الاتفاقية الإستراتيجية بين نظام كرزاي وأميركا   
الاثنين 1433/7/15 هـ - الموافق 4/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:26 (مكة المكرمة)، 9:26 (غرينتش)

السرية قبل توقيع الاتفاقية
مبررات نظام كرزاي لتوقيع هذه الاتفاقية
المكاسب الأميركية من هذه الاتفاقية

لقد تم توقيع اتفاقية إستراتيجية بين كرزاي وباراك أوباما في سفر خاطف للأخير في ليلة متخللة بين يوم الاثنين 2/5/2012 ويوم الثلاثاء 3/5/2012 وذلك في حفل صغير في القصر الرئاسي بمدينة كابل، ثم ذهب الرئيس الأميركي إلى قاعدة باغرام الجوية ليشارك مع جنود بلده في احتفال عقد بمناسبة مرور سنة على قتل أسامة بن لادن على يد كتيبة من الجيش الأميركي في مدينة أيبت آباد الباكستانية، وغادر أفغانستان قبل بزوغ الفجر، وبهذه الصورة تم توقيع سند بيع أفغانستان في ظلمة الليل، وسمي ذلك بالاتفاقية الإستراتيجية طويلة المدى للتعاون المشترك بين أفغانستان والولايات المتحدة الأميركية.

وكما تم توقيع هذه الاتفاقية في الليل المظلم فكذلك وضع أساسها على السرية والتخفي من البداية، لأنها بقيت غير واضحة وخاصة من ناحية مطالب الجانب الأميركي إلى وقت توقيعها، وحتى بعد توقيعها لأن المطالب الأميركية غير واضحة فيها، ومن العجيب أن يقرر مصير شعب بأكمله في ظل نظام ديمقراطي -حسب زعمهم- من غير أن يُطلع على شيء ومن غير أن يُعرف شيء، ومن غير أن يتجشم أحد مشقة إخباره بشيء، وقد خرجت عدة مسودات لهذه الاتفاقية إلى الإعلام قبل أن تكون جاهزة للتوقيع النهائي لكنها كلها كانت خالية من المطالب الأميركية.

السرية قبل توقيع الاتفاقية
وقد عرضت المسودة النهائية على البرلمان الأفغاني قبل فترة من الزمن وكان الهدف الأساسي من عرضها على البرلمان أخذ الموافقة والتأييد لها من البرلمان من غير أن تكون هناك فرصة حقيقية للنقاش حولها، ومن هنا كان الاهتمام الأكبر فيه على مطالب الحكومة الأفغانية والمكاسب التي ستكسبها أفغانستان في نظرهم، ولم تعرض بصورتها الحقيقية لتتم مناقشة ما لها وما عليها ليكون القرار صحيحا وواقعيا، وقد عرضت المسودة كذلك على لجنة قيادات الأحزاب الجهادية السابقة التي حضرها سيد أحمد جيلاني، وصبغة الله المجددي، والأستاذ عبد رب الرسول سياف، والمشير محمد قسيم فهيم، وصلاح الدين ابن الأستاذ برهان الدين رباني، ومجموعة أخرى من القيادات في الأحزاب الجهادية السابقة، ووافقت عليها قبل أيام قليلة من توقيعها من قبل رئيسي البلدين.

عرضت المسودة النهائية للاتفاقية على البرلمان الأفغاني قبل فترة من الزمن وكان الهدف الأساسي من عرضها على البرلمان أخذ الموافقة والتأييد لها من غير أن تكون هناك فرصة حقيقية للنقاش حولها

لكن مع كل ذلك أحيطت مسودة الاتفاقية المذكورة بالسرية قبل التوقيع، وقد خرجت الآن بعد التوقيع النهائي النسخة النهائية لها للإعلام، إلا أنها مع ذلك يكتنفها غموض في ما تريده أميركا منها، ويعترف رئيس نظام كابل حامد كرزاي بنفسه ويقول: إنه لا يعرف ماذا تريد أميركا من بقائها في أفغانستان؟ إلا أن نظرة متعمقة بعض الشيء في الاتفاقية وقراءة ما بين السطور تمكن القارئ من أن يستقرئ ملخص ما يريده كل طرف من الطرفين.

لكن قبل أن أدخل في تفاصيل مطالب كل طرف من الطرفين ومكاسبه من الاتفاقية أريد أن أنبه إلى أن كرزاي أعلن قبل فترة من الزمن (وتم التصريح به في الاتفاقية كذلك) على أن قضية إقامة القواعد العسكرية الأميركية الدائمة في أفغانستان تم تأجيل بحثها إلى السنة القادمة ولن تدرج في الاتفاقية الإستراتيجية التي ستوقع، فإن الاتفاقية المذكورة تصرح في القسم الثالث تحت عنوان (استقرار الأمن في المدى البعيد) في رقم 2 بند (b): "يبدأ الطرفان محادثات بينهما وفق إجراءات داخلية للوصول إلى "اتفاقية أمنية بين الطرفين"، تبدأ هذه المحادثات بعد التوقيع على اتفاقية التعاون الإستراتيجي وستكتمل خلال سنة، وستحل هذه الاتفاقية الأمنية محل "اتفاقية حول وضع أتباع أميركا العسكريين والمدنيين التابعين لوزارة الدفاع الأميركية الموجودين في أفغانستان في سلسلة الجهود المشتركة للرد على الإرهاب، وللمساعدات الإنسانية والمدنية وللتدريب العسكري والأنشطة الأخرى المبرمة عام 2003م".

وقد أجل أمر تلك الاتفاقية الأمنية التي ستحل محل هذه الاتفاقية والتي سيكون محورها الأساسي قضية القواعد العسكرية الدائمة في أفغانستان لتهيئة المناخ لتقبل هذه الاتفاقية الإستراتيجية، لكنني أظن أن أميركا لا تحتاج بعد توقيع هذ الاتفاقية لعقد اتفاقية أخرى حول إقامة القواعد العسكرية، لأن هذه الاتفاقية تلبي مطالبها بصورة كاملة، فإن الاتفاقية الحالية التي وقعها كرزاي وأوباما تصرح في نفس المادة في بند (c) أن "إدارة العمليات العسكرية الجارية ستستمر وفق الأطر القانونية الحالية بما فيها مذكرة التفاهم حول تسليم مراكز الاحتجاز الأميركية المبرمة عام 2012م ومذكرة التفاهم حول أفغنة العمليات الخاصة المبرمة عام 2012م ما لم تحل محلها "الاتفاقية الأمنية" أو الترتيبات الأخرى عن طريق التفاهم بين الطرفين، هذه المسؤولية لا تمس وضع الأطر المذكورة والتزاماتها والتفاهم حولها حتى تحل محلها اتفاقية أخرى كما أشير إليه آنفا" هذه المادة تعطي شرعية للاتفاقيات التي تستمر وفقها العمليات العسكرية الأميركية والوجود الأميركي في أفغانستان وأنها لا تتأثر بهذه الاتفاقية إلى أن تنسخها اتفاقية أخرى.

هذه الاتفاقية في الغالب اتفاقية مبهمة لا تصرح بما تريده أميركا، وماذا تقصد من ورائها الإدارة الأميركية، إلا أنه يمكن من خلال القراءة المتمعنة أن نلخص ما يتوخاه كل من الطرفين على النحو التالي:

مبررات نظام كرزاي لتوقيع هذه الاتفاقية  
يريد نظام كابل من هذه الاتفاقية الأهداف التالية:
أولا: الحصول على الدعم المالي: يرى نظام كرزاي أن الحكومة في أفغانستان لا يمكن لها الاستمرار في الوجود بعد انسحاب القوات الأميركية والأجنبية الأخرى من أفغانستان من غير أن يدعمه المجتمع الدولي ماديا، وتقدم لها مبالغ تمكنها من الاستمرار، ومن هنا يريد نظام كرزاي من خلال هذه الاتفاقية أن يحصل على هذا الدعم، فقد ورد في مادة رقم (5) من مبحث (استقرار الأمن على المدى البعيد) "بعد سنة 2014م ستبحث الولايات المتحدة الأميركية عن مصادر التمويل على أساس سنوي، للتعاون في تدريب القوات الأفغانية الأمنية وتجهيزها، وتقديم المشورة لها واستقرارها، لتتمكن أفغانستان من حماية استقلالها، ولتدافع عن نفسها أمام التهديدات الداخلية والخارجية، وللمساعدة في الاطمئنان على أن الإرهابيين لن يعششوا في الأراضي الأفغانية لتهديد أمن أفغانستان والمنطقة والعالم".

الاتفاقية الإستراتيجية بدل أن تكون مكسبا لأفغانستان ستكون خسارة ومصيبة على الشعب الأفغاني لأن الدول المجاورة ستصفي حسابها مع أميركا على الأراضي الأفغانية

وورد مثل هذه الوعود في بعض المواد الأخرى كذلك لكن لا يوجد أي تصريح وتعهد من قبل الولايات المتحدة الأميركية بتوفير مبلغ معين، بل كل ما في الأمر أن الولايات المتحدة وعدت بأنها ستبحث عن مصادر التمويل للحكومة الأفغانية، حتى وإن دفعت أميركا أموالا للحكومة الأفغانية وفق هذه المادة من الاتفاقية فهل ستتمكن من فعل شيء بسبب الفساد الإداري المستشري في أوصالها كما يصرح بذلك الأميركان أنفسهم؟

ثانيا: منع تدخل الدول المجاورة: يظن نظام كابل أن تدخل الدول المجاورة لأفغانستان فيها هو السبب الوحيد والحقيقي للمشاكل الموجودة التي يواجهها نظام كابل، ويظن نظام كابل أن هذه الدول ستدرك بعد توقيع هذه الاتفاقية الإستراتيجية أن أفغانستان ليست لوحدها بل وراءها حليف قوي مثل الولايات المتحدة الأميركية، وقد صرح بذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه، وهذا الوهم شجع نظام كابل على توقيع هذه الاتفاقية، لكن الذي يراقب الأوضاع ليدرك أن التدخل الذي يتحدثون عنه لم يتوقف لحظة خلال عشر سنوات مع وجود القوات الأميركية ومعها أكثر من 48 دولة أخرى من دول العالم بكل قوتها، ولم يتوقف التدخل، فكيف يمكن لأميركا أن توقف هذا التدخل بعد سحب قواتها؟

بل ستشجع هذه الاتفاقية الدول المجاورة وتحثها على تدخل أكثر، لأنها ستشعر بالخوف من التدخل الأميركي عن طريق الأعمال الاستخبارية من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) التي ستعمل أميركا بكل قوتها لإيجاد مراكز لها في أفغانستان، فهذه الاتفاقية بدل أن تكون مكسبا لأفغانستان ستكون خسارة ومصيبة على الشعب الأفغاني، لأن هذه الدول ستصفي حسابها مع أميركا على الأراضي الأفغانية، وستبقى رحى الحرب دائرة على الأراضي الأفغانية ما دامت هذه الاتفاقية سارية المفعول وما دامت أميركا موجودة هنا بجيوشها واستخباراتها.

المكاسب الأميركية من الاتفاقية
أما أميركا فقد كسبت مكاسب كبيرة من وراء هذه الاتفاقية، وهذه المكاسب متنوعة نلخصها فيما يلي:

أولا: الحصول على حق التدخل في أفغانستان: فهذه الاتفاقية تعطي أميركا حق التدخل العسكري في أفغانستان في أي وقت تقتضيه مصلحتها من غير أن تضطر لأخذ موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وذلك لأن المادة رقم (2) من قسم "استقرار الأمن على المدى البعيد" تصرح بأن الطرفين سيستمران في اتخاذ التدابير الدفاعية والأمنية اللازمة مثل السابق للحفاظ على الأمن العالمي وأمن المنطقة، ولمكافحة القاعدة والجهات المرتبطة بها.

وهذه يعني أن هذه الاتفاقية تقرر أن أميركا لها الحق في أن تقوم بما تمليه عليها مصلحتها تحت مسميات الحفاظ على الأمن العالمي ومكافحة الإرهاب وقتال القاعدة والجهات المرتبطة بها كما فعلت في الماضي.

ثانيا: تخفيف العبء الاقتصادي على الشعب الأميركي: فإن أميركا تصرف على الحرب في أفغانستان مبالغ كبيرة جدا أنهكت اقتصادها كما أنها تقدم أرواح جنودها وضباطها، وبعد هذه الاتفاقية ستسحب أميركا أغلب قواتها وستبقي عددا محددا من أفراد الجيش وأفراد وكالة الاستخبارات المركزية حسب ما تقتضيه مصلحته، وبذلك ستخفف العبء الاقتصادي الكبير على الشعب الأميركي، وستحافظ على أرواح جنودها وضباطها، وستدفع مبلغا ضئيلا (أو تجعل بعض الدول الأوروبية لتدفع المبلغ المذكور) لرواتب الجيش والشرطة الأفغانيين، وهم سيتولون مسؤولية الحرب نيابة عنها، أليس هذا مكسبا ماديا كبيرا؟ أليس هذا المكسب لوحده جديرا بأن تبادر أميركا وتصر على توقيع هذه الاتفاقية؟

ثالثا: منع عودة معارضيها لأفغانستان: تظن أميركا أنها ستحافظ على حضور استخباراتي مكثف لها في أفغانستان باسم المستشارين والمدربين للجيش الأفغاني، أو باسم المجموعات التي تقدم الخدمات المدنية والإنسانية للشعب الأفغاني، وهذه المجموعات التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية ستتمتع بحيازة القوات الجوية في أفغانستان، وستستخدم كتائب الجيش الأفغاني والشرطة كمجموعات تابعة لها على أرض المعركة، وبذلك ستحفظ أمنها القومي من أن يهدده أحد من داخل الأراضي الأفغانية بأقل قدر ممكن من الخسائر وبأقل قدر ممكن من المصاريف، وبذلك ستحفظ أفغانستان من أن تعود ملاذا آمنا للمجموعات الإرهابية على حد تعبيرهم.

ستتمكن أميركا من الحفاظ علي مصالحها عن طريق حضور استخباراتي مكثف في أفغانستان، وهو ما تحققه الاتفاقية الإستراتيجية

رابعا: الحفاظ على مصالح أميركا في المنطقة: لا شك أن أميركا لها مصالح وطنية إستراتيجية في المنطقة، وتظن أنها ستتمكن من الحفاظ عليها عن طريق حضور استخباراتي مكثف في أفغانستان، وقد حصل على هذا الحق بعد التوقيع على هذه الاتفاقية الإستراتيجية، ولاشك أن أميركا ستوجه التهديد بذلك إلى دول المنطقة والدول المجاورة لأفغانستان، مثل الصين وروسيا، وإيران وباكستان، وبذلك ستبقى أفغانستان أرضا لتصفية الحسابات بين هذه الدول وبين أميركا، ومن هنا سيكون المتضرر الأول والأخير هو الشعب الأفغاني.

خامسا: دعاية انتخابية لأوباما: يحاول باراك حسين أوباما الذي يسعى في السنة الأخيرة من دوره الأول في كرسي الرئاسة أن يعاد انتخابه للدور الثاني بتوقيع هذه الاتفاقية أن يطمئن شعبه الذي سئم من هذه الحرب التي طالت لأكثر من عشر سنوات، ويتحمل الشعب الأميركي عبئها أن هذه الحرب على وشك الانتهاء، وأن أميركا ستسحب قواتها من أفغانستان، من غير أن تعود أفغانستان مصدر خوف للشعب الأميركي، لأن أميركا ستوجد بموجب هذه الاتفاقية الإستراتيجية على الأراضي الأفغانية، ويريد بذلك أن يستفيد في الدعاية الانتخابية له في انتخابات الرئاسة المقبلة.

ومن هنا خاطب أوباما من أفغانستان من القاعدة الجوية الأفغانية في باغرام الشعب الأميركي ليذكره بإنجازه الكبير في قتل بن لادن ليستدر عطفه لأجل التصويت له، وفي نفس الوقت أرادت الحكومة الأميركية أن تطمئن حكومة كابل بأنها لن تتركها لوحدها، وأنها ستحميها حتى بعد سحب قواتها.

خلاصة القول أن المستفيد الأكبر من هذه الاتفاقية هو أميركا، والشعب الأفغاني هو الخاسر، لأن أميركا ستخفف بها عن نفسها العبء الاقتصادي الأكبر، وستحفظ أرواح جنودها، أما أفغانستان فستؤلب على نفسها الجيران بسبب هذه الاتفاقية كما أنها ستكون سببا في استمرار الحرب في أفغانستان لأن الحرب يذكيها الوجود الأميركي في أفغانستان، أما بعض المبالغ الضئيلة التي ستتلقاها بموجب هذه الاتفاقية فستذهب أدراج الرياح بسبب الفساد المتجذر في إدارة الحكومة، وعدم وجود الأنظمة الكفيلة بالأداء الحكومي المقبول، فلن تكون هناك تنمية، ولن يكون هناك استقرار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة