قمم بوش!!   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

هل عاد بوش إلى المجتمع الدولي أم جره إلى جانبه؟

* إلياس حنّا

- قمة إيفيان وموازين القوى
- لماذا بوش في الشرق الأوسط؟
- النظام الأمني الجديد
- الاقتصاد إلى جانب الأمن

يعتقد الرئيس الفرنسي جاك شيراك أنه بمجرّد أن يجتمع الكبار في إيفيان فهذا يعني أن العالم أصبح متعدّد الأقطاب، وأنه بمجرّد أن يجتمع مجلس الأمن للتصويت على أمر ما فهذا يعني أن أميركا أصبحت مثلها مثل بقية القوى الكبرى.

قمة إيفيان وموازين القوى

فالعالم المتعدد الأقطاب هو كمفهوم الحريّة والاستقلال يؤخذ ولا يعطى. إنه ليس هديّة تعطى من الرئيس الأميركي جورج بوش لشيراك، بل يعكس موازين القوى الحاليّة على المسرح العالمي. لذلك وجب على شيراك العمل بجد لتعديل هذه الموازين. وقد يكون ذلك عبر الأمور التالية:

  • المزيد من التسلّح والعصرنة على صعيد القوى العسكرية، وهذا أمر صعب حاليا، فهو مكلف أولا، ويتطلب وقتا طويلا ثانيا.
  • إعلان الحرب على أميركا، والمواجهة المباشرة تعتبر من المستحيلات مما دفع شيراك إلى محاولة تعزيز وضع بلاده في دول العالم الثالث خاصة في أفريقيا.
  • محاولة بناء التحالفات بين القوى الكبرى لموازنة الجبار الأميركي. وتبدو هذه المحاولات خجولة حتى الآن، وقد يعود سبب العرقلة في أن كل الفرقاء المعرضين للهيمنة الأميركية هم بحاجة إليها، على الأقل إقتصاديا.

فرقاء أم شركاء

ما هو الجديد في إيفيان:

  • في هذه القمة اجتمع الرئيس بوش مع أوروبا وهي منقسمة في موقفها من أميركا، لكن الجديد هو أن أميركا تقريبا ليست بحاجة إلى أحد منهم، فهي تجاوزتهم في مجلس الأمن وذهبت للحرب على العراق، وهي كانت ستذهب أيضا حتى ولو اعترض الحلفاء المقربون منها وعلى رأسهم بريطانيا.
  • اجتمع الرؤساء في هذه القمة وكل منهم على موقفه الثابت، لأن أي تراجع لأي واحد منهم قد يعني على الأقل نهايته السياسية.
  • اجتمعت القمة والدولار في أدنى مستوى له مقابل اليورو، لكن أميركا لا تأبه لذلك، فهي تريد معاقبة من تجرّأ على تحديها.
  • قدِم الرئيس بوش إلى هذه القمة معتبرا أن حضوره الشخصي فقط هو أكثر ما يقدمه للرؤساء المجتمعين.
  • في هذه القمة قد يمكن القول إن بوش عاقب فرنسا وأهمل ألمانيا وسامح روسيا التي تأتي في طليعة الاهتمامات الأميركية، لأنها تملك أسلحة قد تكون قاتلة، عدا عن الدور الروسي في البُعد الإيراني.
  • لم يخصّص بوش رحلته فقط لقمة إيفيان، بل هو جدول جولات وقمما في أوروبا والشرق الأوسط، زار بولندا لمكافأتها على دورها في العراق، وزار روسيا انطلاقا من مبدأ المسامحة الذي تحدثنا عنه، ويزور شرم الشيخ للقاء بعض الزعماء العرب. كما يزور العقبة للقاء رئيسي الوزراء الفلسطيني محمود عباس والإسرائيلي أرييل شارون، هذا عدا محطته الأخيرة في قطر لزيارة عسكره وتهنئتهم.

ما هو تفسير هذه الأمور؟
من خلال تصرفات بوش تبدو أوروبا وكأنها أصبحت من الماضي بالنسبة للإستراتيجية الأميركية، فالعسكر الذين غادروها باتجاه العراق قد لا يعودون إليها، وأصبحت العقبة وشرم الشيخ أهم من إيفيان، وأصبح محمود عباس (مع الاحترام الكبير لشخصه) أهم من المستشار الألماني غيرهارد شرودر وشيراك.

باختصار أصبحت النظريّة الواقعية (Realist) التي تقوم على أولوية الأمن تحتل مركز الصدارة في العلاقات الدوليّة بعد أن أزاحت النظريّة المثالية التي كنا قد رأينا بعض المؤشرات لها مع الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون.

لماذا بوش في الشرق الأوسط؟

من الغريب أن يقوم رئيس أميركي بمبادرة حساسة جدا في منطقة الشرق الأوسط وهو تقريبا على مشارف ولايته الأولى ويطمح في نفس الوقت لولاية ثانية، فالذين سبقوه كانوا قد ركزوا على المعضلة الفلسطينية في بداية ولاياتهم باستثناء كلينتون الذي انهمك بها في نهاية ولايته الثانية.

فهل يريد بوش حقا فرض حل على الفرقاء أم أن الزيارة لرفع العتب بعد أن وعد العرب الحلفاء بأنه سيقوم بمبادرة بعد الانتهاء من العراق؟ لماذا لم يصطحب معه الفرقاء الأساسيين الذين كانوا قد وضعوا خارطة الطريق؟ أين الأمم المتحدة من هذه الخارطة؟ قد تبدو الإجابة على هذه التساؤلات فيما كنا قد أشرنا إليه آنفا عن منطق القوة الأميركية بأنها الأقوى وانتهى.

لكن الجواب الأهم لتفسير زيارة الرئيس بوش شخصيا، قد يكون في الأسباب التالية:

  • أن بوش سوف لن يخاطر في مستقبله السياسي من أجل الفلسطينيين، لذلك لا بد أن يكون هناك أمر آخر.
  • أن قدومه شخصيا قد يعني حتما أنه جاد في فرض الحل على الفرقاء، فهو أظهر لهؤلاء الفرقاء أنه لا يوجد بديل عن التعامل مباشرة مع أميركا، فأميركا تستخف بأوروبا وبالأمم المتحدة، فلماذا انتظارهما لإيجاد الحل؟
  • من المؤكد أن وجود بوش في المنطقة يعكس نظرة جديدة للمنطقة من قبل أميركا، وبالتحديد الإدارة الحالية. وقد يمكننا القول الآن إن الاستقرار في العراق يمر حتما عبر قطاع غزة وجنين.
  • إن جدّية الرئيس بوش لفرض الحل قد تُستشفّ من الحملة القوية والمركزة على إيران، وذلك بعد أن هدأت على المسار السوري لأسباب عدّة أقلها التعاون السوري في الشأن العراقي.

إذا عبر قمم بوش المتعددة في المنطقة وبروز جدّيّته في فرض الحل في المنطقة، يمكننا القول إن لأميركا مشاريع مهمة لهذه المنطقة وقد يكون فيها الشق الأمني الأهم. فهذه المنطقة متهمة بتصدير الإرهاب وتسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، فهل هناك أخطر من معادلة اجتماع الإرهاب الذي يمقت أميركا ويريد تدميرها مع أسلحة قادرة على ذلك؟ إذا نحن قد نكون في صدد معايشة قيام نظام أمني إقليمي جديد. فماذا عنه؟

النظام الأمني الجديد


بما أن الحرب دارت على الأرض العراقيّة فلا بد إذن من أن يكون العراق نقطة انطلاق النظام الأمني الجديد، وسيكون مركز ثقل وجود القوات الأميركية الظاهر منها والمستور

بمجرّد أن انتهت أميركا من العراق فهذا يعني أن مرحلة ما قبل الحرب ليست كمرحلة ما بعدها، والدبلوماسية التي كانت قائمة لم تعد صالحة، وذلك لأن كل قواعد اللعبة وقوانينها قد تبدلت أيضا. فإستراتيجيّة الاحتواء لكل من العراق وإيران أصبحت مكلفة وغير مفيدة، إذ إن أميركا أصبحت تحتل العراق. وكذلك تبدو إيران وكأنها مطوقة من قبل القوات الأميركية ومن كل الجهات.

من خلال اجتماعات وقمم بوش قد يمكننا الاستنتاج على من سيقوم هذا النظام الأمني الجديد في المنطقة. فماذا عنه؟

  • بما أن الحرب دارت على الأرض العراقيّة، لا بد إذن من أن يكون العراق نقطة انطلاق هذا النظام. وقد يعيدنا هذا الأمر ويذكرنا بحلف بغداد عام 1958. سيكون العراق المجرّد من كل أنواع الأسلحة -باستثناء أسلحة الشرطة- مركز ثقل وجود القوات الأميركية الظاهر منها والمستور. وسيكون العراق مركز التنصّت الأميركي الرئيسي على المنطقة كلها، وذلك عبر وكالة الأمن القومي (National Security Agency).
  • سيكون النظام الأمني الإقليمي المستقبلي معتمدا على موازين القوى لدول المنطقة كما ورد في إستراتيجية بوش للأمن القومي (National Security Strategy)، على أن تكون فيه أميركا الراعي الأكبر.
  • ستخفّف أميركا من وجودها العسكري في الدول المحيطة بالعراق، خاصة الدول التي كانت ترفض في وقت من الأوقات الحرب على العراق. وتدخل السعوديّة في هذا التصنيف.
  • سيتكامل هذا النظام مع نتائج الحرب الأميركية على أفغانستان، فمنطقة آسيا الوسطى -ومن ناحية التقسيم العسكري الأميركي للعالم- تقع ضمن مسؤولية القيادة الوسطى (Central Command).
  • ستبقي أميركا على القواعد العسكرية التي أثبتت أنها مهمة بعد الحرب الأخيرة، وفي كافة الأبعاد (البر والبحر والجو والفضاء).
  • ستبقى السيطرة الأميركية على الممرات والمنافذ البحرية من الأمور الحيويّة للإستراتيجيّة الأميركية.
  • تعرف أميركا أنها سوف لن تكون محبوبة في المنطقة حتى لو ضحّت بكل شيء، لكنها تريد حتما أن تكون مرهوبة الجانب (Feared) بشكل يعكس صورة قوية في الإدراك الحسي لأنظمة وشعوب المنطقة.
  • وأخيرا وليس آخرا ستبقي أميركا كل الدول الكبرى والأمم المتحدة خارج إمكانية التأثير في المنطقة، إلا إذا كان الدور المراد لعبه ثانويا.
  • سوف تبني أميركا شبكة كبرى للاستعلام عن الإرهابيين، وتشارك معظم الدول المرضي عنها وغير الموالية في سكب ما تعرف في هذه الشبكة.
  • لم تأت سوريا في الأجندة الأميركية حتى الآن، فهي تمر في مرحلة التقييم عن طريق الترغيب والترهيب. أما لبنان فهو المنتظر الأكبر لأن قراره ليس بهذه الأهمية.
  • وأخيرا وليس آخرا سوف تنتقل أميركا من إستراتيجيّة الردع المتقدم التي كانت تعتمدها قبل الحرب على العراق إلى إستراتيجيّة الردع والتدخّل المباشرين، وذلك عبر وجود فعلي متقدم ملموس وجدّي.

الاقتصاد إلى جانب الأمن


أميركا بصدد بناء نظام أمني إقليمي جديد بعد الحرب على العراق، وهي بصدد تدعيمه في الشق الاقتصادي التنموي علّ التنمية تكون سبيلا لضرب الإرهاب

عندما حرّر جورج بوش الأب الكويت العام 1991، عمل على عقد مؤتمر مدريد بهدف إيجاد حل للقضية الفلسطينيّة. وأنتج مؤتمر مدريد خمس لجان هي لجنة البيئة ولجنة مراقبة التسلح ولجنة الموارد المائيّة ولجنة التطوير الاقتصادي الإقليمي ولجنة اللاجئين.

كان الهدف من هذه اللجان بشكل عام العمل على خلق أرضيّة مشتركة بين الفرقاء المتنازعين تؤسّس لتعاون مشترك يتجاوز الصراعات. فالفكرة العامة تقول إن التقدّم والرفاهيّة والديمقراطيّة كلها تبعد شبح الحروب.

عندما احتل الرئيس بوش الابن العراق هذا العام، أعلن مشروعه الاقتصادي الذي يقوم على اتفاقات تجارة حرّة بين أميركا والشرق الأوسط. ويصبّ هذا المشروع في نفس الهدف الذي سعى إليه والده عن طريق مؤتمر مدريد. فعلى ماذا يقوم المشروع الاقتصادي الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط؟

في خطابه بجامعة كارولينا الجنوبية في 9 مايو/ أيار 2003 أطلق الرئيس بوش مشروعه لقيام منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط خلال عقد من الزمن. فأميركا أصلا لديها اتفاقات في هذا الإطار مع كل من إسرائيل والأردن، كما تفاوض المغرب في ذلك، وكذلك ترغب كل من مصر والبحرين في عقد اتفاقات مماثلة. إن متطلبات نجاح هذا المشروع هي لبرلة الاقتصاد وتطبيق حكم القانون وحق الملكية. فإلى ماذا يهدف الرئيس بوش من ذلك؟

  • المقصود الأول هو القارة العجوز، فالشرق الأوسط يعتبر تاريخيا الساحة الخلفية لأوروبا، كما أن الدخول الأميركي إلى الشرق الأوسط سوف يفتح باب شمالي أفريقيا.
  • لا يساهم الشرق الأوسط بأكثر من 3-5 % من الاقتصاد العالمي حتى مع أموال النفط، حتى إن كل الدخل القومي للشرق الأوسط لا يتجاوز 700 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل تقريبا ما تنتجه كندا وحدها.
  • مقارنة مع أميركا تأتي أوروبا في طليعة البلدان التي لديها مصالح مع الشرق الأوسط. فإذا ما أخذنا الجزائر ولبنان ومصر والأردن والمغرب، فان أميركا تسبق أوروبا فقط مع إسرائيل.

لكن إعلان هذا المشروع الأميركي قد يجعل الشركات الأميركية تأتي لاختبار الأرضية الاستثمارية.

إذا فإن أميركا بصدد بناء نظام أمني إقليمي جديد بعد الحرب على العراق. وهي بصدد تدعيمه في الشق الاقتصادي التنموي علّ التنمية تكون سبيلا لضرب الإرهاب. لكن هذا النظام الأمني مع النظام الاقتصادي سوف لن يكونا بالسهولة المتوقعة. فتاريخ العلاقات العربية الأميركية خاصة في شقه الفلسطيني لا يبشّر بخير، ومآسيه لا تزال في الذاكرة الجماعيّة العربية منها والإسلاميّة. لذلك يبقى الاختبار الأكبر لهذا المشروع الكبير في المنطقة في كيفيّة إرضاء المسلمين العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، فالتحدي يكمن في موضوع اللاجئين والقدس والحدود.
ــــــــــــــ
* أستاذ محاضر في جامعة سيدة اللويزة/ لبنان، عميد ركن متقاعد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة