هل هناك قيادة عالمية بديلة للقيادة الأميركية؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: د. برهان غليون*

في إطار نمط القيادة القائم على السيطرة المادية اليوم، سواء أكانت هذه السيطرة أميركية منفردة أم أطلسية يشارك فيها أعضاء النادي الصناعي للدول الكبرى والأغنى، لا يمكن تحقيق أي هدف من أهداف المجموعة الدولية، سواء تعلق الأمر بالتنمية البشرية التي أصبحت مسألة تراجيدية أو بالأمن العالمي أو بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان.


الأكبر حجما والأكثر تأثيرا موضوعيا في شؤون الكرة الأرضية والأقدر على المشاركة في الحلول والمتحكم الفعلي بمصير العالم يرفض النقاش في سياساته وترتيباته لهذا العالم ويرمي المسؤولية دائما على من هو أدنى منه
وفي إطار الاحتفاظ بأسلوب القيادة الدولية الراهنة التي تقوم على الانفراد بالرأي والإملاء وإكراه الآخرين على الالتزام بجدول أعمال وأولويات الدولة الأقوى والأغنى لا يمكن أن تكون هناك مساءلة من أي نوع كانت، ولن يشعر أي طرف أن له مسؤولية في ما وصلت إليه المجموعة البشرية من تصدع واضطراب وتدهور في أوضاع ثلاثة أرباع البشر المادية والمعنوية، فالسيطرة لا تعني سوى الإلحاق من دون محاسبة ولا مسؤولية. وإلحاق العالم بها هو ما تريده الولايات المتحدة وما تمارسه بالفعل، وما يجعل من المستحيل التوصل إلى حلول لأي من المشاكل العالمية المطروحة.

ولا يشكل الإلحاق بأي معنى من المعاني قاعدة لتكوين قيادة دولية حقيقية تفكر بالمشاكل والتحديات المطروحة على المجموعة البشرية وتسعى إلى إيجاد الشروط الكفيلة بمعالجتها على أساس من المسؤولية والبحث عن المصالح الإنسانية. فالأكبر حجما والأكثر تأثيرا موضوعيا في شؤون الكرة الأرضية والأقدر على المشاركة في الحلول والمتحكم الفعلي بمصير العالم يرفض النقاش في سياساته وترتيباته لهذا العالم ويرمي المسؤولية دائما على من هو أدنى منه.

البديل الوحيد للقيادة العالمية القائمة على السيطرة وتأكيد التفوق والقوة من جهة وفرض الإذعان من جهة ثانية هو القيادة القائمة على قاعدة المفاوضات متعددة الأطراف.

لكن من الواضح أيضا أنه طالما كان لدى الدولة العظمى شعور قوي يؤكده الواقع العملي بأن بإمكانها أن تحقق سيطرتها وتضمن مصالحها الكبرى والصغرى بوسائلها الخاصة ولا تحتاج لمعونة أحد ومن دون أن تخشى أي رد فعل خطير يردعها عن ذلك، لا في منطقة الدول الصناعية ولا في منطقة الدول الفقيرة والنامية، فلن تقبل بالخضوع لمثل هذه القاعدة التي تضعف من سيطرتها وتحرمها من مزايا الدولة الوحيدة المتسلطة.

ولن يكون هناك مخرج من الوضع الراهن ولا إمكانية لوقف تدهور الأوضاع الدولية ولا يمكن تصور وضع حد للسيطرة الأميركية إلا في حالة نجاح مجموعة دولية كبيرة، ومن ضمنها بعض الدول الصناعية المهمة، في تكوين قطب قادر على خلق شروط جديدة من توازن القوى تسمح بإعادة النظر في أسلوب إدارة الشؤون الدولية الذي ربطته واشنطن بتحقيق السيطرة الكلية.


إن نزوع الولايات المتحدة إلى السيطرة الشاملة وتأمين وسائلها العسكرية والسياسية والرمزية لتحقيق قيادتها للعالم يعكس هو نفسه فراغ القيادة الدولية والتعددية
وتفترض القيادة القائمة على قاعدة المفاوضات المتعددة الأطراف شروطا عديدة

  • أولها استبعاد اللجوء إلى العنف والحرب لحسم النزاعات في المصالح لحساب الأقوى والقبول بالاحتكام لشرعة دولية، كما تفترض وجود شرعة دولية متفق عليها ومقبولة من قبل أغلبية الدول والجماعات الإنسانية.
  • وتفترض أيضا تنمية ثقافة الحوار والتفاهم والتعاون بدل ثقافة التنافس والتصادم القائمة.
  • وتفترض كذلك قبل ذلك وفي سبيل الوصول إلى ذلك وكشرط له الاعتراف المتبادل بين الدول والجماعات بصرف النظر عن مستويات القوة والتأثير، وربما القبول بنوع من الحقوق المتساوية في تقرير الشؤون الدولية، وهو ما نطبقه اليوم في الحقل الوطني حيث يتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية سياسيا، أي أن كل مواطن يساوي صوتا واحدا بصرف النظر عن أصله وطبقته ونفوذه وثروته. وهذا المبدأ الذي تقوم عليه المجتمعات، أعني مبدأ التضامن الذي يساوي بين جميع المواطنين بصرف النظر عن قدراتهم ومواهبهم ومواردهم لا يعكس أي شرط موضوعي بقدر ما يعبر عن طفرة أخلاقية ولا يتحقق من دونها.

لكن شرط حصول هذه الطفرة داخل الفضاءات الوطنية كان إقامة العلاقات الدولية على التنافس والصراع والحرب. فلحم الداخل ثم إلى حد كبير، وهذا هو الذي يفسر منطق الحروب الخارجية القومية، على حساب الخارج والتضحية بالتفاهم بين الدول والأمم أيضا. ومنذ الآن ليس من الممكن تطوير مفهوم جديد للعلاقات الدولية من دون إيجاد مناخ وتنمية ثقافة جديدين قائمين على مبدأ التضامن الإنساني وتجاوز المنعزلات القومية التي استثمرت فيها النخب استثمارا هائلا في العقدين الماضيين في الدول الصناعية والفقيرة معا.

وربما كان جوهر المشكلة الذي يمنعنا من الخروج من مستنقع حروب التنافس على المزايا والمنافع ومناطق النفوذ الذي يسمم العلاقات الدولية كامنا هنا بالضبط. فليس من المؤكد أن هناك دولا كثيرة مستعدة لمثل هذا الاعتراف المتبادل والقائم على مشاركة جميع شعوب العالم فقيرها وغنيها على قدم المساواة في تقرير مصير البشرية، بل إن المنطق أحيانا يجعلنا لا نقبل نحن أنفسنا أبناء الجنوب أن يكون لبلداننا الصغيرة التي تتحكم بها طغم ودكتاتوريات هزيلة حقا مساويا لحق الدول الديمقراطية الكبرى في تقرير شؤون العالم.

وما دام من الصعب التوصل إلى تفاهم حول صيغة عملية ومقبولة من الجميع لصوغ القرار الدولي فسيكون من الصعب الخروج من حلقة السيطرة وتأكيد النفوذ كوسيلة لتحقيق مشاركة تضمن ميزات ومزايا خاصة بالكبار.

وأعتقد أن جزءا كبيرا من الصعوبة نابع أيضا من أن الدول الكبيرة التي لا تريد للولايات المتحدة أن تفرض قيادتها الأحادية على العالم ليست مستعدة لفتح ملف تقرير السياسات الدولية. فهي تشارك بشكل أو بآخر في القرار من خلال المؤسسات الدولية رغم أن واشنطن تنحو أكثر فأكثر إلى تهميشها. كما أنها تخشى من أن يؤدي توسيع دائرة مشاركة الدول الأخرى غير الغربية إلى إضعاف مواقعها الحالية في السياسة الدولية. ففي هذه الحالة لا يكون تحديد إرادة الهيمنة الأميركية لحسابها هي ولكن لصالح قوى دولية جديدة أخرى آسيوية وأفريقية وأميركية لاتينية مستبعدة اليوم كليا من نظام القرار الدولي.

ومن هنا فإن نزوع الولايات المتحدة إلى السيطرة الشاملة وتأمين وسائلها العسكرية والسياسية والرمزية لتحقيق قيادتها للعالم يعكس هو نفسه فراغ القيادة الدولية والتعددية. فالولايات المتحدة لا تنجح في فرض انفرادها في تنظيم شؤون العالم إلا لأن القوى الدولية الأخرى، وفي مقدمها أوروبا واليابان والاتحاد الروسي بالإضافة إلى الصين والهند والدول النامية الكبيرة، لم تنجح في فرض تصور تعددي أو صيغة ناجعة للمفاوضات المتعددة الأطراف على هذه القيادة. وسوف تستمر الولايات المتحدة في فرض تصورها الأحادي للقيادة وفرضها لجدول أعمالها وتصوراتها الخاصة على حقل السياسة الدولية طالما بقيت الدول الأخرى غير قادرة على تكوين قوة يمكن أن توازن القوة الأميركية أو تعدل من طغيانها المادي الحقيقي وتفرض عليها التفاوض على مصالحها القومية لا فرضها كمصالح عالمية.

والنتيجة أن الانفرادية الأميركية ليست حتمية تاريخية، بالرغم من التفوق الواضح للولايات المتحدة على أي دولة أخرى منفردة، ولكنها تعبير عن إخفاق الدول الأخرى في التوصل إلى تفاهم يعمل على تكوين قطب دولي قادر على موازنة القوة الأميركية وفرض قيادة عالمية قائمة على تطوير صيغة للمفاوضات الدولية متعددة الأطراف كإطار لمعالجة القضايا الدولية جميعا، بما في ذلك علاقات الولايات المتحدة مع بقية دول العالم.


القيادة الانفرادية تفرض حالة الحرب الدائمة، وهو ما نعيشه اليوم وما تعكسه السياسة الأميركية الراهنة التي لا تخرج من حرب حتى تعلن إعدادها لحرب جديدة، فإن القيادة الجماعية لا تستقيم إلا في إطار سلام دولي حقيقي
وهذا هو الطريق للدفع بالعالم نحو التعددية القطبية. إذ كما تشكل القيادة الانفرادية والمفردة الحافز الرئيسي لتطوير إستراتيجية السيطرة العالمية ومتطلباتها الحربية، يشكل نجاح منهج المفاوضات الدولية المتعددة الأطراف أساسا لبناء قيادة عالمية قائمة على تفهم المصالح الدولية المختلفة لجميع البلدان وأخذها بالاعتبار وبالتالي البحث عن التسويات الضرورية بين هذه المصالح للتوصل إلى حلول دائمة وناجعة للمشاكل العالمية.

وكما أن القيادة الانفرادية تفرض حالة الحرب الدائمة، وهو ما نعيشه اليوم وما تعكسه السياسة الأميركية الراهنة التي لا تخرج من حرب حتى تعلن إعدادها لحرب جديدة، فإن القيادة الجماعية لا تستقيم إلا في إطار سلام دولي حقيقي. لذلك تشكل الحرب الدائمة أفضل وسيلة تملكها الولايات المتحدة لمنع ولادة عالم متعدد الأقطاب وقيادة عالمية قائمة على المفاوضات متعددة الأطراف.

______________
* أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة