هل أذلّ الفاروق مسيحيي القدس؟   
الاثنين 5/7/1437 هـ - الموافق 11/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:11 (مكة المكرمة)، 12:11 (غرينتش)
جورج كدر
تتفق المراجع التاريخية العربية والسريانية على أن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب فتح بيت المقدس صلحا، دون إراقة للدماء، لا بل إن السريان في بلاد الشام أطلقوا على الخليفة عمر بن الخطاب لقب "الفاروق" أي المخلص، لأنه نجاهم من جبروت أعتى قوتين في ذلك العصر وهما فارس وبيزنطة.


لكن الغريب حقا أن تترسخ رواية بعض الفقهاء المسلمين الكبار، ومنهم ابن قيم الجوزية وابن تيمية وغيرهما، من أن عمر قد دخل بيت المقدس بناء على شروط أذلت المسيحيين الذين كانوا يشكلون في تلك المرحلة غالبية سكان بلاد الشام، رغم التناقض الصارخ بين هذه الرواية الفقهية والرواية التاريخية، ولاسيما أن فتح بيت المقدس وبلاد الشام جاء ضمن ظروف دولية غاية في التعقيد دفع المسيحيون ثمنها باهظا، نتيجة للصراع بين أعتى قوتين، فارس وبيزنطة.

فحتى مجيء الإسلام كان نهر الفرات يقسم حدود الإمبراطوريتين إلى دولتين دولة شرق النهر أو "ما وراء النهر" التابعة لبلاد فارس، وقد جعل الفرس في تلك الدولة إمارة الحيرة، التي سكنها المناذرة، لتكون همزة وصل بينهم وبين العرب.

كما أسس الرومان -للهدف نفسه- إمارة الغساسنة العربية في بلاد الشام (غرب الفرات) وكان الوجود المسيحي فيها كبيرا، ولاسيما بعد أن أعلنها إمبراطور روما قسطنطين -بموجب مرسوم ميلانو 311م- دولة مسيحية.

لن ندخل في تفاصيل الصراع السياسي والعسكري المعقد بين الإمبراطوريتين، والممتد منذ ما قبل التاريخ الميلادي، فضمن ظروف الصراع القديم ظهرت قوة جبارة قادمة من الجنوب قلبت مجرى الصراع رأسا على عقب، بالقضاء على الإمبراطورية الفارسية وحكم العرب المسلمين للبلاد، بعد طرد الروم أيضا من بيت المقدس.

الغريب أن عهدة عمر تفرد بذكر نصها "التاريخي" كاملا الطبري، ولم يأخذها باقي المؤرخين كاملة، بل اكتفوا بالإشارة إليها فقط، ثم سادت فيما بعد رواية الفقهاء التي لا سند لها

العهدة العمرية
ينقل ابن كثير، ومصدره تاريخ الطبري، أنه عندما حاصر أبو عبيدة بن الجراح بيت المقدس وضيق عليهم أجابوه إلى الصلح، بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. ورغم أن بعض الصحابة أشار عليه "بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم"، فإن أمير المؤمنين قرر أن يلبي طلبهم.

ومما قاله عمر فيهم، كما ذكر الطبري في تاريخه "إن أهل إيلياء قوم يُستأمنون، فأمنوهم". وكتب لهم كتاب صلح وعهد "أمان" لهم ولكنائسهم، مقابل أن يعطوا الجزية، وترك لهم حرية البقاء أو الذهاب مع الروم الذين قضى الكتاب بأن يخرجوا.

الغريب أن عهدة عمر تفرد بذكر نصها "التاريخي" كاملا الطبري، ولم يأخذها باقي المؤرخين كاملة، بل اكتفوا بالإشارة إليها فقط، ثم سادت فيما بعد رواية الفقهاء التي لا سند لها.

لكن الغريب حقا أنه حتى اليوم لم يتم العثور أو حتى الكشف على نسخة "أصلية" من العهدة العمرية
ضمن وثائق ومخطوطات كنائس القدس أو مصر أو بلاد الشام. وهو أمر يؤكده الدكتور رمضان الزيان في دراسته التوثيقية التي نشرها في مجلة الجامعة الإسلامية في يونيو/حزيران 2006 المجلد 14/العدد 2 ص 169، بعد اتصالات وجهود جمة مع مرجعيات كنسية كبيرة للحصول على نسخة منها.

رواية شيخ المؤرخين المسلمين ابن جرير الطبري (839- 924م) تتفق مع رواية مصدر من مصادر التاريخ المهمة في الكنسية السريانية يعرف بتاريخ "ميخائيل الكبير" للمؤرخ مار ميخائيل السرياني (1166 - 1199م) التي نقلها الباحث السوري تيسير خلف في كتابه الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية.

وفي هذه الرواية يقدم ميخائيل السرياني شهادة مهمة حول الخليفة عمر بن الخطاب حيث يقول "في نهاية سنة 948 يونانية وهي السنة الـ26 لهرقل والـ15 للهجرة، وصل الخليفة عمر إلى فلسطين فاستقبله صفرونيوس أسقف القدس وتحدث إليه عن البلاد، فكتب له عهدًا على أن لا يسكن يهودي في القدس".

والحق يقال، والكلام لميخائيل السرياني، "إنه (أي عمر) كان عادلا وغير جشع، بحيث أنه لم يأخذ شيئا لنفسه مما غنم من أموال الفرس والروم، وكنوزهم بعد السيطرة عليهم، ولا حتى ما يغير به بساطة ثيابه".

لا بل أكثر من ذلك فإن سريان بلاد الشام كانوا هم من أطلق على الخليفة عمر بن الخطاب لقب "الفاروق" أي المنجي والمخلص، والدليل على ذلك أن الطبري ذكر ضمن روايات أسباب التسمية أن "أول من سماه بهذا الاسم أهل الكتاب"، وهذا ما تؤكده اللغة نفسها وأصل الكلمة، فكلمة فوروقو forouqo كلمة سريانية تعني "خلص ونجى"، أما في العربية فتعني التفريق بين شيئين.

أما لماذا أطلق السريان لقب الفاروق على الخليفة عمر بن الخطاب، ومنحوه اللقب الذي كان يعرف به السيد المسيح، فهذا ما نجده لدى العلماء السريان أنفسهم.

يقول المطران إسحاق ساكا النائب البطريركي للدراسات السريانية في كتابه كنيستي السريانية، الطبعة الثالثة 2007 ص 98) "ذاق السريان في بلاد سوريا والعراق وغيرهما من البلدان الأمرّين من الروم البيزنطيين لمخالفتهم إياهم بالمعتقد الديني المسيحي، وكان عهد العرب عليهم عهد خير وبركة وسلام، فشرعوا ينظِّمون أمورهم الإدارية والروحية والاجتماعية، ورفعوا راية النهضة العلمية والفكرية".

سريان بلاد الشام كانوا هم من أطلق على الخليفة عمر بن الخطاب لقب "الفاروق" أي المنجي والمخلص، والدليل على ذلك أن الطبري ذكر ضمن روايات أسباب التسمية أن "أول من سماه بهذا الاسم أهل الكتاب"

الفقهاء والشروط العمرية
والتاريخ يشهد على أن العصر الذهبي للسريان تمدد في ظل الحضارة الإسلامية، لكن المدهش حقا أن ما ذكره المؤرخون لا نجده لدى بعض الفقهاء، الذين حولوا "عهد أمان عمر لأهل إيلياء" إلى "شروط عمرية" فرضت شروطا مذلة على المسيحيين وميزتهم بالمعاملة وحتى باللباس والسير في الطرقات.

فابن القيم الجوزية يوردها ذيلا على كتابه "أحكام أهل الذمة" تحت عنوان الشروط العمرية أحكامها وموجباتها دون سند ليقول "وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها".

وأثار حديث ابن القيم استغراب محققي كتاب "أحكام أهل الذمة" فهذا الشيخ العلامة الدكتور صبحي الصالح يقول "هذا أمر مستغرب من فقيه كبير كابن القيم، فمتى كانت الاستفاضة دليل الصحة، ومن الذي يسوغ للعلماء -حتى المحققين منهم- أن يستغنوا عن إسناد الروايات تعويلا على شهرتها فقط".

وللأسف غدت هذه الشروط مرجعية لدى بعض المسلمين في نظرته إلى النصارى، رغم أنه لا سند لها باعتراف كبار الفقهاء ومنهم ابن قيم الجوزية نفسه، (راجع شرح الشروط العمرية مجردًا من كتاب أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية، ص7، تحقيق الشيخ صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت 1981).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة