ثلاثة أجيال في خمس سنوات   
الثلاثاء 1429/3/18 هـ - الموافق 25/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:20 (مكة المكرمة)، 13:20 (غرينتش)


وليد الزبيدي

هل يكون جيل المقاومة الثالث في العراق الجيل الأخير؟ وهل تكون السنة السادسة هي الأخيرة في عمر الاحتلال الأميركي للعراق؟

هنا نحاول الإجابة على هذين السؤالين بتسليط الضوء على المراحل التي مرت بها المقاومة في العراق خلال السنوات الخمس الماضية، رغم أن عملية تقسيم المقاومة في العراق إلى أجيال قد تبدو مسألة صعبة بسبب قصر الفترة الزمنية التي ظهرت فيها، أي السنوات الخمس التي هي عمر الاحتلال الأميركي للعراق.

ويؤرخ لبدْء هذا الاحتلال بدخول بغداد في التاسع من أبريل/نيسان عام 2003، الذي اعتبره الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب شهير ألقاه في الأول من مايو/أيار 2003 بعد ثلاثة أسابيع من احتلال بغداد، يوم الانتصار وانتهاء العمليات العسكرية الكبرى في العراق.

ولم يدر في خلد قادة البيت الأبيض والبنتاغون أن هذه الأسابيع الثلاثة، قد أسست لأسرع وأقوى وأشرس مقاومة ضد القوات الأميركية.

ففي الوقت الذي تباهى فيه دونالد رمسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق بأن قواته فتحت المخازن أمام العراقيين لنهبها، انطلقت الخطوة العملية الميدانية الأولى للمقاومة، عندما بادر الكثير من المجاميع بالتأسيس العملي للمقاومة، من خلال الشروع في أكبر عملية تخزين للأسلحة التي كانت منتشرة في آلاف المخازن الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، التابعة للجيش السابق وقوات الحرس الجمهوري والأجهزة الأخرى.

واعتقد الأميركيون أن الذين يخطفون تلك الكميات الهائلة من الأسلحة إما من التجار أو من العراقيين الذين يخططون لعمليات قتل واحتراب داخلي.

وهذا ما تمناه رمسفيلد وسواه كي تبدأ الفتنة في وقت مبكر، ويتحقق المخطط الأميركي الهادف إلى تقسيم العراق، مما يضطر كلا من الطوائف والأعراق العراقية بعد إنهاك التناحر والاقتتال إلى اللجوء إلى القوات الأميركية لطلب الاحتماء، خشية الطرف العراقي الآخر.

وبذلك تصل أميركا إلى أبعد أهدافها من خلال السلاح العراقي المنثور بين العراقيين، إلا أن الذي جرى خلال الأسبوعين الأولين من الاحتلال، هو التأسيس للجيل الأول من المقاومة في العراق، الذي انطلقت نشاطاته القتالية ضد الاحتلال في وقت مبكر جدا.

"
أبرز ملامح تفوق الجيل الأول من المقاومة في العراق تمثلت في منع القوات الأميركية ومعها قوات حكومية من دخول مدينة الفلوجة في الأول من أبريل/نيسان 2004، رغم أن مساحة المدينة لا تتجاوز خمسة كيلومترات مربعة
"
وبسبب الغموض الذي يحيط بنشأة المقاومة، وما شهدته مؤسساتها من تطور وتقدم، لابد من إلقاء نظرة على طبيعة الأجيال الثلاثة التي تتداخل فيما بينها، ويصعب فرزها على أساس زمني دقيق، لكن ملامح كل جيل تتضح من خلال نشاطاته القتالية ومشروعه السياسي.

ويمكن تقسيم الأجيال الثلاثة إلى الآتي:
الأول: جيل الاندفاع العاطفي الوطني
الثاني: جيل التنظيمات المسلحة
الثالث: جيل الكتمان والقتال

جيل الاندفاع العاطفي الوطني: رافق تفتح البراعم الربيعية الحزينة في نيسان أبريل/نيسان 2003، في حدائق العراقيين وبساتينهم، تفتح براعم أخرى انتشرت في المزارع والبساتين، وذهبت إلى أعماق الصحراء، لتخزين الأسلحة المنتقاة التي سارع خبراء القتال لتحديد أنواعها وأصنافها، خاصة تلك التي يستفاد منها في حرب العصابات، وفي مقاتلة قوات الاحتلال الأميركي.

ومن خلال التعرف على أصناف الأسلحة التي استخدمتها المقاومة في العراق خلال السنوات الخمس الماضية، يتبين أن تلك الأسلحة التي تم تخزينها تنحصر في الأصناف التالية (قذائف الهاون، الهاونات بأنواعها، أسلحة آر بي جي7، أسلحة البيكيسي، الرشاشات الخفيفة، أسلحة القنص، ومادة تي أن تي، ومختلف أنواع الصواريخ، التي استخدمت لاحقا في تفجير أرتال القوات الأميركية، وتلك التي تم تطويرها لإسقاط المروحيات الأميركية، والصواريخ التي تستخدم أساسا لمهاجمة المروحيات، إضافة إلى صواريخ متوسطة المدى).

ومن الواضح أن عملية تخزين الأسلحة خضعت لثلاثة أمور هي:
1- الحرص على تخزين أكبر كمية ممكنة من الأسلحة، تحت هاجس امتداد المعركة مع القوات المحتلة عشرات السنين.

2- سيطر الهاجس الأمني على الذين قاموا بعملية التخزين، لذلك وزعوا تلك الأسلحة على آلاف المخازن وفي مناطق متباعدة ومختلفة، خشية العثور على بعضها، ولكي لا تصل قوات الاحتلال ومن يتعاون معها إلى جميع تلك المخازن.

3- حضور الخبرة والدراية في تخزين الأسلحة، حيث يتضح أن تخزينها قد تم بطرق علمية متقنة، لذلك تجد هذه الأسلحة تستخدم بكفاءة عالية بعد خمس سنوات من تخزينها، ولا شك أن الخبراء في هذا الجانب، قد حرصوا على ضمان حفاظ الأسلحة على فاعليتها الكاملة، رغم دفنها في باطن الأرض، وربما تحت المياه.

أما العمليات القتالية لدى هذا الجيل فقد انطلقت منذ الأيام الأولى للاحتلال، وأرغمت قادة الجيش الأميركي على الاعتراف بها رسميا وعبر تصريح للجنرال الأميركي تومي فرانكس الذي قال في تموز/يوليو 2003 "إن الهجمات ضد قواتنا وصلت إلى 25 هجوما في اليوم الواحد".

وجاء ذلك الاعتراف بعد ثلاثة أشهر من احتلال بغداد، وكتبت تحليلا حينذاك قلت فيه إن تصريح تومي فرانكس هو البيان الأول للمقاومة في العراق، إلا أنه جاء على لسان جنرال أميركي.

أما أبرز ملامح تفوق الجيل الأول من المقاومة في العراق فقد تمثلت في منع القوات الأميركية ومعها قوات حكومية من دخول مدينة الفلوجة في الأول من أبريل/نيسان عام 2004، رغم أن مساحة المدينة لا تتجاوز خمسة كيلومترات مربعة.

كما تمكنت فصائل المقاومة من قطع طرق إمدادات القوات الأميركية الرئيسية الأربعة (طريق الأردن بغداد، والموصل بغداد، والجنوب بغداد، وكركوك بغداد)، وهذا ما اعترف به القائد الأميركي مارك كيميت أواخر أبريل/نيسان 2004.

"
الجيل الثاني من المقاومة دفع بالاحتلال إلى وضع العديد من الخطط في محاولاته إضعاف المقاومة عبر اختراق البيئة الحاضنة وتشكيل مجالس الإسناد أو الصحوة وغيرها من المحاولات
"
جيل التنظيمات المسلحة:
قلنا إن هذه الأجيال متداخلة فيما بينها، لكن المرحلة الثانية من النضوج بدأت بعد معركة الفلوجة الثانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 عندما حشدت القوات الأميركية أكبر قوة لها في العراق، وهاجمت المدينة واستخدمت الفوسفور الأبيض في تدميرها.

إلا أن ذلك الاستخدام الوحشي المفرط للقوة لم يؤثر في معنويات المقاتلين، بل أرى على العكس أنه كان حافزا لإشعال الحماس في قلوب الشباب، وانضواء المزيد منهم تحت ألوية فصائل المقاومة.

ومن النتائج الإيجابية لذلك التدمير الوحشي لمدينة الفلوجه ما يمكن رصده على أرض الواقع بالآتي:
1- اقتناع أعداد كبيرة من الشباب بأن هذا الاحتلال لا يتردد في ممارسة أبشع السلوك الإجرامي ضد العراقيين ومدنهم، وأن الذي حصل في الفلوجة يسير صوب المدن الأخرى، فانضم الكثيرون إلى الفصائل والكتائب والجيوش، كما تم تشكيل فصائل وكتائب عديدة أخرى.

2- بدأت مرحلة الاهتمام بتشكيل هيئات ركن عسكرية محترفة، تأخذ على عاتقها مسؤولية وضع الخطط الميدانية والإستراتيجية، إدراكا منها لأهمية المعركة مع القوات الأميركية وشراستها.

3- تشكيل هيئات متخصصة في صناعة الأسلحة وتطويرها، وتنشيط الجهد الاستخباري بين المفاصل الحيوية للقوات الأميركية والحكومية.

4- تنبهت قيادات المقاومة إلى خطورة الإعلام بعد تجربة الفلوجة، والتضليل الخطير والواسع الذي مارسته الإدارة الأميركية، مما دفع بجدية عالية للاهتمام بالإعلام بمختلف قنواته واتجاهاته.

من هذه الأرضية خرج جيل التنظيمات المسلحة التي حققت نقلة واضحة وقوية في العمل المقاوم، وهو ما يمكن تسميته بـ"الجيل الثاني -التنظيمات المسلحة".

حقق هذا الجيل نتائج باهرة، وخاض آلاف المعارك والهجمات ضد قوات الاحتلال، ووصل عدد الهجمات إلى أكثر من مائتي هجوم في اليوم الواحد، وهذا ما اعترف به قادة البنتاغون، وهو الجيل الذي أرغم الإدارة الأميركية على التفكير في الانسحاب جديا منذ أواخر عام 2006.

وفي الوقت نفسه دفع هذا الجيل بالاحتلال لوضع العديد من الخطط في محاولة لإضعاف المقاومة من خلال اختراق البيئة الحاضنة، وتشكيل مجالس الإسناد وغيرها من المحاولات.

وبينما أخذ هذا التوجه وقتا وجهدا كثيرا وصرفت إدارة الاحتلال الأموال الطائلة لتنفيذه، جاء الرد سريعا من مؤسسات المقاومة في العراق، فخرج الجيل الثالث.

"
الجيل الثالث هو الأخير بين أجيال المقاومة في العراق، والسنة السادسة هي الأخيرة في عمر الاحتلال الأميركي لهذا البلد، وما يحصل في الميدان وما يعيشه القادة الأميركيون من ارتباك وفوضى يؤكد ذلك
"
جيل الكتمان والقتال
: بعد أن جربت جميع الطرق والوسائل للقضاء على المقاومة في العراق وفشلت في ذلك، أدركت الإدارة الأميركية أنها غير قادرة على تحقيق هدفها بالطرق والأساليب التي اتبعتها.

واستنادا إلى دراسة مفصلة من معهد راند التابع للبنتاغون الممول من قبل سلاح الطيران الأميركي جاء مقترح تشكيل مجالس الصحوة أو الإسناد، وهدفها الأساس اختراق البيئة الحاضنة للمقاومة، على أمل الوصول إليها وتفكيكها، واعتقال أكبر عدد ممكن من رجالها.

وتستند هذه النصيحة إلى حقائق من الواقع الميداني، حيث يتداول الأفراد والعوائل في الكثير من المناطق معلومات عن بعض المقاومين، ولا شك أن هذا الخطأ القاتل قد حصل، بسبب الطبيعة العشائرية والثقة المطلقة بالبيئة القبلية، وما يظهره عامة الناس من حب واعتزاز بالمقاومة، مما يدفع بعض عناصرها إلى التلميح أو التصريح أحيانا، بدوافع التفاخر ولدفع الآخرين للالتحاق بصفوف المقاومة.

هذا الشرخ لم يكن سهلا لوجود سرية تامة ومطلقة في أهم المفاصل الحيوية والحساسة في جيوش المقاومة وكتائبها وفصائلها كما أعتقد. وقد دفع هذا المخطط -الذي جاء بنصيحة من معهد راند وشرعت إدارة الاحتلال في تطبيقه في الميدان- دفع بقيادات المقاومة إلى الرد على ذلك، فانطلق الجيل الثالث من المقاومة في العراق يعتمد الحرفية القتالية والمؤسسية المتكاملة، ومن أهمها الكتمان في التحرك وفي النشاط.

ولاشك أن هذا الجيل قد انطلق بصيغتين، الأولى من داخل الجيوش والفصائل بتشكيلها قوات جديدة، لا يعرف عنها أحد أي شيء على الإطلاق، وتثقيف عناصرها على السرية والالتزام التام بها.

والثانية بتأسيس فصائل ومجاميع وجيوش قتالية جديدة، مستفيدة من جميع الخبرات السابقة، ومتجاوزة كل ثغرة في جدار المقاومة، وقد حققت إنجازات هائلة ضد قوات الاحتلال الأميركي خلال السنوات الخمس المنصرمة.

أعتقد أن الجيل الثالث هو الأخير بين أجيال المقاومة في العراق، وأن السنة السادسة هي الأخيرة في عمر الاحتلال الأميركي لهذا البلد، وما يحصل في الميدان وما يعيشه القادة الأميركيون من ارتباك وفوضى يؤكد ما ذهبنا إليه.
__________________
كاتب عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة