تنظيم الدولة.. الصعود والتداعيات على الإقليم   
السبت 1436/2/7 هـ - الموافق 29/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)
محمد غازي الجمل


مدخلات
تفاعل غير مسبوق
مخرجات

يغير صعود تنظيم الدولة الإسلامية البيئة السياسية في المنطقة ويؤثر في مختلف الملفات وأدوار اللاعبين الإقليميين والدوليين، ومن المفيد قراءة هذا التطور كتفاعل تنتج عنه مدخلات ومخرجات، تؤثر على البيئة السياسية والاجتماعية وعلى قضايا المنطقة.

مدخلات
عقب تزايد وحشية النظام السوري في قمع الثورة ولجوء إيران إلى التدخل شبه العلني بمليشيات طائفية تقاتل داخل سوريا، توجهت أطراف خليجية لزيادة الدعم للمقاتلين السلفيين بمن فيهم تنظيم الدولة الإسلامية بالاستفادة من تجربة سابقة في "الدبلوماسية الخشنة" القائمة على دعم مليشيات محلية لمواجهة "الدبلوماسية" ذاتها التي تعتمدها إيران.

لا يخفى احتضان البيئة الاجتماعية في البلدين اللذين ظهرت فيهما داعش، تطرفا فكريا تمثله مدرسة القاعدة، حيث يتغذى هذا التطرف من حالة "التهشيم" الاجتماعي والتهميش السياسي والاقتصادي

هذه العمليات المتبادلة حصلت على مرأى ومسمع من الدول الكبرى التي تغاضت عنها لاتفاقها مع السياسة الاستعمارية التي تفضل مواجهة الإرهاب على نجاح ثورات الشعوب، لما تستتبعه من استقلال للقرار السياسي والاقتصادي وتقديم للمصلحة الوطنية على المصالح الخارجية.

وقد دخلت هذه التطورات على مجتمع سوري مهشم بفعل جرائم النظام التي خلفت مئات الآلاف من القتلى وقرابة أحد عشر مليون لاجئ، إضافة إلى سجن وتعذيب مئات آلاف السوريين، وهو ما يدفع إلى بروز أكثر الممارسات تطرفا في سياق الثأر والدفاع عن الذات.

كما دخلت على مجتمع عراقي سني مهمش بفعل السياسات الطائفية لحكومة المالكي، التي سدت على السُنة مداخل العملية السياسية، بعد تفريق الاعتصامات السلمية بقوة السلاح وملاحقة أبرز السياسيين السنة وعلى رأسهم طارق الهاشمي نائب الرئيس السابق.

ولا يخفى اشتمال البيئة الاجتماعية في كلا البلدين -إما أصالة وإما عقب الثورات- على التطرف الفكري الذي تمثله مدرسة القاعدة المستندة إلى "فقه البداوة"، حيث يتغذى هذا التطرف من حالة "التهشيم" الاجتماعي والتهميش السياسي والاقتصادي.

تفاعل غير مسبوق
تزامن دخول هذه المدخلات إلى البيئة السورية والعراقية مع استخدام تنظيم الدولة تكتيكات متطورة مما أسهم في الصعود غير المسبوق لأي تنظيم من نوعه، ومن هذه التكتيكات:

- إعلان الخلافة الإسلامية، وهو ما يشكل عملية "تسييل" لمخزون كبير في وعي قطاع من الإسلاميين الذين يؤمنون بأنه إذا تم إعلان الخلافة تصبح نصرتها والهجرة إليها واجبة، وأنه لا يجوز منازعة من تعقد له البيعة أولا، مما أدى إلى هجرة الآلاف منهم إلى "دولة الخلافة"، إضافة إلى إعلان العديد من الجماعات السلفية الجهادية في سوريا والعراق وخارجهما مبايعة "الخليفة".

- المنافسة على تمثيل الهوية الإسلامية السنية في مواجهة العنف الطائفي الشيعي، وهو ما يكسب التنظيم تأييدا لا يستهان به في المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصا التي تشهد احتقانا طائفيا كالعراق وسوريا ولبنان واليمن.

- التحالف مع القوى المحلية -ممثلة في العشائر السنية- في العراق، وهو ما ساهم في اكتساح التنظيم مناطق واسعة في العراق من دون مقاومة تذكر.

ويشير هذا التحالف إلى تطور لافت في الفكر السياسي لتنظيم القاعدة في العراق، والذي كان قد خسر نفوذه وتسبب باندحار المقاومة العراقية عقب الغزو الأميركي بفعل عدميته السياسية، إذ إنه عادى حينها كل من لم يتفق معه في الرأي والمنهج، وخاض معارك مع الاحتلال الأميركي والسلطة العراقية بمدنييها وعسكرييها، ومع القوى الشيعية والكردية، بل مع فصائل المقاومة السنية التي خالفته في الموقف من الانتخابات والاستفتاء على الدستور، وهو ما أدى إلى استعداء العشائر السنية وتشكيل مليشيات "الصحوات" التي كان لها أكبر الأثر في اضمحلال التنظيم والمقاومة العراقية على حد سواء.

- الإمساك بالأرض والسيطرة الطويلة المدى على السكان والموارد الطبيعية، وهو ما يمد التنظيم بأسباب البقاء، حيث توفر حقول النفط التي يسيطر عليها المورد الأساسي له، إضافة إلى الضرائب والجمارك المتحصلة على ما يستهلكه قرابة ثمانية ملايين "مواطن" ضمن حدود دولته.

كما أن هذا التكتيك يرسخ سلطة محسوسة وقيادة مركزية للتنظيم تقوم بأدوار السيطرة والتحكم خلافا لما كانت عليه الحال مع التنظيم العالمي للقاعدة الذي أصبح تنظيما هلاميا تجمعه روابط الفكر أكثر مما تجمعه الروابط التنظيمية.

سعت أطراف عربية عديدة إلى استغلال الحرب على تنظيم الدولة لتعزيز الانقلاب على الربيع العربي ومخرجاته، من خلال تغطية إجراءاتها بستار الحرب على الإرهاب أو المخاوف الأمنية المستجدة

مخرجات
أدى صعود داعش إلى بروز خصم جديد سعت العديد من الأطراف لتوظيف الحرب عليه لدعم سياساتها وتحقيق مصالحها:

1- شكل صعود التنظيم دعما لتوجه إدارة أوباما نحو التفاهم مع إيران على توزيع النفوذ في المنطقة، ولو كان ذلك على حساب دول الخليج وتركيا، وخصوصا في الملف السوري، وقد ظهرت بوادر ذلك في تراجع الضغط الدولي على نظام الأسد، وتوسيع الغارات الغربية لتشمل جبهة النصرة وأحرار الشام، وما تسرب عن رسالة أميركية لمندوب سوريا في الأمم المتحدة مفادها بأن إدارة أوباما غير معنية بدعم أي معارضين بهدف محاربة النظام، ومساعي التنسيق مع النظام بشأن مواجهة داعش -وقد يندرج مشروع الهدنة في حلب في هذا السياق-.

وغني عن القول إن أعمال النظام الحربية على جبهة القتال مع داعش قد اكتسبت شرعية دولية ومحلية إلى حد ما.

إلا أن ما مهد لهذا التقارب هو نجاح السعودية وبدعم أميركي في استثمار صعود التنظيم في نيل مكاسب معقولة في العراق على حساب النفوذ الإيراني، بما قد يشكل قاعدة للتوافق بين الطرفين، وتمثل ذلك في إسقاط حكومة المالكي وزيادة التمثيل السياسي للسنة في الحكومة، إضافة إلى تولي الحزب الإسلامي رئاسة البرلمان، وتسليح بعض العشائر السنية، وهو ما يزيد الوزن السياسي والعسكري للسنة في العراق، ويشكل بديلا لهم عن التحالف مع تنظيم لدولة.

2- وبدورها سعت أطراف عربية إلى استغلال الحرب على التنظيم لتعزيز الانقلاب على الربيع العربي ومخرجاته، من خلال تغطية إجراءاتها بستار الحرب على الإرهاب أو المخاوف الأمنية المستجدة.

ففي مصر يبرر النظام عسكرة الدولة بأنها في سياق محاربة الإرهاب، وطلب "السيسي" من الإدارة الأميركية تعميم الحرب لتشمل كل الجماعات الإرهابية، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين، كما بدأ الجيش المصري عمليات أمنية غير مسبوقة في سيناء تحت مسمى مكافحة الإرهاب.

وفي سوريا سعى النظام لتعزيز روايته بأن ما يحصل في بلاده هو حرب على الإرهابيين، وفي الأردن تسارع التراجع عن الإصلاح السياسي تحت غطاء من المخاوف من تمدد تنظيم الدولة، حيث تعززت المقاربة الأمنية في التعامل مع المعارضة، وتم تعديل الدستور لتوسيع صلاحيات الملك، إضافة إلى تعديل قانون مكافحة الإرهاب وتغليظ عقوباته وتوسيع اختصاصاته بما يسهل التوظيف السياسي له.

3- أما إسرائيل فتسعى إلى تشكيل حلف معلن مع دول "الاعتدال" تحت مسمى مواجهة خطر الإرهاب، الذي يشمل بالطبع أعمال المقاومة للاحتلال، ويبدو أن هذا المنطق يلقى قبولا من بعض أنظمة هذه الدول، وخصوصا في مصر حيث تتم شيطنة المقاومة الفلسطينية بالتوازي مع إقامة منطقة عازلة على الحدود مع غزة.

ويضاف ذلك إلى الضرر الذي لحق بالقضية الفلسطينية بفعل توجه الاهتمام الدولي إلى الحرب على الإرهاب، والتغاضي عن الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وآخرها ما جرى في العدوان على غزة.

صبّ صعود التنظيم في صالح القوى الكبرى كالولايات المتحدة وإيران، كما استفادت منه الثورة المضادة والأنظمة التي تدعمها، في وقت كان الخاسر الأكبر هو شعوب المنطقة التي تتراجع لتجلس في مقاعد المتفرجين على المعركة العالمية

وعلى صعيد مواز شكل صعود داعش تحديا لمشاريع النهضة العربية عموما ولجماعة الإخوان المسلمين خصوصا، على الصعيد الفكري والسياسي:

- فعلى الصعيد الفكري شكل نجاح التنظيم في السيطرة على مناطق واسعة وإعلانه الخلافة دعاية ضخمة لفعالية الأيديولوجيا التي يتبناها، وذلك في مواجهة الأيديولوجيات التي تعتمد المنافسة الديمقراطية والتي تلقت صدمة كبيرة بالانقلاب العسكري في مصر والثورة المضادة في المنطقة.

وبالمقابل فإن ممارسات التنظيم وسعت النقاشات المجتمعية حول التراث الإسلامي وأهمية تنقيته من كل ما يدعم الممارسات المسيئة باسم الدين، كما نبهت إلى أهمية الفهم المعتدل للإسلام في إرساء الاستقرار والتنمية، وهو ما قد يدعم مشاريع النهوض الوطني على المدى الطويل.

- وعلى الصعيد السياسي فقد تضررت جماعة الإخوان من سعي تنظيم الدولة -وتنظيم القاعدة- لتمثيل الهوية السنية، ولعل الصورة الأوضح لذلك تحالف قبائل يمنية مع القاعدة لمواجهة الحوثيين بعد تفادي حزب الإصلاح الصدام العسكري، كما تشوشت بيئة عمل جماعة الإخوان بما وفره التنظيم من مبررات لانتهاج الأنظمة في المنطقة سلوكا أكثر استبدادا.

وبالإجمال فقد صب صعود التنظيم في صالح القوى الكبرى كالولايات المتحدة وإيران، كما استفادت منه الثورة المضادة والأنظمة التي تدعمها، في وقت كان الخاسر الأكبر هو شعوب المنطقة التي تتراجع لتجلس في مقاعد المتفرجين على المعركة العالمية التي تديم الحلقة المفرغة: استبداد ينتج إرهابا يستدعي تدخلا أجنبيا يديم بدوره الاستبداد!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة