أجناد مصر.. وتمصير الحالة الجهادية   
الأحد 1436/4/5 هـ - الموافق 25/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)
مصطفى زهران

تدفع المعطيات الحادثة في المشهد المصري إلى أن هناك تحولات وتغيرات تشمل البنى الراديكالية التي تنطلق من أيديولوجية الجهاد كعقيدة لمحاربة ما تصفه أدبياتها بـ"الطاغوت" (وهو النظام والسلطة القائمتان)، خاصة تلك السلطة التي تشكلت بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز 2013.

ويرى البعض الربط بين هذا المتغير وتداعيات الصعود الراديكالي في المنطقة الذي تمثله "الدولة الإسلامية في العراق والشام" أو "داعش"، والتي أفرزت تشكيلات جهادية متنوعة تسير بالتوازي مع بعضها البعض في الداخل المصري، في خضم وهج الحالة الراديكالية العالمية.

كما عززها بقدر كبير اجتثاث قوى الإسلام السياسي والإطاحة بتصوراتها التي كانت قائمة حتى فترة قريبة، مما زاد قناعاتها ودعم فكرتها بأن الجهاد هو الطريق لإقامة العدل ورفع الظلم، ومن ثم تأسيس الدولة الإسلامية المنشودة.

ومن بين هذه التنظيمات الراديكالية والجهادية كانت جماعة أو تنظيم "أجناد مصر" الذي لم يحظ بمتابعة إعلامية أو معلوماتية استقصائية جديرة بالتوقف عندها، كما حدث مع أكبر التنظيمات الجهادية المصرية في الوقت الحاضر "أنصار بيت المقدس/ولاية سيناء"، الذي أعلن مؤخرا ولاءه لـ"داعش" وخليفتها أبو بكر البغدادي.

ففي الوقت الذي أضحت عليه ولاية سيناء تنظيمًا إقليميًا بعد مبايعته الأخيرة لـ"داعش"، كانت المفارقة في وجود تنظيم مصري خالص ما زال يحافظ على إطاره المحلي، ويشدد على أنه حالة مختلفة وبآليات غير مشابهة لأنصار بيت المقدس، بل وكأنه حالة تمصيرية داخل البنى الجهادية المصرية فلا يتبعه إلا المصريون الخلص رافضًا التبعية، بل إنه يسعى إلى أن ينطلق من مصر إلى الخارج ليتبعه غير المصريين الذين يقبلون بدعوته ومشروعه الجهادي.

حتى وقت قريب، كانت التكهنات تشير إلى أن "أجناد مصر" في أرض الكنانة منبته "سيناوي"، وتأرجحت التأويلات بين تبعيته لأجهزة مخابراتية خارجية أو داخلية، بل هناك من ذهب إلى أنه ردة فعل عفوية وغير منظمة من قبل بعض الأفراد الذين لديهم ثأر مع النظام الحالي

حتى وقت قريب، كانت التكهنات تشير إلى أن "أجناد مصر" في أرض الكنانة منبته "سيناوي"، وتأرجحت التأويلات بين تبعيته لأجهزة مخابراتية خارجية أو داخلية، بل هناك من ذهب إلى أنه ردة فعل عفوية وغير منظمة من قبل بعض الأفراد الذين لديهم ثأر مع النظام الحالي، مما دفع عددًا منهم إلى عقد صلة بينه وبين جماعات الإسلام السياسي وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين.

حتى أطل علينا مجد الدين المصري المسؤول العام في التنظيم ليدلي -في مقطع تسجيلي مصور- بتصريحات في غاية الخطورة أجابت عن الكثير من علامات الاستفهام التي كانت تحيط بهذا التنظيم، من بينها أنه لم يقم بأية عمليات تذكر في شبه جزيرة سيناء على الإطلاق، وليست لديه داخلها أية بؤر للاستهداف.

وهو ما يفسر نشاط عملياته في القاهرة على وجه التحديد مثل شن عمليات ضد الشرطة وقتل بعض قادتها وعناصرها، وتبني استهداف تجمع لقوات الأمن قرب ميدان نهضة مصر بالقاهرة في أبريل/نيسان 2014، وتفجير بالقرب من ميدان لبنان بمحافظة الجيزة في الشهر ذاته عن طريق عبوة ناسفة، مما أسفر عن مصرع ضابط.

هذا فضلًا عن تبني زرع وتفجير عبوات ناسفة في محيط قصر الاتحادية بالقاهرة في يونيو/حزيران من العام الفائت أيضا، مما أسفر عن مقتل رجليْ شرطة، وعمليات أخرى في جامعات القاهرة وحلوان وعين شمس.

وقد أعلن "المصري" تاريخ نشأة التنظيم الذي لم يتعد العام ونصف العام فقط، مما يغلق الباب حول الأقوال السابقة بأنه تشكل قبيل ثورة 25 يناير أو بعدها مباشرة، وهو ما يعني أن التنظيم كان ولا يزال في طوره التكويني الأول، ولا يوجد عنه الكثير من المعلومات بخلاف تنظيم "أنصار بيت المقدس/ولاية سيناء".

تتمثل حالة "التمصير" -التي تجعل هذا التنظيم تنظيمًا متباينًا مع غيره من التنظيمات الجهادية الأخرى التي ظهرت مؤخرًا في الحالة المصرية، وتحديدًا "أنصار بيت المقدس"- في كون ولائه "للإسلام وليس لأي جماعة أو حركة داخل مصر أو خارجها".

وهذا ما يفسر عدم تعقيب المصري على السؤال الذي كان موجهًا إليه في المقطع المسجل حول الدولة الإسلامية والخليفة البغدادي، فأصبحت إجاباته غير المباشرة تعكس موقفًا صريحًا منه حول رؤية نافذة لدى التنظيم بأنه لا ولن يفكر في أن يكون تابعًا أو مناقضًا لأية تنظيمات جهادية خارج مصر -سواء أكانت القاعدة أو داعش- وأنه كيان مستقل.

تتمثل حالة "التمصير" -التي تجعل هذا تنظيم "أجناد مصر" تنظيمًا متباينًا مع غيره من التنظيمات الجهادية الأخرى التي ظهرت مؤخرًا في الحالة المصرية، وتحديدًا "أنصار بيت المقدس"- في كون ولائه "للإسلام وليس لأي جماعة أو حركة داخل مصر أو خارجها"

ويدل على ذلك ما صرح به المسؤول العام في التنظيم من حجم التنويعات المنضوية داخل "أجناد مصر" من شتى أطياف المجتمع، خاصة شباب الجامعات وآخرين كانوا مشاركين في ثورة 25 يناير من المؤمنين بحجم المؤامرة على الثورة ومصر، كما جاء في التسجيل المصور.

بيد أن ذلك التمايز الذي يطرحه "المصري" لا يعني أنه يدفع نحو حالة من السجال والاشتباك مع التنظيمات الجهادية الأخرى في الساحة المصرية، بل إن المسؤول العام في "أجناد مصر" صرح بعلاقات وثيقة بين تنظيمه و"أنصار بيت المقدس" على وجه الخصوص، قائلا إنهم يتبادلون النصيحة والتشاور ولا يتتبعون عورات بعضهم البعض.

ووفق حديثه، فإنهم استفادوا مما أسفرت عنه حالات السجال التي حدثت بين التنظيمات الجهادية، وتحديدًا بين "جبهة النصرة" على الأرض السورية والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والتي كانت تصب في مصلحة النظام السوري، مما دفعهما بعد ذلك إلى أن تراجع كل فئة منهما موقفها فارتدت إلى حد كبير عن هذا السجال، بينما بقيت حالات قليلة لا تذكر.

ويعني هذا أن ثمة علاقات واتصالات وتبادلًا للأدوار بين التنظيمات الجهادية المصرية، وهو أمر جد خطير ويعكس طبيعة المرحلة، وأن الحالة الجهادية المصرية قامت -عبر قياداتها الذين لا يزال الكثير منهم مجهولي الهوية- بدراسة عميقة لأخطاء الحالات المماثلة في الميادين الملتهبة في سوريا والعراق.

فإذا تحدثنا عن علاقات براغماتية الآن بين جبهة النصرة وداعش في الوقت الحالي، تقوم بمقتضاها الأولى بالاشتباك مع قوات حزب الله في عرسال بالجنوب اللبناني، بينما تكثف "داعش" هجماتها ضد قوات بشار ومناصريه؛ فإن هذا أكبر دليل وبرهان على أن تبادل الأدوار هذا أصبح واقعًا فعليًا يجب الاحتراز منه والتدبر في تداعياته خاصة في الداخل المصري.

وهذا الأمر لم يفت المسؤول التنظيمي في "أجناد مصر" أن يقف عنده ويفسره بأن الهدف الآن هو إسقاط النظام، وليس الدخول في معارك جانبية المستفيد منها هو النظام القائم.

لقد أطلق المصري قنبلة من العيار الثقيل حينما ربط بين الثالث من يوليو/تموز 2013 وانبعاث الحالة الجهادية، بل والتأكيد بأنها الحل الناجز لإقامة العدل ورفع الظلم وما شابه ذلك.

وذهب لتفسير ذلك إلى أن هذا التاريخ حقق ما لم يستطع الجهاديون عبر عقود عدة تحقيقه، وهو إقناع المصريين بأن الجهاد كعقيدة حل ناجز لعودة العدل، خاصة أن تداعيات الحدث -كما يصفها المسؤول العام في التنظيم- كانت المزيد من القتل والتشريد والتهجير.

الهدف الرئيس في الوقت الحالي لـ"أجناد مصر" -كما يوضحه المسؤول العام للتنظيم- ليس استهداف اليهود أو النصارى أو الصوفية والشيعة وغيرهم، وإنما ترتكز إستراتيجيته على القول بأن مقاومة ومحاربة "العدو الصائل" أوجب الواجبات بعد الإيمان بالله في الوقت الحاضر، وهو لا يقف عند الجيش والشرطة بل يُدخل "القضاةَ" أيضا ضمن دائرة استهدافه

لم يقف "المصري" بتصريحاته عند هذا الحد، بل ذهب إلى أن السياق العام الملتف حول الانبعاث الجهادي الجديد في مصر يختلف عن سابقه في عقد التسعينيات لعوامل عدة تساعد على تثبيت دعائمه في الداخل المصري، أهمها أن العدو (حسب وصفه، أي السلطة الحالية بأدواتها الأمنية والعسكرية) في أضعف حالاته، وأن هناك الكثير من الثأر لدى طوائف عدة مع السلطة الحالية.

أضف إلى ذلك أن الجهاد أصبح آلية عالمية الآن في المنطقتين العربية والإسلامية ضد من يسميهم "الطواغيت"، وساهمت التجربة الخارجية بنجاح المجاهدين في العراق والشام ومناطق أخرى إلى أن يتجدد الأمل لديهم في أن يحذوا حذوهم ويسلكوا مسلكهم.

الهدف الرئيس في الوقت الحالي لـ"أجناد مصر" -كما يوضحه المسؤول العام للتنظيم- ليس استهداف اليهود أو النصارى أو الصوفية والشيعة وغيرهم، وإنما ترتكز إستراتيجيته على القول بأن مقاومة ومحاربة "العدو الصائل" أوجب الواجبات بعد الإيمان بالله في الوقت الحاضر، وهو لا يقف عند الجيش والشرطة بل يُدخل "القضاةَ" أيضا ضمن دائرة استهدافه.

وفي موازاة ذلك..، هناك بعدٌ مهم لا يمكن القفز عنه وهو شخصية المسؤول العام للتنظيم، والذي بدا في المقطع التسجيلي المصور واثقًا من كلماته المرتبة والمنمقة إلى حد كبير، والمدعومة بالحجج والبراهين العقلية والنقلية، والهادئة إذ عكست طمأنينة وثقة بالنفس.

كما كان المسؤول مستوعبا لخلافات الجهاديين وحججهم العقدية، قادرًا على استلاب قلوب وعقول الهدف الرئيسي وهو البعد الجيلي الذي ركز عليه من خلال مغازلة طلاب الجامعات، محددًا أهدافه، واعيًا لطبيعة المرحلة وشارحًا مسهبًا في التوضيح والإبانة، وملمحًا لأطوار تكوينية مر طورها الأول والتنظيم على أهبة الدخول في الثاني منها.

وهو ما يعكس المكنة التي دفعت المصري إلى أن يتبوأ مهمة هذا التنظيم، مما يعني أن للرجل باعًا كبيرًا في المناظرة والتخطيط ومعرفة الخصم، وهذا يضع الجميع في مأزق خاصة رجال وعلماء الأزهر الذين أشار إليهم بطرف خفي لمعرفته أنهم أول من سيتصدون للرد عليه، الأمر الذي يعكس إلى حد كبير خطورة الرجل وتنظيمه الوليد.

ومما يفسر خطورة هذا التنظيم، هو وضع الولايات المتحدة الأميركية "أجناد مصر" ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية، ويعني ذلك أن لدى الاستخبارات الغربية -وخاصة أميركا- معلومات وإفادات بخطورته كتنظيم متشدد.

تلعب التنظيمات الجهادية على أوتار عدة تعزف من خلالها ألحان العنف والتطرف، أهمها فهمها للخصم والعدو حسب أدبياتها، وأن من هم في المواجهة والصفوف الأولى يفتقدون الخبرة القتالية وحرب العصابات، فضلًا عن استخدامهم لعنصر المفاجأة المباغت الذي يربك القوى الأمنية بشقيها العسكري والشرطي.

ومن خلال هذه الأدوات تحقق هذه التنظيمات مكاسب كبيرة، مما يعني ضرورة أن تعي تلك القوى المناهضة لها طبيعة هذه التنظيمات الراديكالية والجهادية، عبر تفويت الفرصة عليها والاستفادة من أخطائها، وتضييق الفجوة بينها وبين وعورة مواجهتها بالتخطيط الدقيق والصارم لمحاصرتها في الداخل.

ويتوازى ذلك مع ضرورة إيقاظ علماء الدين من سباتهم العميق لتقديم الردود الوافية والكافية على ما تطرحه تلك التنظيمات من أقوال تراثية مدعومة بالحجج والبراهين، كي لا ينساق خلفهم الشباب المفعم بالحماسة والرغبة في التعبير عن تدينه والسعي لاحتواء قضايا أمته، مما يجعلهم صيدًا ثمينًا لمثل هذه التيارات المتشددة سواء أكانت في الداخل أم الخارج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة