الأبعاد الإستراتيجية للاستثمارات القطرية في مصر   
الخميس 1434/5/24 هـ - الموافق 4/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 12:48 (مكة المكرمة)، 9:48 (غرينتش)
إبراهيم رمضان الديب

أسئلة كثيرة تفرض نفسها على الساحة السياسية العربية حول حقيقة النمو والتعاظم المستمر للدور الإقليمي الذي تلعبه قطر، وخاصة حين تزامن ذلك مع حالة الجدل والحراك السياسي الكبير الذي تعيشه الحالة المصرية، والذي ترتفع وتحتد فيه نبرة الأسئلة حول حقيقة الاستثمارات والدعم المالي القطري الذي سارعت قطر بضخه لدعم الاقتصاد المصري الذي يعيش أزمة خانقة  منذ عامين، خاصة إذا ما تزامن مع أشبه ما يكون بتجاهل عربي للأزمة الخطيرة التي يعيشها الاقتصاد المصري، والتي ربما ترتقي إلى درجة الحصار الاقتصادي للنظام المصري الجديد.

البعض ذهب بعيدا جدا عن الحقيقة وطرح فكرة تمدد النفوذ القطري داخل مصر وتأثيره على القرار المصري، خاصة بعد استحضار مشهد تسمية الأمين العام لجامعة الدول العربية، وما أثير عن دور قطر في اختيار الأمين العام الجديد نبيل العربي.

البعض يذهب بعيدا جدا عن الحقيقة بشأن تمدد النفوذ القطري داخل مصر وتأثيره، خاصة بعد استحضار مشهد تسمية الأمين العام لجامعة الدول العربية، وما أثير عن دور قطر فيه

وأيضا عندما يتماهى هذا مع تفسير آخر متمم له، بأنه محاولة أميركية لتقديم وتفعيل دور القوى الناشئة في المنطقة لأداء أدوار إستراتيجية لحماية المصالح الأميركية في المنطقة عبر تنشيط وتفعيل أدوات الدبلوماسية القطرية العامة المعززة بالدعم السياسي من القوى العالمية الكبرى.

وهذا التفسير هو الذي آثار الكثير من اللغط السياسي، كما أثار حفيظة الشكوك والمخاوف لدى الشارع المصري، خاصة بعد إثارة شائعات تأجير قناة السويس وبعض الآثار المصرية لقطر!

ولكشف حقيقة هذا الدور وأبعاده الإستراتيجية لا بد من الوقوف أمام مجموعة من الحقائق الخاصة عن طبيعة الخصائص المميزة للسياسة القطرية، بالإضافة إلى الاقتصاد المصري وما يمثله من فرصة استثمارية جاذبة.

قطر تمتلك رؤية إستراتيجية واضحة لتوجهاتها الاستثمارية جسدتها في رؤيتها الإستراتيجية 2030 والمنشورة منذ سنوات، والتي تقضي بتنوع محفظتها الاستثمارية، والبحث عن فرص استثمارية خارجية تتسم بالأمان النسبي الكبير، خاصة بعد الخسائر الكبيرة غير المتوقعة التي منيت بها الاستثمارات العربية في أميركا وأوروبا بسبب أزمة الرهن العقاري الأخيرة والتي سببت أزمة كبيرة للاقتصاد العالمي برمته.

بالإضافة إلى أن قطر ومنذ عقد من الزمان تقريبا، تحاول أن تعلب دورا سياسيا إقليميا وعالميا، لتسد به فراغا تأخر، بل وتجمد الدورِ العربي في أحيان كثيرة، وهذا ما تجلى في أزمات متعددة متتالية في العراق وغزة ولبنان والسودان، محاولة منها لرأب الصدع العربي المتعمد تعميقه في أحيان كثيرة لحساب أجندات خارجية، وهذا ما تجسد واضحا على لسان أمير قطر في اجتماع القمة العربية الطارئ في الدوحة 2009، حين صرح بكلمته الشهيرة التي هيجت مشاعر الشارع العربي (حسبي الله ونعم الوكيل)، في إشارة منه إلى بعض الدول العربية الكبيرة التي تسير في الاتجاه المعاكس آنذاك.

بالتأكيد إن رأب الصدع العربي وتكوين موقف عربي قوي موحد يعزز قدرة الدول الخليجية عامة في مواجهة تمدد المشروع الإيراني الصفوي من ناحية، ومن ناحية أخرى الابتزاز الأميركي المستمر لدول الخليج.

ناهيك عن نظرية توسيم الأمة، والتي طرحتها الأدبيات السياسية حديثا فيما يتعلق بالدبلوماسية العامة للدول، والتي أصبحت أمرا واقعا ضمن الإستراتيجيات السياسية للدول المتقدمة، والتي تقضي بضرورة استثمار الدولة لمقدراتها الوطنية في الحفاظ على قيمها الوطنية، وتعزيز مستوى ونوعية التنمية الوطنية المستدامة، وتعزيز قدرتها التنافسية في المجالين الداخلي والخارجي، واستخدامها كقوة مناعة لصد أية محاولات للاختراق أو الاحتواء.

أما عن الحالة المصرية فهي تمثل فرصة استثمارية مثلى للدول والمستثمرين الراغبين في البحث عن مجالات استثمار ذات عائدات عالية وتتسم بالأمان النسبي الكبير، لما يتوافر فيها من العديد من الأسباب، حيث تمتلك مصر بيئة استثمارية متنوعة، وخصبة في كافة المجالات الزراعية والتكنولوجية والتعليم والسياحية والبحث عن البترول والمعادن والصحة، بما يعني إمكانية الاستثمار في كل منها منفردا، أو بشكل تكاملي بما يحقق عائدات إستراتيجية كبيرة، بالإضافة إلى وفرة الكفاءات البشرية المتنوعة في كافة شرائح العمل، بداية من الإدارة العليا والوسطى والدنيا والتنفيذية، وبأسعار زهيدة جدا إذا ما قورنت بسوق العمالة العالمي.

بالإضافة إلى أن السوق المصري الداخلي يمثل قوة شرائية داخلية تعادل 105 ملايين مواطن مصري وأجنبي مقيم بمصر، تثير لعاب أي مستثمر. ناهيك عن الموقع الجغرافي المتميز والذي يعد مركزا للتجارة العالمية إلى كافة جهات العالم خاصة الأسواق الأفريقية والآسيوية المتسعة.

بالإضافة إلى أن عائدات الاستثمار في مصر تعادل من سبعة إلى عشرة أضعاف معدل الاستثمار العالمي، بالإضافة إلى الاهتمام السياسي الكبير والمرونة الكبيرة التي أبدتها القيادة السياسية للاستثمار، والاهتمام بالمستثمرين والاجتماع المتكرر بهم والاستماع لهم وتذليل كافة العقبات التي تعترضهم، والذي انعكس مباشرة وسريعا على تطوير الكثير من القوانين والآليات المنظمة للاستثمار داخل مصر.

وهو ما حذا بالكثير من الشركات العالمية لكسب فرصة استثمارية سريعة في مصر  خاصة وأنها ستكون غير مكلفة في المراحل الأولى لتعافي ونهوض الاقتصاد المصري، خاصة فيما يتعلق بأسعار الأراضي وعقود المواد الخام والتي ترتفع تكلفتها بعد ذلك بمرور الأيام ونجاح التجارب الاستثمارية في مصر.

الفرص الاستثمارية المصرية تتوافق بشكل كبير مع التوجهات القطرية في تنويع استثماراتها الخارجية، ومن ثم فالمبادرة القطرية بالاستثمار في مصر تنم عن عمق وسعة الفكر الإستراتيجي القطري

ذلك ما دفع شركة مايكروسوفت وغلاكسي كبرى الشركات العالمية  للاستثمار في مجال التكنولوجيا، كما دفع شركة سنتماين الأسترالية إلى المسارعة بالحصول على فرصة استثمارية في مصر للبحث واستكشاف وإنتاج الذهب في الصحراء الشرقية المصرية والعديد من الشركات الإيطالية للاستثمار في المجال العقاري، بالإضافة إلى عشرات البنوك الأوروبية والأميركية التي تقدمت بطلباتها للحصول على الموافقة لإنشاء فروع لها في مصر.

كل ذلك يؤكد أن فرصة الاستثمار في مصر حقيقية وعالمية وواعدة، وأن قطر سارعت بالحصول على حصة من هذه الفرصة الذهبية لها في الاستثمار في مصر، وأن الدعم الذي قدمته قطر لمصر إنما هو استثمار إستراتيجي في البنية الأساسية للاقتصاد المصري، الذي يعاد هيكلته وتقويته، بما يضمن اقتصادا قويا يعزز فرص نجاح الاستثمار القطرية في مصر.

بالتأكيد الفرصة الاستثمارية المصرية تتوافق بشكل كبير مع التوجهات القطرية في تنويع استثماراتها الخارجية، ومن ثم هي مبادرة قطرية تنم عن عمق وسعة الفكر الإستراتيجي للقيادة القطرية، بالإضافة إلى قوة المبادرة التي تتمتع بها قطر، والتي لا ترتبط بنظام معين يمتلك مقاليد الأمور في مصر، إنما بنظام ديمقراطي مستقر، أيا كان توجه الدولة.

فجميع الدول العربية وغير العربية تسارع بالحصول على فرص استثمارية مماثلة، كتلك التي بادرت قطر بالفوز بها، كما أن ذلك سيكون وبالتأكيد خطوة نحو التكامل العربي وإعادة هيكلة وتقوية الكيان العربي الكبير، والمرشح إلى أن يتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية وعالمية، تمتلك القدرة على مواجهة التحدي الإيراني، والابتزاز الأميركي وتلبية طموحات الشعوب العربية الراغبة في التنمية والاستقرار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة