خارطة الطريق.. عقبات وآفاق   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ ياسر الزعاترة

- بنود الخارطة وتطبيقها على الأرض
- الساحة الإسرائيلية.. أصوات التهدئة وأصوات النفير
- المواقف العربية والدولية
- قوى المقاومة وأسئلة الهدنة

لا يبدو موقف الطرف الإسرائيلي في معركة "خارطة الطريق" هو الأقوى بسبب الدعم الأميركي اللامحدود فقط، وإنما لأن المطلوب من الطرف الفلسطيني في المرحلة الأولى منها لا يبدو سهلاً بحال من الأحوال، وقد ينطوي على صدام مع المجتمع الفلسطيني وقواه المقاومة.

الذين وقعوا على قبول الخارطة من الطرف الفلسطيني فعلوا ذلك تحت طائلة الشعور بالهزيمة، فيما لا يبدو اعتراف المجتمع الفلسطيني ومعه قواه المقاومة بهذا المنطق أمرا واردا. وبذلك يغدو صعباً عليهم قبول تنفيذ الشروط المطروحة في الخارطة، سيما وأنها شروط لا تبشر بتحقيق إنجازات مقابلة.

هنا تتبدى نقطة ضعف الطرف الفلسطيني الرسمي، فهو لا يحظى بدعم داخلي لا من طرف آخر في السلطة (الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومن معه) ولا من قوى المقاومة ولا من المجتمع نفسه، في حين يجد نفسه أمام ضغوط أميركية إسرائيلية تطالبه بإجراءات وقع عليها. والحال أنه لولا تلكؤ الطرف الإسرائيلي في تنفيذ الجزء المناط به من الخارطة لكان موقف رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس أسوأ مما هو عليه بكثير.


أفرجت السلطات الإسرائيلية عن 443 سجينا بينهم 100 سجين جنائي لم يطالب بهم أحد، ومعتقلون إداريون في آخر أيامهم، وآخرون ستنتهي محكومياتهم بعد وقت قليل
بنود الخارطة وتطبيقها على الأرض

حين نقرأ خارطة الطريق نعثر على كم من الإجراءات التي ينبغي على حكومة عباس أن تشرع في تنفيذها على نحو سيدخلها في صدام مع المجتمع الفلسطيني ومع قوى المقاومة. وهنا تحضر جملة من المعطيات المهمة منها وجود الرئيس ياسر عرفات ومناكفته للحكومة، ومنها أن قوى المقاومة لم تعد بذات المستوى من الضعف الذي كانت عليه خلال تجربة عام 1996 وصولاً إلى قمة كامب ديفد، حيث راكمت خلال سنوات الانتفاضة الثلاثة قوة وخبرة ستعني أن الصدام معها قد يؤدي إلى حرب أهلية، لأن شروط هذه الحرب تتمثل في وجود طرفين يقتربان من التكافؤ في مستوى القوة، وهو أمر يبدو قائماً على نحو ما هذه الأيام.

في بنود المرحلة الأولى من الخارطة ثمة حديث يتجاوز "وقف العنف" أو "الإرهاب" إلى "مواجهة جميع المتورطين في الإرهاب وتفكيك البنى التحتية للإرهابيين وقدراتهم، ويتضمن ذلك البدء بمصادرة الأسلحة غير الشرعية". والحال أن السلطة قد وجدت أنها بإعلان حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي للهدنة قد حققت إنجازاً كبيراً في هذه المرحلة قبل أن تستكمل قدراتها الخاصة، فيما لن يتحقق ذلك قبل حصولها على إنجازات من الإسرائيليين على صعيد إعادة الانسحاب من المدن، إضافة إلى تخفيف الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين بما في ذلك الإفراج عن السجناء. وهنا تبرز قضية مهمة، ذلك أن هذا البند لم يرد في خارطة الطريق التي لم تشر إلى مسألة المعتقلين.

الإسرائيليون بدورهم وإن لم يحصلوا على المطلوب من الفلسطينيين حتى الآن، فإن ما نصت عليه الخارطة من حيث الكف عن أي "إجراءات تتعلق بالثقة" لم يطبق. وقد سجلت الأجهزة الفلسطينية وقوى المقاومة عدداً كبيراً من الخروقات، حيث تواصلت عمليات المداهمة والقتل والاعتقال على نحو يومي.

على هذا الصعيد يقول مراسل صحيفة "هآرتس" جدعون ليفي المختص بحقوق الإنسان في مقاله الصادر يوم الثالث من أغسطس/ آب الجاري إنه "لم يتغير شيء تقريباً من ظروف حياة الفلسطينيين، فبعد أكثر من شهر من الهدنة وبعد شهرين تقريباً من انعدام عملية جماعية في إسرائيل، وهم يتكلمون عن تحرير الأسرى دون أن يتم اطلاق أسير واحد، وهذا بالطبع ليس حافزاً على الامتناع عن العنف". ويرى ليفي أن الإجراءات المحدودة مثل "الخروج الجزئي من غزة وبيت لحم وإزالة الحواجز الثلاثة في رام الله أدى إلى شيء من الارتياح في أوساط السكان، لكنها قليلة جداً ومتأخرة جداً، فهي لم توجه –حسب رأيه- إلى الفلسطينيين وإنما إلى الأميركيين".

بعد نشر مقالة ليفي بيومين أفرجت السلطات الإسرائيلية عن عدد من الأسرى ليتبين أن بينهم 100 سجين جنائي لم يطالب بهم أحد، إضافة إلى معتقلين إداريين في آخر أيامهم وآخرين ستنتهي محكومياتهم بعد وقت قليل. وقد وصل مجموع هؤلاء إلى جانب المائة المشار إليهم حسب المصادر الإسرائيلية إلى 443 سجيناً لا أكثر، أما القلة من سجناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي فهم من ذات الصنف.

يشار هنا إلى أن بإمكان السلطات الإسرائيلية لو أرادت أن تعيد اعتقال هؤلاء جميعاً في غضون ساعات لا أكثر، بل إن بإمكانها أن تعتقل رقماً أعلى لو أرادت ذلك، ولن يكلفها الأمر سوى حظر للتجول في بضع مناطق مع حملة مداهمات لبيوت المعنيين.
وينطبق هذا على الحواجز التي أزيلت أو المناطق التي خرج منها الجيش، إذ إن من غير العسير إعادته إلى المناطق كما كان، وإن كلف ذلك كثيراً من الجهد والمال.

الساحة الإسرائيلية.. أصوات التهدئة وأصوات النفير
في الساحة الإسرائيلية هذه الأيام كثير من الجدل، حيث يواصل اليمين المتطرف حملته ضد خارطة الطريق واستحقاقاتها إضافة إلى مسألة الإفراج عن السجناء، بيد أن قراءات الرأي العام تشير إلى أن الغالبية مازالت تميل إلى منح فرصة للتطورات الجديدة من خلال إجراءات تسهل حياة الفلسطينيين بدل دفعهم إلى "العنف" من جديد، معتبرين أن ذلك -وإن انطوى على بعض الخطورة- لا يشكل معضلة إذا ما قورن بعودة الفلسطينيين إلى "الإرهاب" من جديد.


الانحياز الأميركي لشارون تبدى واضحاً من خلال التأييد الذي حصده شارون أثناء زيارته لواشنطن، وبوش لن يصطدم باليهود وبالكونغرس وهو على مشارف الانتخابات
والحال أن شارون يميل إلى هذا الرأي على نحو واضح وإن تلكأ في اتخاذ إجراءات على الأرض إلى جانب استمراره في بعض الممارسات، ربما قناعة منه بهزال الوضع الفلسطيني وإمكان الضغط عليه بغية دفع السلطة نحو "تفكيك البنية التحتية للإرهاب"، سيما وهو يجد في البيت الأبيض من يدعم خياره في هذا الاتجاه.

تبقى مسألة الجدار كمعضلة أخرى في السياق، فقد جاء تفهم الأميركيين اللاحق بعد الانتقاد الأولي ليزيل عن شارون عبئاً مهماً، فيما جاءت الانتقادات اللاحقة لتعيد القضية إلى الواجهة، وهو ما دفع إلى التفكير في إعادة النظر في مساره على الأرض.

وقد نقلت صحيفة "معاريف" عن مصادر سياسية قولها إن تعليمات قد صدرت للجيش ووزارة الدفاع بالتخطيط لبديل آخر لمسار الجدار بحيث يخفف من أعبائه على الفلسطينيين، ما يعني أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يبدي تجاوباً مع الشروط المطلوبة بما يدفع السلطة نحو وضع أفضل يمكنها من دفع الاستحقاقات المطلوبة منها في ظل أوضاعها الصعبة والمعقدة القائمة.

المواقف العربية والدولية
في ظل الظروف المعقدة التي تعيشها القضية الفلسطينية ومسيرة خارطة الطريق يحضر الموقف الأميركي كعامل مهم وحاسم. والحال أن أحداً لا يمكنه المماراة في أن ثمة حاجة أميركية إلى عدم وصول الأوضاع إلى طريق مسدود، فضلاً عن شعور صهاينة الإدارة بأهمية المسار لدولتهم الأم.

ولا شك هنا في أن الانحياز الأميركي لشارون لم يتزعزع كثيراً، وقد تبدى واضحاً من خلال زيارة محمود عباس لواشنطن ثم زيارته هو (أي شارون) لها، وما حصل عليه من دعم وتأييد. أما التلويح بالضغط بسبب موضوع الجدار فلا يبدو جدياً لأن بوش لن يصطدم باليهود وبالكونغرس وهو على مشارف الانتخابات.

في المقابل يبدو الموقف الأوروبي متفهماً للفلسطينيين قياساً بالموقف الأميركي. ويشار هنا إلى أن الأوروبيين بذلوا جهوداً واضحة مع الدول العربية وقوى المقاومة للوصول إلى الهدنة، فيما يعتقدون أن على شارون أن يقدم مقابلها شيئاً. ولما كان هذا الأخير لا يقدم الكثير فإن الموقف الأوروبي سيميل إلى الاعتدال قليلاً في ضغوطه على الفلسطينيين سلطة ومقاومة.

المواقف العربية من جهتها لا تبدو في عجزها القديم، إذ لا شك أن اندلاع المقاومة العراقية قد منحها شيئاً من التماسك، إضافة إلى تلكؤ شارون في دفع استحقاقات الهدنة على نحو مقنع، ما يعني أن الضغوط العربية على الطرف الفلسطيني ستتراجع لصالح تفهم موقفه على نحو أفضل من السابق.


فصائل المقاومة تحرص على عدم الصدام بالسلطة، والأخيرة تميل إلى أخذ قرار من الفصائل بجعل الهدنة "متواصلة وثابتة" مقابل أن تكف إسرائيل عن مطالبتها بضرب البنية التحتية العسكرية لتلك الفصائل
قوى المقاومة وأسئلة الهدنة

إلى جانب مأزق السلطة الواضح تبدو قوى المقاومة -حماس والجهاد تحديداً- في وضع لا تحسد عليه، ذلك أن وقفها للمقاومة يشكل تجاوزاً لخط أحمر لم تتجاوزه من قبل. وبينما وضعت شروطاً للهدنة قالت إنها مرتبطة بها، لا يبدو أن شارون قد نفذ شيئاً منها حتى الآن بعد مرور أكثر من شهر على الإعلان. فالعدوان بكل حيثياته لم يتوقف، والحصار لم يرفع عن الرئيس الفلسطيني، والأسرى لم يفرج عنهم، فلماذا الالتزام إذاً؟!

في ضوء ذلك يمكن القول إن البيانات التي صدرت مؤخراً توحي بأن حركتي حماس والجهاد الإسلامي على وشك إعادة النظر في الهدنة واللجوء إلى نوع من الفعل المقاوم لا يصل حد التصعيد ولا يتوقف على نحو كامل، أي الرد على نحو محدود بناء على الخروقات الإسرائيلية.

ولا شك في أن ذلك سيشكل حرجاً للسلطة وإن بدا ضرورياً بالنسبة لقوى تحرص على مصداقيتها أمام جماهيرها، وحتى لا تبدو في وضع مهزوم أمام الغطرسة الإسرائيلية. وقد جاءت تحركات كتائب الأقصى التابعة لحركة التحرير الفلسطينية (فتح) لتمنح هذا الخيار دفعة مهمة على اعتبار أنها تمثل الحركة التي يفترض أنها تتبع السلطة وينبغي أن تكون الأكثر التزاماً بخطها وتوجهاتها. أما اغتيال كوادر حماس في نابلس فقد يدفع باتجاه رد ما يضع "الهدنة" ضمن مسار جديد.

من المؤكد أن قوى المقاومة تحرص على عدم الصدام بالسلطة، غير أن ذلك لا يعني السكوت الشامل مادام العدو مستمراً في غطرسته وخروقاته فضلاً عن عدم تحقيقه أياً من شروط الهدنة، فيما يبدو أن السلطة تميل إلى أخذ قرار من الفصائل بجعل الهدنة "متواصلة وثابتة" مقابل أن تكف تل أبيب عن مطالبتها بضرب البنية التحتية العسكرية لتلك الفصائل. وقد ذكر أن وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني نبيل شعث قد نقل هذا الاقتراح إلى وزير الخارجية الإسرائيلي سلفان شالوم، وهو ما رفضه هذا الأخير.

من هنا يبدو سؤال الموقف من مسألة تفكيك البنية التحتية لقوى المقاومة هو الأكثر أهمية وحضوراً في اللعبة، وإذا ما ذهبت السلطة في هذا الاتجاه فسترفض قوى المقاومة ذلك مما قد يرتب أوضاعاً داخلية صعبة، فيما يبدو أن المراوحة ستبقى سمة الموقف بشكل عام، أي أن السلطة لن تصطدم بالمقاومة كما لن تتوقف عن مسيرة "خارطة الطريق"، وبذلك يبقى الموقف رهناً بالتطورات الخارجية سيما في العراق، ذلك أن تصاعد الورطة الأميركية سيؤدي إلى تعثر مسيرة الخارطة وعودة خيار المقاومة متناغماً مع المقاومة العراقية.

أما إذا قدم شارون استحقاقات معقولة وضغط الأميركيون فستتقدم الخارطة على نحو أفضل، غير أن اصطدامها بالحائط المسدود لن يكون طويلاً حين تأتي استحقاقات الوضع النهائي. والحال أن الرئيس الأميركي جورج بوش سيبقى حريصاً على استمرار المسيرة التفاوضية، أقله حتى نهاية العام القادم حيث تحسم مسألة الانتخابات الرئاسية التي تهمه أكثر من أي شيء آخر.
__________________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة