والأغنياء، وفي عدم قُدرة الدول على الإيفاء بخدمة الشعوب واحترام آدميتهم..

 

إلا أن هذه السذاجة تحرك البعد الغريزي لدى الناس تجاه الحريات العامة، وتحرك في العمق رغبة قطاع من النخب في أن تكون على قمة السلطة، لاعتبارات ذاتية (قيادية أو استعراضية) أو لاعتبارات أخلاقية (لتحقيق ما يجب أن يكون) في نزعة رسولية تبشيرية بعالم أفضل.

 

هذه النزعة التي تحرك الشارع بغريزته أو بنخبه، تتقاطع مع أوروبا بنزوع آخر أكثر عمقاً وأصالة نحو الديمقراطية.

 

صحيح أن أوروبا بحسها الديمقراطي إذا ما كان عليها المفاضلة بين الديمقراطية والاستقرار في جوارها العربي والإسلامي ستختار الاستقرار، وإذا ما كان عليها المفاضلة بين الديمقراطية وبين عدم استلام الأصوليين للحكم، فإنها لن تقول كما قال بوش بأنه مستعد للقبول بحكم أصولي ديمقراطي (وهو الآن يصرخ من النتائج المترتبة على الأكثرية الشيعية التي نبغت فجأة في العراق؟!)، فإنها أيضاً ستختار عدم استلام الأصوليين للحكم كما فعلت إزاء الجزائر مطلع التسعينيات.

 

 كل ذلك صحيح لكن أوروبا تفضل اليوم مداعبة الديمقراطية على أمل التجريب ودفع الولايات المتحدة إلى المقدمة والواجهة لتتحمل هي بنفسها المسؤولية والنتائج، فيما سيكون لأوروبا الفرصة من موقع الحليف طلباً للديمقراطية في أن تخفف من غلواء الجموح الأيديولوجي وأن تجني الثمار إذا ما كانت ثمة من ثمار.

 

ومهما كانت الملاحظات التي ترى أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون مستوى اقتصادي وبدون تحقيق الدولة- الأمة وبدون تعيين مفهوم المواطن.. أي بدون الدولة الحديثة لن تكون هنالك ديمقراطية حقيقة وأن النموذج الديمقراطي في بلداننا العربية سيكون تعبيراً عن الأكثريات المجتمعية ( الطائفية، الدينية، العشائرية، الأثنية، المناطقية، الحاراتية..) أي كاريكاتير ديمقراطية، مهما كانت هذه الملاحظات فإن أحداً لن يتوقف عندها لأن الدولة التي نشأت في بلداننا العربية بعد الحرب العالمية الثانية تيمناً بالهوية العالمية (أي الدولة) كانت في أغلبها كاريكاتيرات دولة.

 

صحيح أن الشعوب والنخب ستفرح فعلاً كفرح الأطفال بالحريات: بالقول والتظاهر .. ولكن المصالح التي هي عماد الدول ستكون في مكان آخر.

 

وإذا ما كانت الديكتاتوريات حكمت مستغنية عن شعوبها بإدارة الظهر لها، فإن الديمقراطيات لن تستغني عن شعوبها، لأن الشعوب ستتحول إلى مجرد أصوات!. وهذه هي مشكلة الديمقراطيات التمثيلية كما يقرها كلُّ الباحثين الجادين وعلى رأسهم آلان تورين.

 

في جوهر القضية ستختلف اللغة، لكن المصالح هي التي ستحدد آليات اللعبة. ونحن ننصح بأن يسارع الحكام لاغتنام الفرصة والدخول في لعبة الديمقراطية، كي ترضى الشعوب والنخب بالحريات العامة، ولكي تبقى الدول مستقرة.

 

"
الديمقراطية هي الهوية السياسية العالمية التي يتم الآن فرضها في سياق توحيد الهوية السياسية في المنتظم السياسي بعد أن توافقت أوروبا مع الأيديولوجيات الديمقراطية التي حملها بوش مبشراً في ولايته الثانية
"
فالمسألة السياسة في النتيجة النهائية تكمن في ثنايا المصالح، ومن يقرأ المعادلة جيداً، يوفر على نفسه وعلى شعبه الكثير من الرياح العاتية.

 

صحيح أن دولاً غير ديمقراطية يُغض الطرف عنها ليس فقط لأنها موالية لأميركا وحليفة للغرب ولكن لأنها "طرفية" في المعادلة الإقليمية – الدولية، أما الدول المركزية فسواء كانت موالية أم غير موالية فإنها مطلوبة إلى الديمقراطية.

 

لسوء الحظ، المنطقة العربية، وفي أغلب بلدانها تبدو تجربتها السياسية رد فعل أكثر منها فعلا.

 

نقول إنها رد فعل لأنها لا ترسم خطاً إستراتيجياً لنموها السياسي، فتعيق بعقلية تمرير المراحل، أو الاندراج على ما سبق إمكانية أن يتحول تطورها السياسي إلى مادة لها، فإذا بها مادة عليها تفرض من الخارج.

 

فكما كانت منظومة الدولة كهوية سياسية عالمية بعد الحرب العالمية الثانية هي السمة التي فرضت على المنطقة فرضاً في سياق توحيد المنتظم السياسي، فإن الديمقراطية هي الهوية السياسية العالمية التي يتم الآن فرضها في سياق توحيد الهوية السياسية في المنتظم السياسي، بعد أن توافقت أوروبا مع الأيديولوجيا الديمقراطية التي حملها جورج بوش مبشراً في ولايته الثانية في أول زيارة له إلى أوروبا بعد الحرب على العراق، ليعلن من بروكسل أنه توافق مع أوروبا على نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

 

وبغض النظر عن نوعية الديمقراطية في مجتمعات متخلفة وما قبل صناعية، فإن هذا السياق التوحيدي الموجه بالذات إلى المجتمعات العربية بالدرجة الأولى، يشكل استعادةً للحظةِ فرض الدولة على العرب بدءاً من مرحلة الاستقلالات العربية إلى السبعينيات من القرن العشرين حيث غدت الجماعات الخارجة عن الدولة معزولة وخارجة عن السياق.

 

فصفيت الألوية الحمراء والجيش الياباني ونظيره الأيرلندي ... وصولاً إلى اعتبار أن حركات التحرر العالمية إرهاب في مطلع القرن الحادي والعشرين، في مخالفة واضحة لشرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي، ذلك أن "المقاومة" قد باتت مفهوماً من الماضي أي من ميراث الحرب العالمية الثانية.

 

بين الدولة والديمقراطية، أي بين منتظمين ُموحدين للعالم خلال أكثر من خمسين عاما هي الفاصل بين الحرب العالمية الثانية ولحظة سقوط البرجين في 11 سبتمبر/أيلول، عاش العرب على مجموعة من المفاهيم التي كرست رد فعلهم وتحول سياستهم إلى مفعول به على أنقاض سياسات الآخرين.

 

ففي تلك الفترة نبعت أفكار تم التأثر بها من تجارب أيديولوجية عالمية كالاشتراكية والشيوعية والفوضوية والوجودية والمادية وحروب الأنصار (العصابات)... وكان الواضح أن سمة رد الفعل هي الأكثر أهمية وبروزاً.

 

اليوم تنداح في المنطقة العربية رياح الديمقراطية الأيديولوجية التي ستنصاع لها الدول بالمكاسرة أو بالقبول المذعن أو بالقوة، فلا يبدو أن هنالك مجالا للحديث عن الفروق الواقعية بين الدول وخصوصياتها، مادامت الولايات المتحدة الأميركية قد اتفقت مع أوروبا على ذلك في لحظة غياب الروس وانشغال الصين الدولتين المتهمتين بأنهما ليستا ابنتين شرعيتين لعصر الشعوب التي تختار زعماءها.

 

وهذا ما اضطر الرئيس الروسي بوتين للقول أمام نظيره الأميركي بأن لروسيا ديمقراطيتها منغِماً على نفس الوتر الذي استخدمه الرئيس الأميركي في أول خطاب له بعد التجديد لحكمه بولاية ثانية، ليرفع عن إدارته جزئياً تهمة الانتقال إلى الديمقراطية بالدول والشعوب بالقوة ونقل التجربة الأميركية دون الأخذ بعين الاعتبار شروطها المجتمعية.

 

صحيح أن روسيا على وضعها تستطيع أن تقول "لا" خافتة، إلا أن المنطقة العربية المفتوحة أمام الرياح الأميركية- الأوروبية لن تستطيع أن تقول شيئاً.

 

وسيغدو تعريفها لديمقراطياتها المشروطة بظروفها الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، في نظر أولئك الذين ينفخون في الصور الديمقراطي، مشجباً يعلقون عليه التأخير في الانتقال إلى الديمقراطية، وهو ما سوف تؤيده النخب العطشى والموتورة طلباً للديمقراطية، فضلاً عن الغريزة الشعبية التي تستهديها مفردة الحرية دون أي اعتبارات تتصل بالقانون أو بالدولة أو حتى بالعمق الفلسفي لاستحالة الحرية في عالم الضرورة وفقاً لرؤية فلسفية.

 

"
هبت رياح عاتية تحت عنوان الديمقراطية وعلى الجميع أن يتعامل معها إجلالاً أو واقعية.. والأهم أن لا تدفع الشعوب والدول ثمن التحولات القسرية من أمنها واستقرارها ونموها
"
لا النخب ولا الشعوب مستعدة لمناقشتها في لحظة فرحها بالخلاص من كل القيود التي غالت إلى درجة استعداء الشعوب في أعماقها ليس على الأجهزة فحسب بل على مفهوم الدولة والقانون وحتى التعقل والعقلانية.

 

تعلمت في حياتي الكثير من العبر أقلها إن دعيتَ إلى التعقل في فهم الديمقراطية والتعامل معها بدون أوهام (كتلك الأوهام الخلاصية التي سادت في الستينيات والخمسينيات من الوحدة والاشتراكية والصراع الطبقي) .. فإنك ستخسر النخب ذات العين الواحدة والمفجوعة بالحرية وكرامتها وأحلامها وآدميتها، وإن أنت مضيت في الدعوة إلى الديمقراطية على عواهنها، فإن المتحجرين المتمرسين في السلطة سيستعدونك، وبالخلاصة فإنك على الطريقين خاسر، فأنت بين أصوليين!؟.

 

بكلمة وبدون خسارات: هبت رياح عاتية -أيها السادة- تحت عنوان "الديمقراطية" وعلى الجميع أن  يتعاملوا معها إن إجلالاً أو واقعية.

 

نقول يتعاملوا معها من موقع الرؤية الباردة الهادئة والواقعية، أما نحن كمثقفين فلن نكون أكثر من شهود، والأهم ألا تدفع الشعوب والدول ثمن التحولات القسرية من أمنها واستقرارها ونموها.

 

وباختصار تجب زيادة سرعة التحرك نحو الحريات العامة، لأنها البادئة نحو نزع فتيل قنبلة لا يتم توجيهها إلا علينا، إذ علينا التفاعل معها لاعتبارات أخلاقية أوسياسية... أوواقعية.
_________________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة