وداع التاريخ أم قيامته؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

خيري منصور*

أسباب عديدة تدعونا للاعتقاد وربما الجزم بأن العالم قد دشّن في بواكير ألفيته الثالثة حقبة أخطأها كل من استبقها وتنبأ بها، فأبرز الكتب التي صدرت في نهاية القرن العشرين، كانت بحاجة الى خيال سياسي يصل حدّ الفنتازيا كي تقول واحدا بالالف مما يقوله الواقع الآن، سواء تعلّق بتهديد أهم منجزات البشرية بعد الحرب العالمية الثانية أو باعادة انتاج المفاهيم قبل اعادة انتاج الخرائط والتضاريس السياسية والأيديولوجية، وبالرغم من ادعاء العالم بأنه يعيش ذروة التكنولوجيا والشفافية المعلوماتية الا أن أخطر الأحداث وفي مقدّمتها الحرب أصبحت من اختصاص العرّافين وقرّاء الطوالع في فناجين الجنرالات !


لم يحدث من قبل أن تحوّلت الحرب المحتملة إلى وشيكة وأخيرا إلى أن تستبق نفسها وموعدها كما حدث الآن، فقد انعكست حتى الطرائف التي اقترنت بالحروب
ولم يحدث من قبل أن تحوّلت الحرب المحتملة الى وشيكة وأخيرا إلى أن تستبق نفسها وموعدها كما حدث الآن، فقد انعكست حتى الطرائف التي اقترنت بالحروب خصوصا الحروب الكونية في النصف الآول من القرن الماضي، فما أجاب به ونستون تشرشل سائق سيارته عن موعد انتهاء الحرب، أصبح الآن مقلوبا، والجميع يتساءلون عن بدايتها وليس عن نهايتها ان كان لها نهاية، وما من مراقب أو حتى مختص إلا واعترف في لحظة ما بأن المنطق لم يعد السبيل الذي يمكن الارتكان إليه لتحليل المواقف، والبحث عن سياق عقلاني لتطوّر الأحداث،

فالحرب بدأت منذ زمن تنقطع عن أسبابها وربما عن ذرائعها المعلنة أيضا، فتقارير المفتشين قد لا تكون صارمة لصالح العراق، لكنها ليست كافية أيضا لاستكمال منطق الحرب، وتبريرها!

ولم يبق أمام واشنطن وصقورها إلا ابتكار لجان تفتيش جديدة تنعّش ضمائر المفتشين وذاكراتهم، وقد تستمر هذه المتوالية إلى ما لا نهاية رغم التصريحات الأميركية المتعاقبة التي تعلن التبرّم والضّجر من مواصلة اللعبة, الرئيس بوش أعلن نهاية اللعبة لكنه استمر فيها، ولم يقل أنه في الوقت الضائع، لأن السّرعة وأحيانا الرشاقة التي يناقض بها نفسه تبدو مثيرة، وتشكك العالم الثالث المتورط بأمراض الشخصنة

الإعلام الأمريكي يشحذ نرجسية الرئيس، ويضيف إلى قراراته العسكرية بعدا عقائديا( أيديولوجيا) ولم يتردد صحفي أمريكي في إسناد كل خطب الرئيس التي بثّت في مناخات دراماتيكية إلى مرجعيّات دينية
وضعف المؤسسية بأن الولايات المتّحدة قد باتت هي الأخرى ضحية هذه الشّخصنة، فالإعلام الأمريكي يشحذ نرجسية الرئيس، ويضيف إلى قراراته العسكرية بعدا عقائديا( أيديولوجيا) ولم يتردد صحفي أمريكي ( هوارد فاينمان) في إسناد كل خطب الرئيس التي بثّت في مناخات دراماتيكية إلى مرجعيّات دينية، معظمها يعود إلى العهد القديم، بالمقابل لم يعدم النظام العراقي من يضمّخ خطابه السياسي بأجواء دينية، لكأن الطرفين استدعيا الاحتياطي الوجداني لدى شعبيهما فتجاوزت الحرب أسبابها الإستراتيجية إلى أسباب يمكن وصفها بالميتا استراتيجية أو الما بعد استراتيجية، وحين ينزلق السّجال السياسي وما يعقبه من احتدام عسكري إلى هذه الميتافيزيقا، فان التاريخ كما العقل يصبحان في عطلة طويلة، لقد دعا الرئيس العراقي الرئيس بوش إلى مناظرة متلفزة، وكان نائبه طه رمضان قد ذهب الى ما هوأبعد، عندما طالب بالمنازلة او المبارزة وفق مفهوم فروسي بائد في أيامنا، أليس هذا الاندفاع الى ما وراء التاريخ رغم مكوثه في صميم الجغرافيا دليلا على أن حروب ما بعد الحداثة قد بدأت، وإن كانت هذه الحرب هي التمهيد والعزف التجريبي, وأول ما تستثيره هذه الحرب سواء كانت وشيكة أو قاب عشرة أيام من وابل القصف والتدمير هو أنها بدأت تتغذى حتى من معوّقاتها، بمعنى آخر أصبحت تحول كل المصدات الى عوامل تحفيز وروافع لها، ما دام التشكيك بالنوايا العراقية لا يقبل المراجعة، وما دام الاستخفاف بما كان يسمى حتى الخامس عشر من آذار الرأي العام الدولي قد بلغ ذروته، فلا تعريب المسألة العراقية ( قمة شرم الشيخ) ولا أسلمتها ( قمة الدوحة الاسلامية) أفلحتا في إنجاز عائق واحد للحرب، خصوصا إذا استبعدنا في لحظات حرجة كهذه الخطاب الدبلوماسي الذي يرفع العتب أو يغسل الضمير في محاولة استباقية لتبرئة الذات من الدّم الذي يتهيأ للنزيف من خاصرتي العراق، وربما القلب أيضا‍.

لقد أتاح لنا الرّصد الأولي لمقتربات تحليل الأزمة، القبض باليد المجرّدة على نقطة الانعطاف أو الانقلاب الذي خلخل هذا الكوكب، فلا تاريخ الديبلوماسية بكل أسمائها من الاحترازي والوقائي والساخن دافع عن جدواه في هذه اللحظة، التي تشهد تجسيدا غير مسبوق لما سمّاه " فولبرايت" رعونة القوة، وما التصدّع الذي أصاب العالم،

التصدّع الذي أصاب العالم، وهدّد حتى الأحلاف التي كانت للتو تحتفل بالالتئام التمدد كالحلف الأطلسي إلا أول الدم - لا الغيث - في هذا القرن، الذي لن يكون قرن السّلام وحقوق الإنسان بقدر ما سيكون قرن التفجّر" الإثني" والتذرر القومي
وهدّد حتى الأحلاف التي كانت للتو تحتفل بالالتئام التمدد كالحلف الأطلسي إلا أول الدم - لا الغيث - في هذا القرن، الذي لن يكون قرن السّلام وحقوق الإنسان بقدر ما سيكون قرن التفجّر" الإثني" والتذرر القومي، لكأن الحرب الباردة لم تضع أوزارها بعد، فالأعوام التي أعقبت إعلان نهايتها كانت مشبعة بما فاض عنها، وقد يمرّ وقت آخر ليس بالقصير قبل أن يستكمل النظام العالمي الجديد إطاره أو حتى محتواه،

وأخطر ما أنجزته الولايات المتحدة من خلال إدارتها الحالية ومخالب صقورها المشحوذة هو الجهر بتغليب المصالح الذاتية على أية مصالح ذات صبغة إنسانية، بحيث بدت كلمة ( الآخرين ) تشمل القارات كلها باستثناء " القارة الأميركية "‍

ومن يصف أوروبا بأنها عجوز، بلغت شيخوختها يقول أيضا - حتى لو لم يعلن ذلك - بأنه الفتيّ المعافى، والقادم من المستقبل، فهل الولايات المتّحدة كذلك فعلا؟ وهل ستصدّق نبوءة " بريجنسكي" مستشار أمنها القومي الأسبق بأن العقود الثلاثة القادمة ستكون أمريكية حتى النخاع؟

الأرجح أن من قالوا لأمريكا ( لا ) بملء الفم، وبمختلف لغات العالم ليسوا مجرّد ركام بشري عديم الفاعلية، كما أن المظاهرات الحاشدة التي جرى تنظيمها تحت شعارات ذات دلالات سياسية وأيديولوجية ليست موسمية أو رقصة تحت سماء ممطرة, فما تعزفه واشنطن ليس ساكسفون كلنتون ولا أوكارديون المستر

الولايات المتحدة التي وصفها أعزّ الأبناء بأنها ماهرة في ابتكار الأعداء وتجييش الكراهية، قد لا تصحو من هذه النوبة في الوقت المناسب
هنري، إنه أسلحة تهدد السلاح التدميري الشامل بما هو أشدّ تدميرا وشمولية منه‍. وما يكتب الآن بقلم الرّصاص وعلى درجة من الحياء السياسي والاعلامي، قد يجري تعميقه بالخط الأحمر، فالولايات المتحدة التي وصفها أعزّ الأبناء مثل صموئيل هانتجتون بأنها ماهرة في ابتكار الأعداء وتجييش الكراهية، قد لا تصحو من هذه النوبة في الوقت المناسب، وإذا كان لكل امبراطورية في التاريخ" عقب آخيل" الذي يخترقها السّهم المسموم من خلاله فأن " عقب آخيل " الأمريكي قد يكون من داخل الجسد الأميركي، ومن صميم ما سمّاه فولبرايت رعونة القوة، التي عندما تفيض تغرق صاحبها وتعميه.

نعم، لقد قدّم المنطق استقالته طائعا في هذه الأزمة، فالرئيس بوش اهتدى بالقساوسة كما يقول ( هوارد فاينمان) ، قبيل فوزه بالرئاسة، ثم اهتدى بالعهد القديم ليكتب عهدا جديدا منقّعا بالدم لا بالحبر ونادرا ما توحّش التاريخ كما هو الحال الآن بحيث أصبح يتهيأ للولادة من الكهف ثانية إذا صدقت نبوءة فوكوياما بنهايته ووداع الإنسان فيه!
ـــــــــــــــ
* كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة