السجون في العالم العربي.. السجون التونسية نموذجا   
الجمعة 3/11/1429 هـ - الموافق 31/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:29 (مكة المكرمة)، 12:29 (غرينتش)


سامي نصر

- السجون التونسية إجراءات عديدة
- أزمة الاكتظاظ
- تدهور الحالة الصحية
- التفتيش

كثيرا ما تم التركيز في السنوات الأخيرة على قضية السجون العربية، فإذا كانت الجهات الرسمية وشبه الرسمية تشيد بما تحقق، لتقدم لنا عالم السجن على أنه بمثابة الفضاء النموذجي للإصلاح والتأهيل، تحترم فيه حقوق الإنسان ويحظى السجين بكل حقوقه، فإن العديد من الجهات الأخرى شبهت سجوننا بالمحتشدات البشرية التي تنتفي فيها أبسط شروط الحياة الإنسانية ويخضع فيها المساجين لأسوأ المعاملات غير الإنسانية.

وعلى الرغم من الاختلافات بين البلدان العربية فإننا نجد العديد من النقاط المشتركة بينها، وخاصة المتعلقة منها بوضعية السجناء، ومن هذا المنطلق يمكن أن نأخذ من السجون التونسية نموذجا لفهم وضعية السجون العربية.

"
العديد من السجون التونسية يشكو إلى اليوم من نسب اكتظاظ مرتفعة جعلته يتحول إلى أرضية خصبة للعديد من الأمراض النفسية والجسدية والعضوية خاصة التنفسية، إضافة إلى انتشار الانحرافات السجنية
"
السجون التونسية إجراءات عديدة

بدأت الإجراءات الإصلاحية للسجون التونسية منذ نهاية الثمانينات فبعد النظام الخاص بالسجون المؤرخ في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1988 المتضمن لـ89 فصلا قانونيا، حاول المشرع التونسي من خلاله تناول مختلف جوانب الحياة السجنية وكل ما يتعلق بالنظام السجني، تم في مايو/أيار 1989 إصدار القانون القاضي بإلغاء عقوبة الأشغال الشاقة، والمصادقة على إعلان الأمم المتحدة الخاص بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.

وفي أغسطس/آب 1999 تم إرساء عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة عقوبة بديلة للسجن، وفي يوليو/تموز 2000 وقع إحداث خطة قاضي تنفيذ العقوبات، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السنة وقعت إحالة المؤسسات العقابية وإدارتها إلى وزارة العدل عوضا عن وزارة الداخلية. وفي مايو/أيار 2001 تم إصدار القانون المتعلق بنظام السجون.

وعلى إثر فتح ملف السجون بمناسبة الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في سنة 2002، تم حجز مجلة "حقائق" التي نشرت تحقيقا في الغرض، واستدعي كاتب التحقيق الصحفي هادي يحمد من قبل وكيل الجمهورية وتكونت لجنة تقصي الأوضاع السجنية، وأعلن رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان (الرسمية) زكريا بن مصطفى عن معاينة مختلف جوانب الإقامة في السجون وأوضاع المساجين في 12 مؤسسة عقابية.

وتضمن تقرير اللجنة تحليلا لظاهرة الاكتظاظ ببعض المؤسسات السجنية وما تولد عنها من نقص في عدد الأسرة والتأثيرات الصحية والنفسية على المساجين.

وعلى إثره تم اتخاذ جملة من الإجراءات، منها مراجعة وضعية الموقوفين في انتظار المحاكمة، وتفعيل إجراءات السراح بكفالة أو بضمان بالنسبة للجرائم التي لا تمثل خطرا على أمن الأشخاص وممتلكاتهم.

تضاف إلى ذلك مواصلة الحرص على تطبيق ما جاء في القانون المتعلق بعقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة بديلا عن عقوبة السجن بالنسبة لبعض الجرائم وزيادة تحسين ظروف حفظ الصحة وتدعيم الإطار الطبي والأخصائيين.. ورغم كل هذه الإجراءات ما زالت السجون التونسية تعاني من عدة مشاكل.

أزمة الاكتظاظ
تعتبر ظاهرة الاكتظاظ أهم وأخطر المشاكل داخل السجون التونسية، إذ تجاوزت طاقة استيعاب العديد منها ثلاثة أضعاف أو أربعة، مثلما كان الحال بالنسبة للسجن المدني بتونس قبل إغلاقه في يوليو/تموز 2006، فقد تجاوز عدد النزلاء فيه ستة آلاف في حين لا تتجاوز طاقة استيعابه 1500.

وظل العديد من السجون التونسية يشكو إلى اليوم من نسب اكتظاظ مرتفعة، فتحول بذلك إلى أرضية خصبة للعديد من الأمراض النفسية والجسدية والعضوية خاصة التنفسية، إضافة إلى انتشار الانحرافات السجنية واستحالة تطبيق العديد من النصوص الواردة في قانون السجون وتنفيذ البرامج الإصلاحية.

فعلى مستوى نوعية الإقامة مثلا، لم يتمكن عدد من السجون من تطبيق ما ورد في الفصل 15 من قانون السجون الذي ينص على "توفر فراش فردي لكل سجين عند إيداعه، وما يلزمه من غطاء" إذ أكدت شهادات الخارجين من السجون على وجود عدة أصناف من الإقامة السجنية تتنافى مع ما ينص عليه القانون.

فكل سجين جديد يمر بالإقامة في "الكدس" كأسوأ أنواع الإقامة وهي عبارة عن أغطية قذرة تفرش على الأرض ينامون عليها ليلا ثم تسحب منهم بقية فترة النهار.

"
ما ورد في بعض الشهادات يؤكد أن عملية التفتيش داخل السجون التونسية لم تعد مجرد إجراء أمني بقدر ما أصبحت تندرج ضمن سياسة إذلال السجين وإهانته
"
أما بالنسبة لطريقة النوم فقد ذكر لنا المساجين المفرج عنهم أنهم يجبرون على النوم خلافا وعلى "جنبهم" أي ما يطلقون عليه بلغة السجن النوم "سكين" وذلك حتى يتسع هذا المكان الضيق لأكبر عدد ممكن من المساجين.

وإذا اضطر أحدهم لسبب من الأسباب إلى مغادرة مكان نومه فإنه يعرض نفسه لقضاء كامل الليل واقفا. وتزداد رداءة "الكدس" كلما اقترب من المرحاض وابتعد عن جهاز التلفاز.

وكمرحلة ثانية، نجد الإقامة في الممشى وهو عبارة عن الممر الضيق الذي يفصل الأسرة (البلاطة) عن بعضها، وعادة لا يتجاوز عرضها مترا واحدا في أحسن الحالات، وكثيرا ما يتحول في الليل إلى فضاء لممارسة مختلف أشكال الانحرافات السجنية.

أما الشكل الثالث من الإقامة فقد تحدثت شهادات المساجين السابقين عن "البلاطة" وهي عبارة عن سريرين من طابقين يتم ضمها إلى بعض أو بناء من الإسمنت قصد جمع أكبر عدد ممكن من المساجين فيه.

وعموما يتولى السجين المسؤول عن الغرفة مهمة توزيع نوع الإقامة على السجناء بالغرفة.

وفي معالجة السلطة لظاهرة الاكتظاظ حاولت التركيز بشكل أساسي على مشكلة التكلفة والإنفاق على المساجين، وتمكنت إدارة السجون من تحقيق نجاح في هذا الغرض، بل أصبحت تتحدث عن الاكتفاء الذاتي بالنسبة لبعض السجون التونسية، وذلك من خلال فرض مساهمة السجين وأسرته في هذا الإنفاق المتمثل في تشجيع دخول ما يسمى بـ"الأكل المدني" (سلة الطعام من العائلة)، وإحداث ما يسمى بالرصيد السجني الشبيه بالرصيد البنكي، إذ تتحول الحوالة البريدية التي ترسلها العائلات مباشرة إلى هذا الرصيد.

يضاف إلى ذلك التزويد الشهري ببعض المواد الأساسية التي هي عبارة عن مؤونة شهرية يتمتع بها من كان له رصيد سجني، لشراء كل ما يحتاجه ذلك الشهر.

أما من حيث تكلفة الإنفاق على الخدمات فقد عوضت إدارة السجن انتداب الأعوان الجدد بتكليف المساجين بكل ما كان من المفترض أن يقوم به الأعوان.

فكل عمليات التنظيف موكلة للمساجين سواء كانت داخل الغرفة (الشمبري) أو خارجها، ويتكفل السجين بدفع أجرة المنظفين، كما يتكفل المساجين أنفسهم بإعداد الطعام وتوزيعه على الأجنحة، بل أكثر من هذا فإن كثيرا من المرطبات التي يتم بيعها في مشرب الشمبري هي من صنع المساجين.. إضافة إلى الخدمات المتعلقة بالزيارات وبالمعالجة التي يقوم بها المساجين.

تدهور الحالة الصحية
إذا كان الحق في العلاج وتوفير الإطار الطبي اللازم وتوفير الأدوية هي أولى الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية ونص عليها قانون السجون، فإن ما يمارس في السجون المذكورة يتنافى مع هذه اللوائح والقوانين.

"
كل الإجراءات التي تم اتخاذها منذ أواخر الثمانينات إلى اليوم رغم أهميتها بقيت محدودة الفاعلية، فأصبحت عجلة الإجرام تدور حول نفسها، فالجريمة تغذيها السجون، والسجون تغذي الجريمة
"
فلكي يتمكن السجين من مقابلة طبيب السجن عليه أن يمر ببعض المراحل الروتينية التي كثيرا ما تساهم في مضاعفة تدهور حالته الصحية، إذ يتم تسجيل أسماء المساجين المرضى مرة في الأسبوع من قبل السجين المشرف على الغرفة، وكثيرا ما يستغل هذا الأخير سلطته ليرفض تسجيل بعض الأسماء لسبب أو لآخر.

فمن أصيب بمرض بعد يوم التسجيل عليه، إما انتظار الأسبوع المقبل، أو يتكرم عليه مشرف الغرفة بنقله إلى قسم التمريض للحصول على بعض المسكنات وكثيرا ما يرفض هذا الأخير مقابلته.

كما أن السجين الذي يحظى بتسجيل اسمه ضمن قائمة المرضى قد يكون أول من يعترض عليه الممرض الذي يكشف عليه ليقرر إمكانية مقابلة طبيب السجن أم لا.

التفتيش
عملية التفتيش هي ممارسة روتينية معمول بها في كل سجون العالم، وتقره كل القوانين السجنية الوطنية والدولية بهدف منع دخول الممنوعات والمحافظة على الأمن.

ولكن ما ورد في بعض الشهادات يؤكد أن عملية التفتيش داخل السجون التونسية لم تعد مجرد إجراء أمني، بقدر ما أصبحت تندرج ضمن سياسة إذلال السجين وإهانته.

إدارة السجن تستقبل النزيل الجديد بطريقة مهينة فيجبر في غرفة خاصة بالتفتيش وبطريقة جماعية على نزع جميع ملابسه ويطلب منه الانحناء.

يحدث هذا في الوقت الذي تمتلك فيه إدارة السجن أجهزة إلكترونية متطورة قادرة على كشف ما بحوزة السجين دون حاجة لهذه العملية، ونفس الشيء يتكرر عند مغادرة الغرفة لمقابلة المحامي أو الذهاب إلى المحكمة، أو الانتقال.

ويتضح من خلال إعادة فتح ملف السجون التونسية أن كل الإجراءات التي تم اتخاذها منذ أواخر الثمانينات إلى اليوم رغم أهميتها بقيت محدودة الفاعلية، فأصبحت عجلة الإجرام تدور حول نفسها، فالجريمة تغذيها السجون، والسجون تغذي الجريمة، فظلت المشاكل هي نفسها، بل ازدادت تفاقما.

ويرجع ذلك بالأساس إلى حجب واحتكار كل المعطيات السجنية والإجرامية، وإغلاق هذا العالم عن الباحثين والمختصين، ومختلف مكونات المجتمع المدني.

فقد بقي العدد الحقيقي للمساجين في البلاد التونسية إلى اليوم غير متوفر، فحتى العدد 23 ألفا و165 سجينا الذي نجده في المركز الدولي للدراسات السجنية التابع لجامعة كامبردج لم يحدث منذ 1996. والتقرير الإحصائي لوزارة العدل المتعلق بالجرائم في تونس اختفى منذ 1994.
__________________
ناشط حقوقي من تونس وسجين سياسي سابق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة