رِدة الحداثة أو البربرية الحديثة   
الأربعاء 29/6/1427 هـ - الموافق 26/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)


عادل لطيفي

- البربرية والمركزية الأوروبية
- تراجع الحداثة
- عندما تنتج الحداثة بربريتها

لماذا العودة إلى طرح موضوع البربرية مع بداية القرن الـ21؟ ما الحاجة إلى إعادة التفكير في هذا الموضوع بعد ما يزيد عن قرنين من تجربة الحداثة العقلانية؟

في الحقيقة لسنا بحاجة إلى بلورة منهجية ما للإقناع بشرعية السؤال، فالعودة إلى تمحيص واقع الإنسان خلال بداية هذا القرن كافية لذلك.

أحداث الحرب الأخيرة على الفلسطينيين في غزة والتدمير المنهجي للبنان، وكذلك ارتدادات انهيار الدولة في العراق ولامبالاة العالم تجاه مآسي أفريقيا، كلها مؤشرات توحي بأن الحداثة لم تتجاوز حالة البربرية، بل استوعبتها وجعلتها جزءا من المألوف السياسي، إنها ردة حقيقية عن المحتوى الإنساني العميق لفكر الحداثة.

هذه محاولة لقراءة بعض الأحداث الشرق أوسطية من خلال سبر أغوارها العميقة بعيدا عن المعطيات السياسية والجيوإستراتيجية الحينية.

"
الحرب على الفلسطينيين والتدمير المنهجي للبنان وكذلك ارتدادات انهيار الدولة في العراق ولامبالاة العالم تجاه مآسي أفريقيا، كلها مؤشرات توحي بأن الحداثة لم تتجاوز حالة البربرية، بل استوعبتها وجعلتها جزءا من المألوف السياسي
"
البربرية والمركزية الأوروبية

قبل تحليل بعض عينات الواقع الحالي، هناك نقاط منهجية لا بد من توضيحها.

إذ كيف يمكن الجمع بين البربرية والحداثة؟ ألم تعدَّ الحداثة في عمقها مخرجا للإنسانية من بربريتها التي طالما هددت إنسانية الإنسان؟

هذه الأسئلة النظرية التي تعطي صبغة فينومينولوجية لإشكالية العلاقة بين الحداثة والبربرية كانت قد طرحت بحدة في الفكر الأوروبي خلال القرن التاسع عشر، ليتراجع حضورها كموضوع فلسفي خلال القرن العشرين، وكأن القطع مع البربرية أضحى واقعا لا مجال لإعادة النظر أو التشكيك فيه.

مثل هذا اليقين سمح للعديد من الأقلام المفكرة بالحديث عما بعد الحداثة، ما يوهم بأن الحداثة أتمت إنجاز مشروعها وهي بصدد التفكير في مستقبلها.

في هذا السياق لا بد من استثناء محطتين بارزتين لهما دلالتهما على مستوى تعامل الفكر السياسي الغربي مع البربرية، إنهما الحربان العالميتان.

فبعد سنوات الرخاء التي صاحبت بداية القرن العشرين وجدت أوروبا نفسها أمام حرب شاملة انتهت لأول مرة بتدمير شامل للمدن وبسقوط الملايين من الضحايا فضلا عن ملايين المعاقين.

كانت الحرب الكبرى هذه أول صفعة للوعي الأوروبي لتوقظه من غيبوبة الحداثة الشكلية المؤسسة على الرفاه المعيشي.

وكانت قصة البطل تارزان التي ظهرت في خضم التأمل الفكري والأدبي لما بعد الحرب تمثل أصدق تعبير عن وجود توجه لرفض هذه الحداثة القاتلة من خلال العودة إلى حالة الطبيعة.

خلال الحرب العالمية الثانية طرح من جديد موضوع الحدود الفاصلة بين البربرية والحداثة على أثر الجرائم التي ارتكبتها النازية والتي من أبرزها التقتيل المنهجي لليهود، وكذلك على أثر الدمار الشامل الذي شهدته أوروبا وخلف قرابة 60 مليون ضحية.

لقد جسد مبدأ الجريمة في حق الإنسانية مؤشرا على وعي الأوروبيين بإمكانية السقوط في بربرية دفينة، لكن من المهم هنا أن نربط هذين الحدثين بسياقهما الأوروبي البحت.

أي أن هذا الوعي الظرفي بخطورة السقوط السهل في حالة البربرية لم يمله وعي منفتح على مفهوم الإنسان ليشمل ثقافات وعناصر أخرى.

إن هذا الوعي مرتبط أكثر بجرائم ارتكبها أوروبيون فيما بينهم، وشملت بالأخص الأقليات الثقافية مثل اليهود والغجر.

أي أن السؤال الحقيقي كان كيف يمكننا نحن الأوروبيين أن نكون بربريين فيما بيننا؟

أي أن هذا الوعي كان يتم دائما في ظل نوع من بناء صورة الأنا تجاه الأخر، ذلك المستعمَر الذي ظل مستبعدا من هذا الوعي، وكأن حال العقل السياسي الأوروبي يقول لا يمكننا أن نكون بربريين مثل الآخر.

الأدلة التاريخية على ذلك معروفة لدى المؤرخين، فما استنكره الأوروبيون من جرائم زمن الحرب في أوروبا كانوا يقومون به في المستعمرات.

ففي نفس الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحتفل بتحريرها من الهيمنة النازية كانت تقوم بأبشع المجازر في مدن قالمة وسطيف بالجزائر وتقتل الآلاف في ظرف ساعات.

وفي الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يحاكمون النازيين على القتل الجماعي لليهود كانت فرنسا قد اعتقلت ثم نفت الحاكم في تونس وأحد رموز الوطنية التونسية، المنصف باي، رغم أنه منع الجيش الألماني من نقل اليهود التونسيين أو تسخيرهم.

نفس المصير تقريبا لقيه الملك المغربي محمد الخامس رغم معارضته لدعاية المحور في بلاده.

كل هذه الأمثلة تكشف عن أن الوعي بخطورة العودة إلى البربرية بقى إلى حد بعيد قضية أوروبية غير منفتحة على الإنسانية في تنوعها، على المستوى السياسي على الأقل. لكن ماذا تغير اليوم؟

"
سجن غوانتانامو يعد قمة تجسيد الردة إلى البربرية، لأن رفض الإدارة الأميركية لأي مرجعية قانونية لهذا السجن يعطي الانطباع وكأن هذه الإدارة تسقط مفهوم الإنسان ومفهوم القانون ومفهوم الحقوق ومفهوم الدولة
"
تراجع الحداثة

تبدو لنا البربرية اليوم وكأنها صدى آت من غياهب النسيان نستحضره من عمق الماضي لنعطي لأنفسنا الشعور بالطمأنينة والرضا عن النفس في حاضرنا.

فالإنسانية في لاوعيها الجماعي والمقصود هنا الإنسانية التي يفكر لها الغرب، جعلتها مجرد مفهوم للدلالة على حالة طبعت إنسان الماضي، أو أنها سلوك تنفرد به بعض الأنظمة أو الجماعات المعادية لمن يعتقدون أنهم المجسدون للحداثة في أتم وجوهها.

لكن هذه القناعة النظرية سرعان ما تتبدد بالعودة إلى واقع عالم اليوم، فحسبنا أن نعود إلى الأحداث الأخيرة التي تشهدها الساحة الفلسطينية واللبنانية لنقف على حقيقة ردة الحداثة وعلى ما يمكن أن نسميه بتأهيل البربرية.

إن قتل عائلة بأكملها على شاطئ غزة جراء استخدام أحدث تكنولوجيا القتل أشبه بالغارات التي كانت تقودها المجموعات القبلية والإثنية فيما بينها، في عصور خلت، لتقتل سكان القرى وتسبي النساء وتغذي بهن سوق الرق.

ألا يحيلنا الحصار الغذائي الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين من حين لآخر على سيناريوهات حصار المدن في العصور القديمة وفي العصور الوسطى؟

قصف لبنان الأخير يمثل، في أحد أبعاده، فصلا آخر من فصول ردة الحداثة، لأن الاستهداف المنهجي للمدنيين والتدمير الكلي للمرافق الحيوية، أي ذلك السلوك العسكري الذي كان يوما ما وراء الوعي بمفهوم الجريمة في حق الإنسانية، أصبح اليوم ممارسة مألوفة ومشروعة طالما أن من يقوم بها هو إسرائيل.

في العراق يقوم الجندي الأميركي، الذي جاء رافعا راية الحرية، باغتصاب فتاة ثم يقتلها مع كل عائلتها لتستكمل الجريمة بحرق جثث القتلى.

إلى أي زمن ترحل بنا مثل هذه الجريمة؟ ليس إلى زمن بربرية المغول بل إلى زمن بربرية الحداثة، بربرية الحرية والديمقراطية المزعومة.

سجن غوانتانامو يعد قمة تجسيد هذه الردة، لأن رفض الإدارة الأميركية لأية مرجعية قانونية لهذا السجن يعطي الانطباع وكأن هذه الإدارة تسقط مفهوم الإنسان ومفهوم القانون ومفهوم الحقوق ومفهوم الدولة.

كل هذا يسقط ويصير الثأر والانتقام هما القاعدة الأساسية لتحديد العلاقات.

هل يعقل أن نجد في القرن الحادي والعشرين موقوفا ما هو بإنسان ولا هو بسجين؟ إنه مجرد عدو.

تحييد مبدأ القانون، الذي يعد أحد ركائز مفهوم الدولة الحديثة ليس بجديد، إذ قد رأينا ذلك من قبل عندما قصفت الطائرات الأميركية مصنعا للأدوية في السودان بدعوى أنه مصنع للأسلحة الكيماوية ثم رفضت أي تحقيق دولي في ذلك.

شهدنا هذا التحييد كذلك بعد المجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في جنين ورفضت استقبال فريق تحقيق دولي.

كل هذا يتم دون أن يعيد العالم طرح خطر البربرية من جديد كما كان الشأن خلال الحربين العالميتين.

لماذا؟ لأن القضية اليوم خارجة عن المركزية الغربية، فالضحية هو ذلك الآخر الذي يبقى في الوعي الغربي غير المعلن أقرب للبربرية أو أبعد عن الحداثة، ذلك هو العراقي والفلسطيني واللبناني.

أما من يقومون بهذه الممارسات فهم جزء من المركزية الغربية، إنه الجندي الأميركي أو الإسرائيلي الذي يحمل لواء الحرية والتقدم والحضارة.

هنا نفهم لماذا يصعب على صناع القرار في الغرب استعمال كلمة جريمة حرب أو كلمة إبادة إذا تعلق الأمر بممارسات الجيش الأميركي أو الإسرائيلي.

عندما تنتج الحداثة بربريتها
إن الخطر الأعمق لمثل هذه الممارسات هو أنها تجد عناصر شرعيتها في فكر الحداثة نفسه، فإسرائيل تبرر سياستها تجاه الفلسطينيين وتجاه لبنان بحق الدفاع عن النفس وبحقها في السلام والأمن.

لكن هذا يعني ضمنا قبول واقع الاحتلال بما يتبعه من جرائم، وعندها يصبح الاحتلال مشروعا والمقاومة إرهابا والحقوق تنازلات.

الحرب على الإرهاب أعادتنا إلى معادلات خلنا أنها قد ولت مع زمن الحروب الاستعمارية وما حملته من مشروع لنشر الحضارة.

إذ هاهي الإدارة الأميركية تعلن، بعد تعرضها لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أن حربها على الإرهاب هي حرب ضد أعداء الحضارة.

ولم يقف الأمر عند حد وضع الإطار المفهومي للحرب على الإرهاب من خلال استعادة مفاهيم قديمة، بل تعداه إلى حد التراجع عن مكاسب الحداثة.

فقد تراجعت الحريات العامة وفقد المواطن في كل من بريطانيا والولايات المتحدة ضمانات حريته الشخصية من جراء قوانين مكافحة الإرهاب.

لقد قلصت هذه الحرب، من خلال تركيزها على الأمن، مفهوم الحياة إلى حدودها الدنيا المرتبطة بالعيش في معناه البيولوجي في حين تراجعت مفاهيم الحرية والحقوق والقانون.

لقد ألزمت الحرب على الإرهاب المواطن في الغرب بالاختيار بين الأمن أو الحرية. هذه هي ردة الحداثة عندما تولد نقيضها.

تستوقفنا بعض الشعارات الأخرى لنستجلي من خلالها مظاهر ردة الحداثة، ونحن نستحضر هنا المواجهة بين محور الخير ومحور الشر.

"
استعمال المفاهيم ذات الشحنة الدينية كمحور الخير ومحور الشر يمثل على مستوى عميق تحييدا للعقل الفلسفي واستبداله بالعقل الديني سواء أكان ذلك لكسب الشرعية أم لتجنيد المجتمع
"
إن استعمال هذه المفاهيم ذات الشحنة الدينية يمثل على مستوى عميق تحييدا للعقل الفلسفي واستبداله بالعقل الديني سواء كان ذلك لكسب الشرعية أو لتجنيد المجتمع.

مقولة الخير والشر تعيدنا إلى كتابات القديس أوغستان خلال الألفية الثالثة للميلاد عندما كانت المسيحية في أوج مواجهتها مع الديانات الوثنية والطبيعية. أليس في استبدال العقل الفلسفي بالعقل الديني ردة عن عقلانية الحداثة؟

يمكننا أن نربط هذا التراجع بسقوط الإيديولوجيات الكبيرة ومن ورائها سقوط الفلسفة البناءة، النقدية والمشككة مما فتح المجال لنوع من البراغماتية والمكيافيلية السياسية أوصلت إلى سدة الحكم شخصيات ذات ثقافة شديدة السطحية ودون أي عمق معرفي أو نفاذ عقل.

هذا هو حال جورج بوش الابن وفلاديمير بوتين وبرلسكوني ولاش فاليزا وغيرهم.

مثل هذا التراجع عن المحتوى الإنساني العميق لفكر الحداثة وما صاحبه من "تطبيع" مع البربرية يفسر إلى حد ما بربرية ردة فعل بعض العناصر والمجموعات التي تضع نفسها في خط المواجهة مع القوى الغربية.

لقد كان مشهد المواطن الأميركي المختطف في العراق الذي ذبح على يد الزرقاوي شديد الدلالة على تقارب الإدارة الأميركية مع سلوك الزرقاوي على أرضية البربرية ونفي الإنسان.

غياب محاكمة هذا المواطن الأميركي وعدم اعتبار إنسانيته من طرف مختطفيه كانت قد هيأت له الإدارة الأميركية من خلال نفي أي إطار قانوني وتحييد كل مفاهيم الحقوق والحريات في غوانتانامو.

إننا في العالم العربي اليوم ندفع ثمنا باهظا لتطبيع البربرية وتقنينها، سواء بشكل مباشر، مثلما يحصل اليوم في العراق وفي فلسطين وفي لبنان، أو بطريقة غير مباشرة من خلال وأد مشروع الإنسان العربي الحديث الحر والعقلاني.

إذ كيف يستوي الحديث عن العقل وعن الحرية في ظل مجازر ترتكب باسم العقل وباسم الحرية؟ وكيف يستقيم الحديث عن الديمقراطية كمشروع في العالم العربي في ظل اعتماد الطائفية والقتل لتأسيس الديمقراطية العراقية؟

لكن، رغم كل هذه العراقيل لا بد للعقل العربي من أن يبلور مشروعه على خلفية الوعي بسلبيات الحداثة السياسية الغربية، ووضعها في سياق فلسفي أشمل قادر على تحقيق الإضافة لا للمجتمعات العربية وحسب بل للإنسانية ككل متنوع.

هنا يلتقي الشارع العربي مع الشارع في الغرب وفي بقية العالم على أرضية تحقيق حداثة أكثر إنسانية بعيدة عن الحسابات الوطنية الجيوإستراتيجية وبعيدة كذلك عن الاقتصادوية economisme.
__________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة