التصوير كوسيط لخطاب الكراهية   
الأحد 28/1/1427 هـ - الموافق 26/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)

طارق الكحلاوي

- حول العلمانية في الدانمارك
- الأصول القروسطية للتصوير العنصري

اتجهت الآراء التي وقفت إلى جانب نشر صور الكاريكاتير الدانماركية إلى اعتبار القضية الرئيسة في الأزمة الراهنة هي الدفاع عن حق حرية التعبير ومن ثم يقع تعريف المعركة أنها أساسا بين قيم الحداثة (موقف نشر الصور) والقيم القروسطية (موقف رفض نشر الصور).

غير أن ذلك ليس دقيقا لأنه من المعروف، بما حتى لدى الأخيرين، أن السبب الرئيس لما يجري بما في ذلك اتفاق غالبية الشارع العربي والإسلامي على التنديد بالصور هو خطاب الكراهية (hate speech) الذي عبرت عنه وأوصلته للمتلقين المسلمين.

إن الدفاع عن الحداثة يقتضي تحديدا رفض القيم القروسطية، وليس خطاب الكراهية والدعاية العنصرية الذي حملته هذه الصور إلا مركبا أساسيا من هذه القيم القروسطية.

"
ليس خطاب الكراهية والدعاية العنصرية الذي حملته الصور المسيئة للإسلام إلا مركبا أساسيا من القيم القروسطية، بينما الدفاع عن الحداثة يقتضي رفض القيم القروسطية
"
حول العلمانية في الدانمارك

حسب الموقع الإلكتروني الرسمي "الدانمارك الرسمية" (Official Denmark) التابع للوزارة الملكية للشؤون الخارجية، فإن الدستور الدانماركي يقضي بالدعم القانوني والمالي والإداري للكنيسة المهيمنة أي "الكنيسة اللوثرية الإنجيلية" التي ينتسب إليها حسب المصدر نفسه حوالي 84% من السكان حسب إحصائيات سنة 1998.

وهكذا فإن الأكثرية الإنجيلية اللوثرية تجتمع مع عدد آخر من الأقليات المسيحية فيما يسمى "الكنيسة القومية الدانماركية" (Danish National Church) التي تخضع إداريا للحكومة عبر "وزارة الشؤون الدينية"، غير أن الأهم هو أن القساوسة الذين يتبعونها يتم تكوينهم حتى الآن في مؤسسات تربوية وجامعية حكومية في كوبنهاغن وأرهوس يتم تسييرها من قبل الدولة.

وترجع هذه العلاقة الخاصة بين الكنيسة الإنجيلية والدولة إلى دستور 1849 بعد موجة الثورات التي عمت أوروبا سنة 1848 وشملت الدانمارك وأطاحت بالملكية المطلقة وأقامت نظاما ملكيا دستوريا.

ويعكس دستور 1849 علاقة توازن معقدة بين الدولة والكنيسة حيث أقر من جهة بحرية التعبد لكنه أكد بصراحة على "عدم المساواة" الدينية من خلال إلزام الدولة بدعم خاص للكنيسة الإنجيلية اللوثرية.

يمكن تتبع تأثير العلاقة الخاصة بين مؤسسات الدولة و"الكنيسة القومية" من خلال برامج القوى السياسية المهيمنة خاصة من بين الأطياف اليمينية.

وهكذا فإنه لا يمكن فهم القوانين المعادية لمنح حق اللجوء والتشديد على اللاجئين خاصة من ناحية تتبع "إدماجهم" في المجتمع الدانماركي التي سنها الائتلاف اليميني الحاكم (الحزب الليبرالي وحزب الشعب المحافظ) منذ يناير/ كانون الثاني 2002 دون فهم الشعور الدانماركي المتزايد بهوية ثقافية-دينية ثابتة.

وهذا الشعور يستمد جزءا هاما من حيويته من التاريخ والتأثير المتواصل للكنيسة القومية.

وفي الواقع يأتي دور ومكانة صحيفة "يلاند بوست" (Jyllands Post) التي يمكن من خلال فهم خلفياتها السياسية فقط فهم دواعي نشرها للصور الكاريكاتورية.

فهي أكثر صحيفة يومية مبيعا في الدانمارك (150 ألف نسخة) ورغم أنها رسميا صحيفة مستقلة فإنه من المعروف أنها تتبنى خطا تحريريا يمينيا.

ويرجع ذلك إلى فترة قديمة نسبيا حينما بدأت تتلقى دعما ماليا من قبل الحزب المحافظ سنة 1938 ودعمها آنذاك لآراء فاشية.

ولهذا فإن تصاعد النظرة السلبية للأجانب خاصة المسلمين من قبل حزب الشعب المحافظ وغيره من التيارات اليمينية إثر أحداث 11 سبتمبر/ أيلول أدت إلى تصعيد خط تحرير الصحيفة من مواقفها تجاه غير الدانماركيين من اللاجئين.

وعلى سبيل المثال فقد تعرضت هذه الصحيفة للانتقادات من قبل عدد من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية للنشر والإنتاج الثقافي جراء مقالاتها العنصرية تجاه اللاجئين الصوماليين سنة 2002.

إن خط تحرير يلاند بوست مؤشر رئيس على صياغة أو إعادة صياغة مفاهيم ماهية الدانماركي والآخر في المجتمع الدانماركي.

وهنا لا يمكن عدم تحسس العلاقة بين معطيين أساسيين، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المشاعر الدينية التي تتجه لإعادة تعميق التداخل بين ما هو دانماركي وما هو "إنجيلي لوثري" فإن الصحيفة الأولى للتيار اليميني الديني تركز بشكل لافت وغير حداثي بالمرة على ما هو غير لوثري في الدانمارك خاصة ما هو مسلم.

"
المساواة الدينية في الاتحاد الأوروبي الناشئ غير مكتملة وهي تحد حقيقي يؤكد أن هناك فرقا مهما بين التحديث السياسي والتحديث الثقافي حتى في المجال الذي يرى الكثير أنه بدهي الحداثة
"
الأصول القروسطية
للتصوير العنصري
إن المسألة الرئيسة في الأزمة الراهنة، وعلى عكس الاعتقاد الخاطئ لدى البعض في العالمين الإسلامي والغربي ليست تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل عام، بل ما يمكن أن تحمله الصورة من تعبير للكراهية والازدراء لأمة أو ديانة كاملة.

إنه من المغالطة التشكيك في الطابع العنصري لهذه الصور تحت عنوان أنها "إشكالية فقط".

فكيف يمكن أن نصف موضوعيا صورة الرسول برأس ذي ملامح شيطانية بدهية، وفي نفس الوقت بشكل يشبه القنبلة؟ كيف يمكن أيضا أن نصف شكل الرسول وعيناه مغمضتان بعصابة وبشكل بشع وخلفه امرأتان بملامح بلهاء؟

نعتقد هنا أن الخلفية الخاصة للصحيفة الدانماركية وتحديدا ما تمثله من فهم خاص ذي خلفية دينية-ثقافية للهوية الدانماركية يجعلها لا تعبر في الجوهر عن رؤية حداثية بل عن خط ورؤية ما قبل حداثية تمثل تواصلا لتقاليد قروسطية عريقة في أوروبا المسيحية.

وهذه التقاليد تقوم على استعمال الصورة خاصة صورة الرسول لتوجيه خطاب الكراهية والازدراء تجاه ديانة أو مجموعة دينية كاملة أي المسلمين وهو بالمناسبة نسق قروسطي عام لم يكن يقتصر على المسيحيين وحسب.

سبق ظهور الصور العنصرية ضد المسلمين التي استعملت الرسول كشخصية محورية في الفترة القروسطية، سبقها خطاب ثابت ومنظم يستهدف تشويه الرسول كسبيل رئيس لتشويه المسلمين الذين كانوا يسمون في الخطاب اللاتيني "Saracens".

انتقل هذا الخطاب خلال القرن الـ12 الميلادي نقلة نوعية، خاصة من حيث طبيعة الاتهامات وانتظامها وتحولها إلى صيغ ثابتة يتم ترديدها عبر المجال المسيحي الأوروبي.

ففي هذه الفترة كتبت أربع سير للرسول صلى الله عليه وسلم باللغة اللاتينية قامت بالإعلاء من قيمة سلسلة من القصص المختلقة في التراث الفلكلوري المسيحي تركز على أنه محتال ومتعطش للدماء.

وباستعمالها المخيال الشعبي المسيحي كمصدر أساسي أسهمت هذه السير التأسيسية لصورة الرسول صلى الله عليه وسلم في الغرب المسيحي في إعادة تصويره في المخيال المدرسي، وكذلك في ترسيخ الصورة الشعبوية عوض تصحيحها.

ومن الواضح للباحثين أن هذه "الصورة" المكتوبة كانت المصدر الرئيس للصورة المرئية التي ستنشأ فيما بعد، فوفرت الصورة وسيطا مناسبا يقتصد مفردات النص وأصبح من المناسب تركز صورة الإسلام والمسلمين في صورة شخص الرسول نفسه.

هكذا ظهرت أولى الصور من هذا النوع ضمن مؤلفات متأثرة بالسير الأربع التأسيسية.

ومن هذه الصور المبكرة صورة لشخص يشبه وحشا ذا لحية طويلة وردت في مخطوط لاتيني من القرن الـ12 الميلادي بعنوان "في ظهور محمد" (De generatione Machumet) لراهب فرنسي من دير Cluny (محفوظ في مكتبة الأرسنال في باريس برقم 1162).

صورة أخرى لقيت رواجا من حيث استنادها لروايات فلكلورية مسيحية وتهتم خاصة بقصة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث تتحدث عن "أكل الخنازير" للرسول صلى الله عليه وسلم.

وتترجم الصورة هذه الرواية من خلال تصوير شخص برفقة خنزير وذلك في مخطوط يرجع إلى أواسط القرن الـ13 ميلادي (محفوظ في مكتبة معهد كوربوس كريستي في كمبردج تحت رقم 26).

نوع آخر من صور الرسول صلى الله عليه وسلم ذات الطابع العنصري في الفترة القروسطية هو تصوير وحش أسود يخرج من فمه لحظة موته ويقع تصوير وجه الرسول بشكل يذكر بصور الشياطين المستعملة في القاموس المرئي القروسطي.

"
على الأقليات المسلمة تفهم طبيعة المجتمعات التي يعيشون فيها كما أن جدة وجودهم هناك تفرض عليهم رؤية مرنة لا تفرط في الحقوق ولا تسكت على أي تهجم معاد أو تمييز، ولكن أيضا لا تنتقل إلى الانغلاق واستعداء الجميع
"
وتظهر هذه الصورة مثلا في مخطوط مؤلف تاريخي يرجع لأواسط القرن الـ13 الميلادي لراهب فرنسي باسم Pierre de Poitiers (المخطوط محفوظ في مكتبة معهد إيتون في وندسور تحت رقم 96).

مع تكثف الحملات الصليبية وما رافقها من تصاعد لحملات التشويه المتبادلة أصبحت صورة شخص الرسول صلى الله عليه وسلم مرافقة لصورة صلاح الدين الأيوبي، وأصبح كلاهما يمثلان المسلمين والإسلام نفسه.

وعلى سبيل المثال هناك مخطوط يرجع للعام 1242 الميلادي لمؤلف باسم Alexander Laicus يصور كلا من الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاح الدين برؤوس حيوانات متوحشة يباركان مجموعة من المسلمين في مواجهة مجموعة من المسيحيين أمام الصليب.

لقد قام عدد من الباحثين بدراسات عديدة حول الصور الخاصة باليهود ومن أهمها موسوعة أنجزها هاينز شراكنبرغ Heinz Schreckenberg بعنوان "اليهود في الفن المسيحي: تاريخ مصور"، أرخ فيها بالصور للعلاقة الوطيدة بين صور الكاريكاتير التي راجت في صحف القرن الـ19 والقرن الـ20 خاصة خلال حملات معادية لليهود والصور القروسطية حولهم ولغيرهم من غير المسيحيين.

تبقى أهم حجة أخلاقية في صالح المسلمين هي واقع المفارقة الناشئ من الوضع المميز لليهود المحميين قانونا من أي تمييز ديني أو غيره (والذي يجب أن يكون حال أي طرف ديني أو كائن بشري في الواقع) حيث يشكل ذلك سابقة قانونية تفرض التفكير الجدي في تعميم محتواها على بقية المجموعات الدينية في المجال الأوروبي.

إن المساواة الدينية في الاتحاد الأوروبي الناشئ غير مكتملة، وهي تحد حقيقي يؤكد أن هناك فرقا مهما بين التحديث السياسي والتحديث الثقافي حتى في المجال الذي يرى الكثير، بناء على رؤى مثالية، أنه بدهي الحداثة.

في المقابل على الأقليات المسلمة تفهم طبيعة المجتمعات التي يعيشون فيها وأن جدة وجودهم هناك تفرض عليهم رؤية مرنة لا تفرط في الحقوق ولا تسكت على أي تهجم معاد أو تمييز، ولكن أيضا لا تنتقل إلى الانغلاق واستعداء الجميع.
__________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة