مسلمو وعرب أميركا.. وقفة مع نقد الذات   
الأربعاء 1428/12/3 هـ - الموافق 12/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 7:54 (مكة المكرمة)، 4:54 (غرينتش)


علاء بيومي

العلماني في مقابل الديني
الأبناء في مقابل الآباء
الجماهير في مقابل السلطة
حل سهل ممتنع

النقد الذاتي عادة من علامات النضج والثقة في النفس يجب تشجيعها لدى أي جماعة أو كيان بشري ما دامت تتم بنية حسنة، وبهدف التجميع لا التفريق، والنصح لا الذم، والتشجيع لا تثبيط الهمة.

كما أن مسلمي وعرب أميركا أقلية هامة تفخر بكونها حلقة صلة بين كيانين هائلين, أميركا من ناحية والعالمين العربي والإسلامي من ناحية أخرى, كما تفخر بسعيها للجمع بين أفضل ما يمثله الكيانان من قيم، مستفيدة بما تمتلكه من موارد بشرية تتميز بالشباب وبالتعليم وبالتعددية وبجذورها العربية والإسلامية الراسخة وبالعيش داخل مجتمع غربي متقدم، وهي ظروف يصعب توافرها لدى عدد كبير من الجماعات المسلمة أو العربية أو الأميركية الأقل حظا.

من هذا المنطلق رأينا أن ننظر في مقالنا هذا داخل المجتمع المسلم والعربي الأميركي ذاته للوقوف على عدد من القضايا المحورية التي تمثل تحديات ضخمة نابعة من داخل مسلمي وعرب أميركا أنفسهم، والتي يجب التوقف أمامها لدورها في التأثير سلبا أو إيجابا على مستقبل مسلمي وعرب أميركا كأقلية ذات رسالة هامة كما يؤمن أبناؤها.

المثير في التحديات التي نود التحدث عنها في مقالنا هذا أنها تمثل ثنائيات ضخمة وتوازنات صعبة أمام المجتمعات المسلمة والعربية بشكل عام عبر العالم، تنعكس على الأقلية المسلمة والعربية الأميركية بشكل واضح، وتحتاج لسنوات وربما لعقود لعلاجها.

وقد رأينا هنا أن نسلط الضوء عليها إيمانا بأن الشعور بالمشكلة وتوصيفها توصيفا دقيقا هما أول خطوات علاجها.

العلماني في مقابل الديني
"
بعض الجماعات الأميركية الليبرالية تمثل نموذجا يجب الاستفادة منه في التعايش بين الديني والعلماني، وتوفر دروسا يجب تعلمها من قبل بعض القيادات المسلمة والعربية المتشددة في هذا المجال
"
الثنائية الأولى هي ثنائية العلمانية في مقابل التدين، فالواضح أن الأقلية المسلمة والعربية في أميركا مرت بمرحلة تدين منذ سبعينيات القرن الماضي قادت إلى صعود ما يسمى بالمنظمات والتجمعات المسلمة الأميركية والتي باتت تشكل نسبة لا يستهان بها من مؤسسات وكيانات المسلمين والعرب في أميركا، وذلك على حساب المنظمات الثقافية والعرقية واللغوية التي كانت تمثل تلك الأقليات والتي تراجعت نسبيا خلال الفترة ذاتها.

ويعود ذلك لأسباب مختلفة ليس هنا محل الاستفاضة فيها، فهي لا تختلف كثيرا عن أسباب صعود الدين والتدين في العالمين العربي والإسلامي بل وفي العالم الغربي ذاته خلال نفس الفترة، فالتيارات الدينية تعيش مرحلة صعود منذ أربعة عقود عبر العالم، والأقلية المسلمة والعربية الأميركية لا تمثل استثناء في ذلك.

ما هو استثنائي هو أن الخطاب السائد في أوساط المسلمين والعرب الأميركيين خطاب يدعو للوحدة في ظل الضغوط الراهنة، كما يدعو للتعالي عن المشاكل التي قسمت العالمين العربي والإسلامي وعلى رأسها الصراع العلماني الديني، وللاستفادة من خبرة التعايش الأميركي في هذا المجال.

فجزء كبير من التيار الليبرالي السائد في أميركا تيار علماني بالأساس ولكن الكثير من أبنائه تخطوا ثنائية العلمانية في مقابل الدين، وباتوا من مناصري حرية العقيدة بغض النظر عن طبيعتها، والتسامح بغض النظر عن الطرف الضعيف، وذلك في مقابل التيارات الأميركية المتشددة والتي تنظر للأخر نظرة سلبية مغلقة بغض النظر عن خلفيتها ولأسباب مختلفة بعضها ديني والأخر علماني وكثير منها عنصري رافض للأخر المختلف بشكل عام.

هذا يعني أن بعض الجماعات الأميركية الليبرالية تمثل نموذجا يجب الاستفادة منه في التعايش بين الديني والعلماني، وتوفر دروسا يجب تعلمها من قبل بعض القيادات المسلمة والعربية المتشددة في هذا المجال.

فالمعايش لمسلمي وعرب أميركا وهمومهم يصعب عليه ألا يمر يوما من الأيام بعربي أو مسلم علماني ينظر نظرة دونية لأخيه المتدين على أساس أن تدينه يمثل الرجعية والانعزال، وذلك بغض النظر عن الخلفية التعليمية والوظيفية للشخص المتدين ودرجة نشاطه السياسي والمدني.

في المقابل ينظر بعض المسلمين والعرب المتدينين المتشددين إلى أخيهم العلماني على أنه الأخر الذي لا ينتمي لملتهم والداعي للانحلال والتفريط، وذلك بغض النظر عن قناعاته الشخصية ومدى نشاطه في دعم حقوق وقضايا مسلمي وعرب أميركا.

وينسى الطرفان الظروف والهموم المشتركة التي يمر بها المسلمون والعرب في أميركا، والنموذج الذي تقدمه بعض الجماعات الأميركية الليبرالية في التعايش، وبأن هدف الأيديولوجيات السليمة المختلفة -الديني منها أو العلماني- هو توحيد البشر لا تفريقهم، وتقويتهم لا إضعافهم، وتشجيعهم على الانفتاح والتعايش لا على الانغلاق والتحارب.

الأبناء في مقابل الآباء
الكل يعلم أن مستقبل المسلمين والعرب في أميركا كأقلية مستقرة مندمجة قوية يتوقف على قدرة الجيل الراهن من قادتهم على الدفع بالجيل الثاني الشاب لمواقع القيادة على مختلف المستويات، وذلك لدرجة أن نجاح المنظمات المسلمة والعربية الأميركية ينظر إليه أحيانا بمعيار قدرة تلك المنظمات على اجتذاب الشباب إليها وتوليتهم مواقع قيادية فيها بأكبر قدر ممكن وفي أقصر فترة زمنية ممكنة، وذلك ضمن معايير أخرى لا تقل أهمية.

"
مشكلة الآباء والأبناء تتطلب حلا جماعيا يبدأ من الأسرة، ويقوم على تزويد الجيل الثاني بروافد ثقافية مستمرة تربطه بماضيه المسلم والعربي بشكل متوازن عقلاني لا تبريري ولا استعلائي، روافد تضمن زرع خصال القيادة الجماعية الرحيمة والمتوازنة في أبناء الجيل الثاني
"
وكثير ما تسمع الآباء المسلمين والعرب في أميركا يقولون إن السبب الرئيسي لبقائهم في الولايات المتحدة وتحملهم آلام الغربة ومشاكلها وقسوة الحياة بالمجتمع الأميركي الرأسمالي هو حرصهم على ضمان مستقبل أفضل لأبنائهم، وأن يبنوا في أبنائهم ما عجزوا عن تحقيقه، وأن يترجموا ذلك على المستوي الجماعي بمستقبل أفضل للمسلمين والعرب في أميركا وعبر العالم.

في المقابل تجد وللأسف أن بعض شباب المسلمين والعرب في أميركا يمتلكون أفكارا خرافية إن لم تكن عنصرية عن ماضيهم العربي والمسلم، وعن المهاجرين الجدد والجيل الأول (آبائهم) من مسلمي وعرب أميركا الذي كان سببا رئيسيا في وجدوهم من الأصل.

ويعود ذلك لأسباب مختلفة تعود بشكل كبير لعقدة الشعور بالنقص التي يعاني منها بعض المسلمين والعرب تجاه كل ما هو أميركي أو غربي وهي عقدة تعود بشكل كبير للماضي الاستعماري وتغذيها التيارات الأميركية والغربية العنصرية التي تحارب الأقليات والمهاجرين والمسلمين والعرب.

وهي جماعات تنظر نظرة دونية للأخر وتطالبه بالانصهار لا بالاندماج، وتستخدم أدوات جماهيرية ضخمة ومؤثرة كالإعلام لترويج أفكارها على نطاق واسع وزرعها في عقول وقلوب المقيمين بأميركا بما في ذلك المهاجرون منهم.

لذلك تجد أن بعض الآباء المسلمين والعرب لا يتوقفون عن نقد خلفيتهم وأبناء عشيرتهم أمام أبنائهم وبخلع كافة الصفات السلبية عليهم، وبتغذية مشاعر الاستعلاء لدى أبنائهم تجاه كل ما هو مسلم وعربي وإشعارهم بأنهم قادرون على قيادة القطيع المسلم والعربي بأقل جهد وهم مازالوا في مهدهم، ثم يعود هؤلاء الآباء للتعجب من أن أبنائهم الأميركيين الذي أنفقوا حياتهم في رعايتهم باتوا نقمة عليهم لا نعمة، وباتوا تجسيدا لمشاعر الاستعلاء التي زرعوها فيهم منذ الصغر.

ولعل علاج تلك المشكلة يتطلب حلا جماعيا يبدأ من الأسرة، ويقوم على تزويد الجيل الثاني بروافد ثقافية مستمرة تربطه بماضيه المسلم والعربي بشكل متوازن عقلاني لا تبريري ولا استعلائي، روافد تضمن زرع خصال القيادة الجماعية الرحيمة والمتوازنة في أبناء الجيل الثاني من مسلمي وعرب أميركا بشكل يضمن حماية مصالح الجيلين الأول والثاني على حد سواء والأجيال القادمة كذلك.

الجماهير في مقابل السلطة
الثنائية الثالثة الأخيرة –التي نود الحديث عنها في مقالنا هذا- تتعلق بقيادات المسلمين والعرب في أميركا وبعلاقة تلك القيادات بالجماهير التي ينبغي عليهم تمثيلها وبقدرتهم على ذلك التمثيل، فقدرة القيادات المسلمة والعربية على القيادة خاصة على المستوي السياسي تتوقف على قدرتها على العمل من داخل المؤسسات الأميركية السياسية الكبرى وعلى أن تتحول بمرور الوقت لجزء لا يتجزأ من تلك المؤسسات.

فلا يمكن بناء لوبي مسلم وعربي أميركي قوي اعتمادا على قيادات تربت وترعرعت خارج الولايات المتحدة أو بعيدا عن مؤسسات المجتمع المدني الأميركي، فلو أردت أن تبني عيادة طبية ناجحة فعليك أن تحضر العاملين بها من كليات الطب ومعاهد التمريض، وكذلك لو أردت أن تبني لوبيا مسلما وعربيا أميركيا قويا فعليك أن تحضر قياداته من البيت الأبيض والوزارات الأميركية والكونغرس.

ولكن بشرط أساسي وهو أن تعبر تلك القيادات عن القواعد الجماهيرية المسلمة والعربية الأميركية وأن تنتمي إليها وتتواضع لها وأن تبحث عنها وعن قضاياها وتمثلها وألا تستعلي عليها وتتقوى عليها بخلفياتها وخبراتها.

"
مسلمو وعرب أميركا يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة تخيرهم بين الاعتماد على قيادات نجحت في التوغل في المؤسسات الأميركية على حساب بيع نفسها وقضاياها, وبين الاعتماد على قيادات تعبر عنها وعن قضاياها ولكنها تفتقر للخبرة الكافية
"
والواضح هنا أن الأقلية المسلمة والعربية الأميركية مستهدفة وأن بعض الأقليات الأميركية المتشددة مصرة على تفرقة صفها وشق وحدتها من الداخل من خلال التدخل بموارد إعلامية ومالية وسياسية ضخمة لدعم طرف مسلم أو عربي على أخر، وهي حقيقة لا تخفيها تلك الجماعات والتي تتحدث بشكل متكرر عن رغبها في دعم جماعات مسلمة وعربية أميركية معينة ضد جماعات ومنظمات أخرى انطلاقا من أجندة تلك الجماعات الأميركية المتشددة، والتي تريد أن تصيغ الأقلية المسلمة والعربية الأميركية على شاكلتها بحيث تحولها من خلال قادتها إلى مسخ لا يدعم إلا ما تريده تلك الجماعات، والتي لا تناصر مسلمي وعرب أميركا إلا قليلا، والتي قد تدعم مصالح جماعات ونخب ودول مناهضة لهم في كثير من الأحيان.

وبذلك يجد مسلمو وعرب أميركا أنفسهم أمام معادلة صعبة تخيرهم بين الاعتماد على قيادات نجحت في التوغل في المؤسسات الأميركية على حساب بيع نفسها وقضاياها وأبناء جلدتها، وبين الاعتماد على قيادات تعبر عنها وعن قضاياها ولكنها تفتقر للخبرة الكافية التي تؤهلها للدفاع عن تلك القضايا والمصالح بشكل فعال وناجح.

حل سهل ممتنع
في نهاية هذا المقال يجب التأكيد على حقيقة هامة تعرضنا لها في بداية هذا المقال وعبر فقراته المختلفة، وهي أن التحديات السابقة لا تقتصر على مسلمي وعرب أميركا وحدهم فهي تحديات تشاركهم فيها أقليات أميركية أخرى مرت بظروفهم ومعاناتهم بشكل متطابق تقريبا، بل وتشاركهم فيها المجتمعات المسلمة والعربية بدرجة كبيرة، والتي لم تتمكن بعضها من إيجاد حلول شافية للتحديات الكبرى الثلاثة السابقة.

وهذا يعني أن علاج تلك التحديات سيطول، فهي ثنائيات يستحيل حلها بين عشية وضحاها، وقد يعيش مسلمو وعرب أميركا بها لسنوات وربما لعقود، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن علاج مشكلة فرد ما تحتاج لسنوات، فما بالك بعلاج مشكلة جماعة متنامية جديدة متغيرة تعيش ظروفا صعبة ومتقلبة كالأقلية المسلمة والعربية في أميركا.

كما أن تلك التحديات ليست بغريبة عن مسلمي وعرب أميركا وقادتهم، فهم واعون بها بكل تأكيد، وإنما أردنا من مقالنا هذا المساعدة في التوصيف وتشجيع البحث عن حلول، والحل سهل ممتنع يحتاج إلى تشخيص دقيق حاولنا بدايته في مقالنا هذا، فهو حل يلخص الخبرة المسلمة والعربية الأميركية القائمة على الجمع بين الماضي والحاضر، بين العربي والإسلامي من ناحية والأميركي من ناحية أخرى، بين القدرة على التعلم من التراث العربي والإسلامي والاستفادة من خبرة التعايش الأميركي وعدم الوقوع في فخي التشدد أو التفريط.
ـــــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة