ديمقراطية العراق المزيفة والأغلبية الصامتة   
الثلاثاء 1432/6/8 هـ - الموافق 10/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:57 (مكة المكرمة)، 13:57 (غرينتش)
منتظر الزيدي

 

وعود كاذبة
الطائفية والمرجعيات الدينية
من فمك أدينك!
سقوط المالكي

لم ترهب القسوة، ولا أرعب إطلاق الرصاص وخراطيم المياه الساخن ولا حتى الانتشار الكثيف للقوات الأمنية، مئات العراقيين الحالمين بالحرية والأمان والكرامة من الحضور إلى ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد يوم الجمعة من كل أسبوع للتعبير عن مطالبهم المشروعة في تحسين الأوضاع الأمنية والاجتماعية والمعيشية، التي وعدت بها حكومة المالكي قبل أربع سنوات وعادت لتجدد الوعد مرة ثانيةً، متناسية أن من يخلف وعدا لا يستحق أن يؤمن جانبه.

وعود كاذبة
المالكي ذلك الرجل الذي جعلته سخرية الأقدار في منصب الرجل الأول، والمفترض بمن يتسنم هذا المنصب أن يتمتع بالحكمة والحلم، سرعان ما يستشيط غيظا وغضباً من أي انتقاد يوجه له من معارضيه، أو أي رأي من منافسيه، حتى إن كان من باب النصيحة، ويعتبر كل صوت معارض وأية مظاهرة مطلبية انقلابا على إرادة الشعب، يقف وراءهما "الصداميون والتكفيريون والبعثيون"، وإلى نهاية قائمة التهم الجاهزة التي دأب النظام "الديمقراطي الجديد" على كيلها للآخر.

"
تتباكى الحكومة ليل نهار لعدم تمكنها من إيجاد بدائل تخلص العراقيين من أزماتهم المتفاقمة، وتعلق تردي الخدمات في العراق على شماعة الإرهاب
"
وهذا الآخر ليس إلا صوت الوطن المبحوح، وصرخات الضعفاء والمحرومين، هو الشعب الذي ذاق مرارة القتل والحرمان وامتهان الكرامة واللاأمان والفقر وغياب الخدمات،
الصامت رغم الألم، والصابر أمام كذب السياسيين وعمالتهم ولصوصيتهم. فقد جروه إلى انتخابات مزيفة باسم الدين ورد مظالم الأغلبية المهمشة، فوعدوه بالكهرباء الدائمة، والمدارس الحديثة، والمستشفيات النظيفة، والحرية المطلقة.

لكن ها هي السنة التاسعة تحل علينا من عمر الحكومات العتيدة! والاحتلال "المحرر" ولا شيء تغير، فالأغلبية المقهورة (أي الشيعة) الذين تاجروا بمظلومياتهم بالأمس ليصلوا إلى السلطة ما زالوا يعانون الأمرّين حيث يعيش الكثير منهم في مساكن عشوائية، تحت خط الفقر، تحاصرهم الأمراض والأوبئة أسوة ببقية العراقيين.

لكننا نجد على الضفة المقابلة عالم السياسيين (السابقين والحاليين) يعيشون حياة الترف في قصور فارهة تعود للنظام السابق، وضعوا أيديهم عليها منذ اليوم الأول للاحتلال، وأخرى ابتاعوها في أفخم أحياء المدن والعواصم العربية والأوروبية من عائدات النفط التي تقدر بنحو 262 مليار دولار أميركي، بين عامي 2003 و2011، وهم الآن ينكرون معرفتهم كيف صرفت وعلى ماذا بُددت هذه الثروة؟!

وبذات الوقت تتباكى الحكومة ليل نهار لعدم تمكنها من إيجاد بدائل تخلص العراقيين من أزماتهم المتفاقمة، وتعلق تردي الخدمات في العراق على شماعة "الإرهاب".

فالكهرباء اختفت تماما باستثناء ساعة واحدة تمر مرور الكرام مخلفةً وراءها المواطنين يصطلون بصيف العراق اللاهب الذي تصل حرارته لأكثر من 55 درجة مئوية. كما تفاقمت البطالة لتصل إلى أكثر من 75%، وجلها في مناطق الجنوب والوسط! وتجاوز الفساد حدود المعقول، وامتلأت السجون بعشرات الألوف من الأبرياء.

الطائفية والمرجعيات الدينية
لقد خرج صوت الأغلبية المستضعفة في العراق ضعيفاً، بعد أن عاد المالكي وشركاؤه للعب بورقة الطائفية المقيتة حيث بثوا الشائعات بأن المظاهرات "سنية" يراد منها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء!! والقضاء على حكومة ولدت من رحم المحرومين وجاءت بممثلين حقيقيين للشعب!

والمحزن أن عددا كبيرا من الناس انطلت عليهم هذه الحيلة التي تبنتها وسائل الحكومة الإعلامية وأبواقها من صحفيين مأجورين ورجال منابر مرتشين يتشدقون باسم الدين، وينذرون من يخرج للتظاهر من أجل الماء والكهرباء والأمان بالويل والثبور، والعقاب بالحرمان من الجنة لمن يخالف هذه الأوامر.

ولعل هذا العقاب الذي تداولته ألسن رجالات الحكومة ووعاظ السلاطين، هو ذات العقاب الذي أُنذر به من تخلف عن انتخاب "قائمة الائتلاف الموحد" عام 2005 و2006، التي كان الناطق باسمها حينذاك نوري المالكي، الأمر الذي يجعلنا نتساءل مع أي جهة تقف هذه المرجعيات الدينية؟ مع فريق السياسيين الذين يسرقون وينهبون ثروات العراق ويشتتون أبناءه وشردونهم خارج البلاد وداخله؟ أم مع الملايين من المحرومين والمظلومين والجياع، الحالمين بفسحة حرية والطامحين إلى لقمة حلال غير مغمسة بذل ومنة، والراغبين بكرامة مصانة؟

"
ماذا تعلم المرجعيات الدينية عن الأحوال المعيشية الصعبة التي يكابدها الشعب العراقي، أو ما يجري في السجون من ابتزازات واغتصاب وتعذيب ورشا؟
"
وهنا لا بد من التساؤل: ماذا تعلم المرجعيات الدينية عن الأحوال المعيشية الصعبة التي يكابدها الشعب العراقي، أو ما يجري في السجون من ابتزازات للموقوفين واغتصاب وتعذيب ورشا من أجل إطلاق سراحهم؟

فإذا أرادوا العمل الكامل في جوانب السياسة واللعب فيها بصورة مكشوفة فعليهم أن يكملوا الدور ليس فقط بدفع الناس إلى الانتخابات, بل بالنظر في حاجاتهم عن كثب والتجوال في الشوارع لكي يطلعوا على أحوال الناس.

وإن كان عكس ذلك فلا بد من موقف يدين السياسيين، وتضامن مع المتظاهرين والمحتجين يكون بالتصريح المباشر وليس عن طريق الوكلاء الذين لهم علاقات ووشائج ومصالح مع السياسيين المتنفذين، أو يكون من خلال استقبال ممثلين عن المحتجين من كل مناطق العراق، حينئذ سيعلم رجال الدين بأن السياسيين ورجال الحكومة يكذبون وسينفضح زيف ادعاءات الحكومة بحقوق الإنسان والإصلاح والإعمار.

من فمك أدينك!
لقد نعت رئيس الحكومة نوري المالكي دولته على شاشات التلفزيون "بالديمقراطية الزائفة"!! وذلك في مؤتمر صحافي حاول التحدث فيه عن حق الشعب العراقي في التظاهر دون قمع، فاخطأ التعبير وأصاب الهدف الخفي، فالحقيقة الساطعة التي يعرفها القاصي والداني هي أنه لا صوت يعلو على صوت الرصاص وأوامر إلقاء القبض العشوائية، وإغلاق القنوات الفضائية المعارضة، وتصفية الخصوم وتهديد من يحاول التعبير عن رأيه أو سخطه، ثم ملاحقة كل من ينشط في المظاهرات السلمية، وتجلى ذلك حينما فرضت الحكومة العراقية حظرا على سير المركبات لمنع تدفق المحتجين إلى ساحة التحرير منذ أول مظاهرة انطلقت يوم 25 فبراير/شباط الماضي، إضافة لمضايقة من يذهب سيرا على الأقدام، ومصادرة اللافتات المطلبية التي يحملها الناس من قبل نقاط تفتيش عسكرية تصب الشتائم والسباب على المتظاهرين.

كما عمدت القوات الأمنية إلى تقسيم ساحة التحرير بالأسلاك الشائكة، الأمر الذي جعل الناس أشبه بالمعتقلين منهم بالمتظاهرين.

ورغم كل شيء يقف المئات تحت نصب الحرية وسط بغداد ينشدون الأمل الضائع ويعبرون عن تطلعات ملايين العراقيين، غير آبهين بما يعترض مسيرتهم إلى الحرية. لقد رأيت بأم عيني عددا ممن ألقي القبض عليهم خلال أو بعد التظاهر يعودون إلى ساحة التحرير من جديد ولم يتأثروا بما نالوه من ضرب وإهانة وتعذيب في ثكنات الجيش والأمن العراقي، ولم يثنهم ذلك عن مواصلة التظاهر كل أسبوع.

في محاولة من المالكي لذر الرماد في العيون، أوعز لوزرائه بتفعيل عمل وزاراتهم لمدة أقصاها مائة يوم، وهذا المطلب الغريب يعكس "داء العظمة" لدى المالكي، حين ترفع عن طلب المهلة من الشعب لتحسين الخدمات كما فعلها كل الحكام المنقرضين أو الذين على وشك الانقراض، عندما خرجوا يتوسلون شعوبهم مهلة لتصحيح وإصلاح الأمور، إلا أن "رئيس وزرائنا" ترفع عن ذلك ملقيا الكرة في ملعب الوزراء، ومعظمهم لم يكونوا ضمن تشكيلة حكومته السابقة.

والعراقيون يعلمون علم اليقين أن لا مائة يوم ولا عشرة أصفار تضاف إليها كفيلة بتحسين الوضع الأمني والخدماتي والمعيشي في البلاد، ففي ثمان سنوات مضت عجز الهيكل السياسي العراقي عن إحداث أي فرق يذكر على كل الصعد، وفقد المواطن العراقي ثقته بأي سياسي في الساحة العراقية بعد أن ثبت للجميع أن تفكيرهم يتركز على الامتيازات التي سيحصل عليها من المنصب الذي يحل به، وكيفية دخول عالم الثراء السريع، قبل التفكير بالواجب الوطني والإنساني، ولم تعد كلمة فساد تجرح آذن أحدا منهم، لا سيما وأن أخطبوط فسادهم مد أذرعه وأخذ يفرخ صغار المفسدين الذين هم بدورهم تكاثروا ليعششوا في كل مفاصل الدولة العراقية، حتى أضحى المتقاعد يجبر على دفع الرشا لصغار الموظفين من أجل تسيير معاملته أو أخذ راتبه.

ولا يتم تعيين أي شخص دون دفع رشوة تتراوح بين 1000 و3000 دولار أميركي، ولا يُصادقُ على أي مشروع من المشاريع الكبيرة، كمشاريع النفط والاستثمار، دون أن تكون هناك عمولة تصل إلى ملايين الدولارات، أو نسبة معينة من الأرباح على شكل أسهم في شركات البترول الكبيرة لأحد رجال الحكومة وكبار الموظفين في الدولة.

"
الخزاعي: "ليحمد الشعب العراقي الله علينا.. وإذا أرادوا أن نوفر لهم الخدمات والكهرباء فلينتظروا خمسين عاما"!
"
ولعل أبلغ اعتراف يخرج من سياسي عن عجز الحكومة في تلبية حاجات الناس، هو ما جاء على لسان وزير التربية السابق والنائب عن حزب المالكي (خضير الخزاعي) متحدثا عبر قناة تلفزيونية محلية عن المظاهرات ساخرا منها حينما قال وهو يرسم على وجهه ابتسامة صفراء "ليحمد الشعب العراقي الله علينا"!! ثم يستطرد بذات الأسلوب الفج قائلا "إذا أرادوا أن نوفر لهم الخدمات والكهرباء فلينتظروا خمسين عاما"!

هذه الغطرسة والاستهتار بمعاناة الناس لم يأتيا من فراغ وإنما من الثقة المفرطة بمباركة "العم سام" لكل أفعالهم، طالما لم يخرجوا عن النص الأساسي للعبة البيادق، فكلٌ له دوره داخل رقعة السياسة العراقية ينتهي هذا الدور بانتفاء الحاجة له ليتحرك آخر بالطول والعرض بتوجيه وإرشاد أميركيين، يحمل معه ما شاء وكيف شاء طالما يفهم الأوامر ويعي المهمة التي أوكلت إليه، وحينما يأفلُ نجمُ أحدهم تظهر شخصية أخرى مهيأة سلفا لتعرض في سوق النخاسة السياسية كقائد جديد!

هذا حال السياسة في العراق، وليس "فن الممكن" كما هو متعارف عليه، وإنما فنٌ يوازي الفن السابع بسرعة انتقالاته وتحولاته، فنٌ يكون فيه اللص والقاتل والأمي بقدرة قادر نائبا أو وزيرا أو حتى رئيسا!

سقوط المالكي
الحقيقة التي يعلمها القاصي والداني أن لا سقوط حكومة المالكي سيجلب الأفضل، ولا بقاءها سيغير شيئا من آلام الناس ومعاناتهم، إذ إن الحديث عن شخص بعينه يملك عصا سحرية ويغيّر في لحظة واحدة هو ضرب من الخيال، فالذي يجب أن يُغير هو النظام الحاكم للعراق بكامله، وبسلطاته الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية فضلا عن دستور البلاد الأعرج! حيث إن الحكومة هي جزء من اللعبة السياسية الكبيرة في العراق، ولا يمكن أن ينصلح الحال بإزالة السبب وترك المسبب.

"
لا أحد في العراق يعول على أية حركة أو حزب من أجل التغيير أو الإصلاح، لا حاضرا ولا مستقبلا، بعد أن فقد العراقي الثقة في كل التشكيلات والكتل والأحزاب
"
وفي ظل فقدان الرقابة على عمل الحكومة من أي جهة كانت حيث المعارضة الحقيقية مغيبة أو غائبة عن دور المراقب الأمين، والإعلام العراقي أضحى معظمه صفقة للبيع لمن يدفع أكثر، ومن يعارض أو يمانع فالاعتقال والاغتيال بانتظاره، وكواتم الصوت تتجول بحرية وبغطاء حكومي.

لهذا لا أحد في العراق يعول على أية حركة أو حزب من أجل التغيير أو الإصلاح، لا حاضرا ولا مستقبلا، بعد أن فقد العراقي الثقة في كل التشكيلات والكتل والأحزاب، فهذا الأمر لن يحدث إلا عبر خروج الجماهير من شمال العراق إلى جنوبه، تنفض عنها غبار التردد وشبح الخوف وتنزع عنها هاجس الرعب من مراجل نار جهنم إذ ما خرجت الحشود على "ولي الأمر"..!

فالمظاهرات في العراق، رغم قلتها وإمكانياتها المحدودة، فإنها أخذت تسري كما تسري النار في الهشيم، فها هي الموصل تقف بصلابة أمام عنجهية القوات المرسلة من المالكي، ويعتصم أهلها من أجل التغيير، وقبلها البصرة التي أعطت عشرات الشهداء من المتظاهرين العزل، كما التحقت الأنبار بالركب وغدا ديالى وبعدها الناصرية وكربلاء، وشيئا فشيئا تتهيأ الفرصة لإنهاء "الفوضى الخلاقة" التي ابتدعها منظرو السياسة الأميركية.

فالمظاهرات الآن شبيهة بقطرة الماء التي تسقط مرارا وتكرارا وتفتت أقسى الصخور صلابة. لتعود المياه من جديد تجري في عروق العراق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة