عن النصر والهزيمة في غزة   
الثلاثاء 13/5/1431 هـ - الموافق 27/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
محمد إبراهيم المدهون



كان محمد (صلى الله عليه وسلم) مطارداً وفاراً مع صاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) والملاحقة له على أشدها حيث إنه "لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآهم".. ونجحت رحلة الهجرة.. ووصفها الله تبارك وتعالى بقوله "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ " [التوبة: 40] فهل تحقق نصر لرجلٍ مطارد وملاحق؟

وحين تم التوقيع على صلح الحديبية الذي بمقتضاه غادر محمد (صلى الله عليه وسلم) مكة وقفل راجعاً دون أن يعتمر.. واحتج أصحابه "أنرضى الدنية في ديننا"، اعتبر نصراً إستراتيجياً وعبّر عنه القرآن الكريم بهذا المعنى "إنا فتحنا لك فتحا مبينا (...) وينصرك الله نصرا عزيزا" [الفتح:1-3]، وتحقق ذلك على الأرض سياسياً وإستراتيجياً في معركة محمد (صلى الله عليه وسلم) مع قوى الكفر، حيث تحققت الأهداف وهو المعنى الأوضح للانتصار.

"
يعتبر آفي ديختر أن  
المشكلة الرئيسة التي تواجهها إسرائيل تتمثل في قطاع غزة، وليس قضية القدس، فالبنية العسكرية لحركة حماس في قطاع غزة تمثّل مشكلة إستراتيجية "لإسرائيل"، والمعضلة هي في تفكيكها
"
تعقيباً على مقتل جنود الاحتلال في غزة، قال قائد أركان جيش الاحتلال أشكينازي "نحن بحاجة إلى مراجعة نتائج الحرب على غزة". وآفي ديختر (وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي) عقب بقوله "المشكلة الرئيسة التي تواجهها الدولة العبرية تتمثل في قطاع غزة، وليس قضية القدس"، معتبراً أن البنية العسكرية لحركة حماس في قطاع غزة تمثّل مشكلة إستراتيجية "لإسرائيل"، والمعضلة هي في تفكيكها.

وقبل وقت قصير كانت اعترافات أولمرت رئيس وزراء الاحتلال السابق ومجرم العدوان على غزة، التي قال فيها وبالفم الملآن "لم ننتصر في غزة". وبذلك خفّ الجدل المحتدم سابقاً للإجابة على سؤال: من انتصر في غزة؟.

في عوامل النصر والهزيمة يمكن العمل على إسقاط منطقية التحليل الإستراتيجي لتقييم نتائج عدوان الفرقان بأسلوب علمي ومنهجي، بدايةً لابد من توضيح الاشتباه في إشكاليات المعاني لتقييم المعارك والحروب سواء النصر أو الهزيمة, والنجاح أو الفشل.

فالانتصار مفهوم عسكري في كينونته يوحي بتمكن أحد الطرفين المتحاربين من عدوه، وهزم إرادته، وتغيير الواقع السياسي والعسكري الذي كان قائماً. بينما الهزيمة مفهوم عسكري في كينونته يوحي بالانكسار، وفقدان الإرادة والرغبة في القتال والاستسلام للطرف المنتصر، والقبول بشروطه مهما كانت مجحفة.

أما النجاح فهو مفهوم مدني في كينونته يوحي بالقدرة على اجتياز عقبة كبيرة كانت تعترض الطريق، وعملية النجاح في المفاهيم العسكرية هي عملية تراكمية تؤدي في النهاية لتحقيق الانتصار. بينما الفشل مفهوم مدني في كينونته يوحي بالعجز عن اجتياز عقبة كان يفترض اجتيازها، مما يؤدى إلى بقاء الأوضاع السياسية والعسكرية على حالها دون تغير جوهري. والإخفاق في تحقيق الانتصار المطلوب، لا يمكن أن نسميه هزيمة لأنه لم يترتب عليه تغير الواقع السياسي والعسكري.

على صعيد الأهداف في عدوان الفرقان فإن من الواضح أن غزة قد انتصرت حيث فشل العدو في تحقيق أهدافه في هذه المحرقة. كان التركيز الإسرائيلي على الهدف الإستراتيجي بإنهاء وجود حماس على الأرض لأن الخطر هنا لا يتحدد بوجود حماس المادي, بل الوجود المعنوي الذي يمثل الخطورة الحقيقية على الاحتلال والمشروع الغربي في المنطقة، حيث إن حماس حركة إسلامية سنية، لها امتدادات فكرية وجماهيرية واستمرار حكمها قد يصبح ملهماً للحركات الإسلامية.

وفي ذلك يقول الإرهابي بيريز "إن أكثر ما أخشاه على إسرائيل حرب دينية، لأنها ستجند كل المسلمين ضد (إسرائيل)" أما تيدي كوليك (رئيس بلدية القدس سابقاً) فيقول "عليكم أن تصنعوا سلاماً مع عباس وسلطته قبل أن تنجح حماس في أسلمة الصراع، عندها عليكم أن تتوقعوا أن يأتي عمر بن الخطاب من التاريخ ليعلن عودة القدس ثانية للمسلمين".

"
تدي كوليك:
عليكم أن تصنعوا سلاماً مع عباس وسلطته قبل أن تنجح حماس في أسلمة الصراع، عندها عليكم أن تتوقعوا أن يأتي عمر بن الخطاب من التاريخ ليعلن عودة القدس ثانية للمسلمين
"

وعلى صعيد آخر أدرك الكيان الصهيوني حجم المخاطر التي ستترتب على وجود حماس في السلطة، ما دامت لم تقبل بما قبلت به منظمة التحرير, لذلك كانت إستراتجية الإقصاء والإلغاء فكانت شروط الرباعية, وكان افتعال الأزمات الداخلية بتخطيط دايتون وتنفيذ عناصر فلسطينية، ولم يتم الإنجاز. فكان لابد لإسرائيل من العمل المباشر, فبدأ مسلسل الحصار الاقتصادي وإغلاق المعابر، ومن ثم لم يكن من خيار أمام الكيان إلا استخدام القوة العسكرية المباشرة لإنهاء حكم حماس في غزة.

وأراد الاحتلال كذلك ضرب حلف إيران في المنطقة الذي قد يشكل عليها خطراً في حال اندلاع المواجهة مع إيران، وبالتالي كان منطقياً أن يبدأ الكيان الصهيوني بالحلقة الأضعف.

علاوة على ذلك كان للفشل الصهيوني في حرب لبنان انعكاس سلبي كبير على صورة جيش العدوان، فكان لابد من إعادة توازن الردع من خلال حرب جديدة، وكان الظرف الدولي مواتياً لأن تكون غزة هي حقل التجارب الذي سيستعيد فيه الكيان هيبته.

يؤكد أولمرت في اعترافاته المعلنة في هذا السياق أنه كان هناك هدف إستراتيجي للاحتلال متمثلاً في إسقاط حماس وإنهاء حكمها لغزة وإعادة غزة إلى بيت الطاعة الصهيوني/الأميركي.. ولما لم يتحقق هذا الهدف أصبح الهدف من العدوان وقف الصواريخ وتأمين الجبهة الداخلية الجنوبية لدولة الكيان.. وبدلاً من تحقق ذلك استمرت صواريخ المقاومة في التساقط حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، وتوسعت "بقعة الزيت اللاهب" وزاد مدى الصواريخ وتضاعف عدد الصهاينة في الملاجئ وأصبحت الصواريخ تهدد مناطق مركزية في دولة الكيان.

ثم تراجع الاحتلال ليعلن أن هدفه وقف تهريب السلاح إلى المقاومة، وهذا لم يتحقق بالتزام المقاومة بذلك، فلجأ الاحتلال إلى من يساعده في ذلك فكانت "مذكرة التفاهم الأمنية", وكانت "البوارج الفرنسية" على سواحل غزة, وكذلك "خبراء منع التهريب الأميركيين" على حدود غزة, "وإعداد شبكة تكنولوجية وأمنية" على طول الحدود.

ويمكن القول إن هذه أهداف تكتيكية متواضعة لا تتناسب مع عدوان بحجم المحرقة، ورغم ذلك فقد فشل الاحتلال في تحقيقها. وقد اعتمد الاحتلال سياسة غموض الأهداف, وفي ذلك كان لدروس تقرير فينوغراد نصيب وافر في تطبيقات الحرب على غزة؛ فلم تلزم القيادة الصهيونية نفسها بأي أهداف محددة قبل العملية كما فعلت في حرب لبنان صيف 2006م، لتبقي مجال المناورة أمامها مفتوحاً، حتى تسمي النتائج التي تتمخض عن الحرب انتصاراً إن أرادت ذلك؛ ولكن قادة الكيان في الحقيقة أفصحوا عن أهداف العدوان غير ما مرة.

ومن هنا فإن الاحتلال لم يحقق أيا من الأهداف الإستراتجية, سواء بإنهاء حكم حماس في قطاع غزة, أو بإعادة توازن الردع المفقود بعد حرب لبنان 2006م. وكذلك لم ينجز الأهداف التكتيكية سواء إيقاف إطلاق الصورايخ الفلسطينية على المغتصبات داخل فلسطين, أو منع تهريب الأسلحة إلى القطاع عبر الأنفاق.

وعلى صعيد حماس فقد كانت أمام خيارين: إما الهزيمة، وهو ما كانت تشير إليه كل المعطيات المادية والعسكرية والسياسية التي بنيت عليها خطة الحرب العدوانية، والتي كانت تقدر أن يتمكن الاحتلال من إنهاء حكم حماس في القطاع, وبالتالي هزيمتها. أو النجاح، وهو ما كانت تسعى إليه حماس, ولسان حالها التحدي والصمود في وجه العاصفة، وهذا ما حدث بالفعل.

فقد حققت حماس شيئاً من أهدافها الإستراتيجية وذلك بالتمسك بالثوابت الفلسطينية, والعمل على إعادة الصراع مع اليهود إلى عمقه العربي والإسلامي، وسيتحقق إنجاز تاريخي بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين, وكسر الحصار ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني.

أما أولمرت فإنه يؤكد أن الاحتلال لم ينتصر في غزة، ولكن الحقيقة هي أن الشعب الفلسطيني قد انتصر في غزة، وكانت لهذا الانتصار التاريخي ملامح كثيرة، أهمها ملامح عسكرية تمثلت في إدارة الجبهة الداخلية, وصمود المقاومة على الأرض رغم قلة العتاد والعدة, وبقي الجيش الذي لا يقهر تائهاً في غزة, نعم إنها أول معركة على أرض فلسطين ولذلك دلالة كبرى, ولم يحدث الاستسلام المنشود رغم حجم كمية المتفجرات التي تم إلقاؤها علي غزة, وأخيراً تحققت إستراتيجية المقاومة على الأرض بدون خسائر فادحة، وذلك باستيعاب الصدمة الأولى مع الحفاظ على القيادة والروح المعنوية العالية.

"
كوردسي:
انهزمت إسرائيل إستراتيجياً في غزة، حيث غدا مليون إسرائيلي في الملاجئ, واندحرت صورة الجيش الذي زعموا أنه لا يقهر، وعلاوة على ذلك فشل الأمن الإسرائيلي في أبسط أهدافه الأمنية (تحرير شاليط نموذجاً)
"
وصاحب ذلك طول المدة الزمنية للعدوان مع عدم تحقيق الأهداف، وذلك يمثل خسارة ذات مغزى، حيث صرح الخبير اليهودي كوردسي بأن "(إسرائيل) انهزمت إستراتيجياً في غزة"، حيث غدا مليون إسرائيلي في الملاجئ، واندحرت صورة الجيش الذي زعموا أنه لا يقهر، وعلاوة على ذلك فشل الأمن الإسرائيلي في أبسط أهدافه الأمنية (تحرير شاليط نموذجاً).

كما كانت هناك ملامح شعبية للانتصار تمثلت في الثبات والطمأنينة والهدوء الشعبي, وازدياد شعبية حماس وغزة وفلسطين، مما ولّد أفكاراً جديدة إبداعية لنصرة القضية علاوة على إحياء القضية في قلوب الملايين "الشارع في العالم انتفض تأييداً لغزة"، مما أدى لارتفاع صوت العلماء "بيان الـ100"، وتزامن ذلك مع سقوط الثقة في رام الله وسلطتها وكشف تواطؤ بعض الأطراف، وعلاوة على ذلك الاحتضان الشعبي وبعض الرسمي للمقاومة وتكريسها كبرنامج شعب.

أما الملامح السياسية للانتصار فقد تمثلت في عدم تقديم أي تنازل سياسي من المقاومة, وتقديم ضربة لمشروع التسوية في المنطقة, وإعلان وقف إطلاق النار من الاحتلال من جانب واحد دون تحقيق أيٍ من شروطه, أيضاً الاعتراف بحماس في قمة الدوحة ومجلس الأمن, والمسارعة الدولية لإنقاذ المشروع الصهيوني.

وصاحب ذلك سباق النصرة الرسمي والشعبي لغزة, وبروز قوى سياسية مثل الدور التركي وتعزيز علاقتها مع فلسطين القضية, وتعزيز التيار الإسلامي في الدول العربية, وسقوط خيار القوات الدولية, وتفرق حلف اليهود والمنافقين, وإطلاق أكبر مشروع للمحاكمات الدولية (غولدستون نموذجاً)، وعلاوة على كل ذلك كانت الهزيمة الأخلاقية للاحتلال.

أما عن اللحظة -وفي سياق تأكيد معنى النجاح في غزة- فنستحضر تصريحات قادة الاحتلال بعد مقتل الجنديين منذ أيام في غزة, يقول باراك "إن حماس تسعى لتغيير قواعد اللعبة في غزة، وسيكون عليها أن تدفع ثمن ذلك". وقال المراسل العسكري للقناة الثانية روني دانيال إن باراك يؤيد توجيه ضربة قاسية بشرط عدم انجرار إسرائيل إلى تدهور كبير في الأوضاع وحرب مفتوحة على غرار حرب غزة الأخيرة.

ومن جهته هدد وزير المالية الصهيوني يوفال شتاينيتس بأن إسرائيل قد تضطر إلى إعادة الاستيلاء على قطاع غزة والقضاء على سلطة حماس إذا لم يكن أمامها أي خيار آخر، مشدداً على أن إسرائيل لا يمكن لها أن تُسلّم بتسلح حركة حماس بصواريخ بعيدة المدى. وتفيد تقارير صهيونية بأن الجيش يشعر بـ"قلق شديد"، لاعتقاده أن حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة تريد تغيير الوضع في مناطق الحدود.

"
ما تحقق في غزة وبعد عملية خانيونس واعتراف المجرم أولمرت الصريح بالهزيمة، رسخ مقومات الصمود والثبات, ووضع حجر الأساس لمرحلة الانتصار الكبير, وبعثر معادلات الساسة
"

ونقل عن مصادر في الاستخبارات أنهم يبحثون ما إذا كانت حماس تغض الطرف عن الهجمات الصاروخية التي نشطت في الآونة الأخيرة. وآفي ديختر يعقب بالقول "إن إسرائيل سوف تتحرك للقضاء على بنية حماس، وهذا سيتطلب وقتاًَ طويلاً، مع ضرورة مشاركة السلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية في العمل من أجل تفكيك بنية حماس العسكرية في القطاع"، مشيراً إلى أنه "إذا لم تتمكن السلطة من القيام بذلك بمساعدة الدول العربية فإن إسرائيل ستضطر إلى أن تفعل ذلك بنفسها" (لاحظ خطورة القول الأخير).

وما تحقق في غزة وبعد عملية خانيونس واعتراف المجرم أولمرت الصريح، رسخ مقومات الصمود والثبات, ووضع حجر الأساس لمرحلة الانتصار الكبير, وبعثر معادلات الساسة, وكان ذلك أكثر من مجرد انتصار. والسؤال الآن هو: هل سيكرر الاحتلال التجربة بالعدوان مجدداً على غزة؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة