روسيا بعد 15 سنة.. وداعا للدولة المستباحة   
الاثنين 1427/12/5 هـ - الموافق 25/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:27 (مكة المكرمة)، 13:27 (غرينتش)

عاطف عبد الحميد

- صور ملتبسة
- قصة عهدين
- بدائل الإمبراطورية

"مجرد من الرحمة ذلك الذي لم يحزن لانهيار الشيوعية، ومجرد من العقل ذلك الذي يتمنى عودتها من جديد".. (مقولة شعبية روسية).

تحل في هذه الأيام ذكرى مرور 15 سنة على سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا تستمد هذه المناسبة أهميتها من تداعيات الحدث الإقليمية والعالمية وحسب، لأن الأكثر لفتا للانتباه كان تلك السرعة الهائلة التي لملمت بها روسيا مكانتها المنفرطة، وبدرجة ليس لها سابق في التاريخ.

لقد ترك سقوط الشيوعية (التفاحة العفنة حسب مصطلحات الحرب الباردة) آثارا راديكالية، أكثرها وضوحا ما عاناه العالم الثالث من التفرد الأميركي، وأكثرها تجاهلا الصدمات النفسية والاجتماعية التي تعرض لها أكثر من 280 مليون نسمة كانوا يشكلون سكان ذلك الاتحاد، 50 مليون منهم مسلمون.

التغيرات التي وقعت في السنوات الماضية لم تقف عند حدود التنوع المربك في التيارات الفكرية، ولم تكتف بالتخلي عن النظر إلى الجنس والمخدرات والدين كثالوث للبورجوازية، فقد جلبت السنوات الماضية أسوأ علامات استغلال الإنسان ممثلة في التفاوت المفزع في الدخل، وتصدير تجارة الرقيق الأبيض، ودعارة الأطفال، وهلاك مئات الآلاف بسبب الإيدز وإدمان الخمور والمخدرات.

قد تمثل تلك المشاهد المفزعة مناسبة جيدة للترحم على السوفياتية من قبل شيوعيي روسيا ويساريي العالم الثالث.

"
روسيا التي سحقت الشيشان وحذفتها من الخريطة الذهنية للعالم الإسلامي هي روسيا التي صارت عضوا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وروسيا التي أغمضت العين عن احتلال العراق وساعدت في احتلال أفغانستان هي التي تحمي البرنامج النووي الإيراني وتغازل مصر وسوريا ببرنامج مشابه
"
صور ملتبسة

منذ سقوط الجدار الحديدي لم يعد الروسي حبيسا في وطنه ينظر إلى السائحين الغربيين كمخلوقات فضائية ترمز إلى عوالم خارجية، فقد صرنا نصادفه في كل مكان من العالم، من الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا، إلى دبي والقدس المحتلة وشرم الشيخ، لكن السؤال المهم هو ماذا يفعل الروس خارج وطنهم؟!

حتى اللغة الروسية التي كانت مكتفية بنفسها مستغنية عن غيرها، تفاعلت الآن مع معطيات العالم المتناقضة، وليس عجبا إذن أن يضع المركز الثقافي الروسي في القاهرة إعلانا ضخما مروجا لما يقوم به من تعليم المصريين اللغة الإنجليزية.

ورغم السنوات الطويلة التي مضت منذ سقوط الشيوعية لا تزال الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية لروسيا، التي يصنعها عادة مراسلون مفتونون بسحر التناقض وسطوة الغريب والنادر، حائرة بين الغموض والالتباس.

تظهر روسيا في هذه الصورة دولة قيصرية تحكمها طموحات إمبريالية، ويتزعمها ديكتاتور، أو على الأقل "أمير على مملكة نفطية" يسوق مجموعة هائلة من السكان المطيعين.

لم تتغير روسيا إذن في نظر هؤلاء عما كانت عليه زمن الحرب الباردة حين أسماها المخططون في واشنطن "دولة العبيد"، ولم تتغير روسيا بوتين في نظرهم كثيرا عن الصورة التي رسمها جورج أورويل لروسيا ستالين في رواية "مزرعة الحيوان".

لكن العقل الغربي يبدو أيضا مستعدا لقبول مرئية أخرى متناقضة تبدو فيها روسيا دولة تجتهد بانتظام للحاق بالقارة الأوروبية، تصلح نظامها الاقتصادي، وترفع دخول مواطنيها، ولا غنى عنها لاستقرار أمن الطاقة العالمي، ومخفر أمامي في الحرب على الإرهاب وحصار تنظيم القاعدة.

ليست الصورة في عالمنا العربي أقل ارتباكا، فروسيا التي سحقت الشيشان وحذفتها من الخريطة الذهنية للعالم الإسلامي هي روسيا التي صارت عضوا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وروسيا التي أغمضت العين عن احتلال العراق وساعدت في احتلال أفغانستان هي روسيا التي تحمي البرنامج النووي الإيراني وتغازل مصر وسوريا ببرنامج مشابه.

وروسيا التي وضعت الإخوان المسلمين على رأس قائمة الإرهاب الدولي هي التي استضافت قادة حماس وتتعامل مع الحركة كلاعب أساسي في الشرق الأوسط.

هذه هي ثمرة المرحلة الانتقالية، وهي نتيجة متوقعة لتناقض المبادئ والممارسات، وستستمر لفترة مقبلة من الزمن، إن كان بوسعنا تعيين خيط واضح في السنوات الـ15 الماضية بين روسيا كدولة "مستباحة" أي روسيا بوريس يلتسين، وروسيا القوية ذات "الأذرع الطويلة" أي روسيا فلاديمير بوتين.

"
انتقلت روسيا في عهد فلاديمير بوتين إلى سنوات القبضة الحديدية بزعامة نظام "وطني مستبد" صاغ مفهوما جديدا للانتماء يقوم على استعادة المكانة الدولية لروسيا والحفاظ على الأمن القومي في آن
"
قصة عهدين

يعتبر القوميون الروس أن وطنهم بدا مستباحا في السنوات العشر العجاف (1991-2000) في عهد بوريس يلتسين، حين انتزع أباطرة المال ثروة الشعب بالتواطؤ مع الصفوة الحاكمة، وتمكن المقاتلون الشيشان من دهس سمعتها الدولية في الوحل رغم ضعف عتادهم وقلة عددهم.

لم تكن الشيشان استثناء، فالدولة المستباحة بدت جد لافتة في سنوات يلتسين الأولى حين سعت كثير من الوحدات الفدرالية إلى بلورة شخصيتها والسير على طريق الانسلاخ.

فقد أعلنت جمهوريات الأورال الإسلامية عن تبني الفرنك الأورالي عملة محلية بدلا عن الروبل الروسي، وقامت منطقة تيومين الغنية بالنفط – مسقط رأس الرئيس الروسي بوريس يلتسين – بتبادل السفارات مع دول أجنبية مثل أوكرانيا.

كما أجرت جمهورية سخا–ياكوتيا (في الشرق الأقصى) الغنية بالماس مفاوضات تجارية مع كبرى شركات الماس في العالم دون الرجوع إلى الحكومة المركزية في موسكو وسكت لنفسها عملة خاصة.

عادت البورجوازية من جديد في روسيا يلتسين إلى درجة فاقت المفاهيم التقليدية.

ما زلنا نتذكر زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيغانوف في أوج عهد يلتسين يقول "لقد طال ارتفاع الأسعار كل السلع فيما عدا الفودكا (مشروب الخمور الرئيس) التي باتت أرخص بثمان مرات عن الخبز، إنه هدف مكشوف للبورجوازية الاستغلالية التي تسعى إلى تغييب الشعب. ألا يكفيهم أن 86% من أطفالنا مرضى، لن نكون مخطئين إذن إذا سمينا ما تتعرض له أمتنا إبادة جماعية".

الكارثة الكبرى كانت الفساد والرشى وسرقة المعدات العسكرية وارتباط بعض العسكريين بالمافيا الروسية، إلى درجة لم يعد معها الأمر قابلا للكتمان.

فقد أعلن رئيس الوزراء الروسي في منتصف عهد يلتسين عن خطة جديدة لإيقاف السرقة والفساد في الجيش الروسي، وذلك في أجواء تظاهرات شعبية اعتراضا على اغتيال صحافي روسي فضح عمليات الفساد الكبرى التي شهدتها القوات الروسية في ألمانيا.

انتقلت روسيا في عهد فلاديمير بوتين (منذ منتصف العام 2000) إلى سنوات القبضة الحديدية بزعامة نظام "وطني مستبد" صاغ مفهوما جديدا للانتماء يقوم على استعادة المكانة الدولية لروسيا والحفاظ على الأمن القومي في آن.

وحين استتب له الأمر وأعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية عزز بوتين من القبضة المركزية، فلم يترك لحكومات الأقاليم والجمهوريات دورا تلعبه، فأبطل منذ العام 2004 انتخاب المحافظين ورؤساء المناطق الإدارية، وأقر نظاما جديدا قائما على التعيين.

حقق فلاديمير بوتين، عبر ثلاثية الحزم والشباب وشمولية السيطرة، شعبية واسعة بين المواطنين الروس الذين يخشون أخطارا عدة أهمها تفكك الدولة وانهيار الاقتصاد وسيطرة الانتهازيين والانحسار الديموغرافي.

لم يكن مهما إذن تخلي بوتين عن منهج يلتسين الليبرالي الذي كان يخاطب الشعب الروسي بقوله أعزائي الروسيين وليس "أعزائي الروس"، فالأولى تعني كل ساكني روسيا بمختلف أعراقهم، بينما تعني الثانية الروس بالعرق.

لم يكن ذلك التخلي مصادفة، فالسكان ذوو الأصول الروسية (وهم الأغلبية) دوما ما كانوا يشتكون في عهد يلتسين من أن وطنهم سيرثه مسلمو القوقاز وآسيا الوسطى والمهاجرون من الصين.

الدرس القاسي لقنه بوتين لكل القوميات والأعراق الساعية للانفصال، فمن رحلات يقود فيها طائرات مروحية إلى زيارات في أكثر بقاع الحرب الشيشانية سخونة، تمكن الرئيس الروسي من إنهاء الصراع في الشيشان وتصفية كل الزعماء الشيشانيين أينما وجدوا، من الخليج العربي إلى الغرب الأوروبي.

لم يكن الفتية المغرورون يتوقعون أن عميلا في المخابرات سيصبح رئيسا للبلاد، ويسوي دولتهم الوليدة بالأرض، وقد وعى الجميع الدرس ولم تعد هناك الآن هواجس من انتقال عدوى العصيان إلى بقية الجمهوريات الروسية.

"
انتهت في روسيا مرحلة الدولة المستباحة التي قادها لصوص المال ومهربو السلاح وعرابو الفساد، كما انتهت مرحلة الدولة المهددة بالتفسخ، وتبدأ الآن مرحلة جديدة تجمع فيها روسيا قبضة سلطوية واسعة وثروة هائلة وبراغماتية احترافية في التعامل مع كل الأضداد
"
بدائل الإمبراطورية

ليس صحيحا وصف روسيا اليوم بالإمبراطورية، لكنها أيضا ليست دولة إقليمية عادية، إذ تقف بين المنزلتين، مستندة إلى بدائل المرحلة الانتقالية.

تتألف هذه البدائل من عدة مناورات أهمها تدعيم استخدام الغاز الطبيعي للتأثير على القارة الأوروبية وطمأنتها بالركون إلى روسيا كأهم شريك في أمن الطاقة.

وفي الوقت نفسه تستخدم موسكو الغاز في تهديد النظم التي لا ترضى عنها برفع الأسعار للضغط على الأوضاع الداخلية في الدول التي "مرقت" من النفوذ، مثل أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا. وتحافظ روسيا على مكانتها كثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم.

وفي فترة الرئيس بوتين فقط ارتفعت عائدات بيع السلاح من 3.5 مليارات إلى 6.5 مليارات دولار، ما جعل مصانع السلاح الروسي تنتعش كل أفرعها من الكلاشينكوف إلى الغواصات النووية.

وتناور روسيا إلى جانب ذلك بأوراق أكثر خطورة، في مقدمتها إبقاء القوات الروسية في أغلب دول الاتحاد السوفياتي السابق ما يكبل القرار السياسي في تلك الدول.

فقرب البلطيق هناك أكبر ترسانة مسلحة في منطقة كاليننغراد، وأمام السواحل الأوكرانية يتمركز الأسطول الروسي في البحر الأسود، وفي جورجيا ما زالت القوات الروسية مرابطة في عدة مناطق، كما هي الحال في أرمينيا وقرغيزيا وكزاخستان.

كما تتستر القوات الروسية خلف قوى حفظ السلام لتحقيق نفوذ واسع على مناطق النزاع السوفياتية السابقة، وأهم هذه القوات في كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (جورجيا) وترانسدنيستر (مولدوفا) وفي طاجيكستان، فضلا عن لعب دور حيوي في النزاع المجمد في ناغورنو كاراباخ، إضافة إلى استغلال الأقليات الروسية في دول الاتحاد السوفياتي السابق للضغط على حكومات تلك الدول.

وتشعر موسكو الآن بنشوة بالغة بعد أن وقعت الثورات الليبرالية الملونة (البرتقالية والحمراء والصفراء) في فشل ذريع واتهم قادتها بنفس ما كانت تتهم به روسيا من قبل: الفساد والتسلط.

وفي المنطقة العربية تمكنت روسيا من عقد اتفاقات إعلامية سرية مع دول المشرق العربي، تم من خلالها حظر نشر ما يمس الشيشان والأقليات الإسلامية في الإعلام العربي الرسمي.

وأقنعت هذه الالتزامات الجديدة كتاب الصحف الرسمية بضرورة "التكفير" عما ارتكبوه من آثام حين ألهبوا المشاعر الإسلامية بترجمة تقارير منظمات حقوق الإنسان عن التطهير العرقي في الشيشان.

لقد نفت موسكو أن يكون لها يد في اغتيال عميل المخابرات السابق ألكسندر ليتفينينكو الذي قدم كتابا اتهم فيه الحكومة الروسية بتلفيق الأعمال الإرهابية التي جرت في العاصمة موسكو (تفجير البنايات السكنية في نهاية 1999) لاتخاذها ذريعة لغزو الشيشان.

وهو نفسه الذي كان يقدم أدلة لاتهام الكرملين بقتل الصحافية الروسية أنا بوليتكوفسكايا قبل شهرين، عقابا لما نشرته عن جرائم الحرب في الشيشان.

يبقى فقط أن نعرف من سكوتلاند يارد أن جرعة السم الإشعاعي الذي دست لليتفينينكو تكفي لقتل 100 شخص، وأن تكلفتها بلغت 14 مليون دولار، وهي تفوق في فاعليتها طرق التسميم التقليدية بنحو 5000 مرة، وحينئذ لا يسع المرء إلا أن يطرح السؤال القديم، من المستفيد Cui Bono.

انتهت في روسيا مرحلة الدولة المستباحة التي قادها لصوص المال ومهربو السلاح وعرابو الفساد، كما انتهت مرحلة الدولة المهددة بالتفسخ وانفصال الأقاليم.

وتبدأ الآن مرحلة جديدة تجمع فيها روسيا قبضة سلطوية واسعة وثروة هائلة وبراغماتية احترافية في التعامل مع كل الأضداد.

لكن تلك الصورة قد لا تستمر طويلا، فالجميع يترقب حلول العام 2008 حين تنتهي الفترة الثانية الأخيرة للرئيس بوتين، حينها ستدخل روسيا حقبة جديدة مليئة بالمفاجآت.
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة