في وداع 2011   
الجمعة 1433/2/12 هـ - الموافق 6/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)
نبيل الفولي

 
عام استثنائي هو بكل معنى الكلمة، ليس على المستوى العربي فحسب، ولكن على المستوى الدولي كذلك. ومع أنه ليس العام الوحيد العجيب في تاريخ البشرية، بل ليس هو أعجب أعوامها على الإطلاق، فإنه بلا شك واحد من تلك الأعوام الاستثنائية في تاريخنا العربي على الأقل.
 
ذلك هو عام 2011 الذي صار جزءا مهمًّا من زماننا الذي نحياه بما شهده من ثورات عربية بدأت من سيدي بوزيد وفتاها الراحل محمد بوعزيزي، وطوفت بعشرات المدن العربية في آسيا وأفريقيا، وأزالت عروشا، وزعزعت "مسلمات سياسية" عربية ودولية، وفرضت مجموعة من المقولات الجديدة التي تهدم تلك المسلمات بعد أن طال عليها الزمن.
 
ومع أن حادث بوعزيزي/ سيدي بوزيد وقع حين كان عام 2010 يهم بالرحيل (17 ديسمبر)، فإن ما بقي من ذلك العام لم يكن كافيا ليبلور حدثا كبيرا إلى آخره، فتسلم الراية منه عام 2011، وطار بها في عالم العروبة بعيدا أكثر مما كان يحلم به الباحثون عن الحرية، وأبعد مما كان يخشاه ديكتاتور من شعبه.
 
عام له ما قبله
ومع أن الأقدار صناعة ربانية خالصة، فإن ذلك لا يعني أنها تمضي في عشوائية، أو أن الأحداث تولد بلا سابق إنذار، بل إن الأحداث في عمومها سلسلة متواصلة يسلم أولها إلى آخرها، ويمضي أحدثها في إثر أقدمها. وهنا تبدو فاعلية الإنسان في صناعة التاريخ -في دائرة الحرية التي منحها له خالقه- مؤثرةً في الواقع بصورة لا تُنكَر.
 
ولهذا لا يمكن أن ينفي الانبهارُ الكبير بأحداث الربيع العربي تلك الجذورَ التي أدت إلى أحداثه، ولعل أبرز هذه الجذور تتمثل فيما يلي:
 
أ‌- فقدان الأمل في الأنظمة الحاكمة
إن بداية الإيجابية والفاعلية تأتي من موقف عقلي ونفسي، يحس صاحبه معه بأن هناك ما ينبغي فعله مما تستدعيه الأحوال القائمة، كوجود تناقض ينبغي رفعه، أو مقطوع يحتاج وصلا، أو مسلوب ينبغي رده.
 
"
الأحداث في عمومها سلسلة متواصلة يسلم أولها إلى آخرها، ويمضي أحدثها في إثر أقدمها, وهنا تبدو فاعلية الإنسان في صناعة التاريخ -في دائرة الحرية التي منحها له خالقه- مؤثرةً في الواقع بصورة لا تُنكَر
"
لكن قد تلتبس الأمور على الشعور وعلى العقل معا، فيبقيان زمنا حتى يدركا ما ينبغي فعله. ومع أن الإنسان في هذه الحال لن يقوم بما ينبغي لأول شعوره به وفهمه له بالضرورة، فإنه سيبقى بلا شك على استعداد للقفز متى سنحت الفرصة للقيام بما وصل إليه اقتناعه، واطمأنت إليه نفسه.
 
ومثال هذا يظهر في حال وجود احتلال أجنبي غريب يوظف إمكانات البلاد وخيراتها في خدمة مصالحه، ويحرم منها أبناءها الذين نبتوا في تربتها، ونمت مشاعرهم على حبها والارتباط بها. في هذه الحال يتنبه العقل والشعور مباشرة إلى هذا التناقض الذي يحتاج إلى يد ترفعه.
 
وأما الاستبداد الوطني، فإن النفوس أصبر عليه من الاحتلال، وقد تتدخل عوامل تحدث توازنا في موقع المستبد في السلطة، كأنْ يكون سياسيا ماهرا يضمن الحقوق الوطنية تجاه الخارج، أو قائدا فذا يصون هيبة الدولة في مقابل الدول الأخرى، ويفرض كلمتها في ميادين السياسة الدولية، فيحدث في عقول الجماهير ما يشبه المقايضة، فتصبر على الجور الذي يلحقها من ذوي قرباها مقابل هذا الحفظ وتلك الهيبة والقوة.
 
وقد ترضى الجماهير –كما كانت العادة قديما شرقا وغربا– بأن تُوفَّر لها ضرورياتها وهامش من حرية الإبداع الفني والأدبي، مقابل أن تترك السياسة وشؤونها لطائفة أو مجموعة من أبناء مجتمعها تتكفل بحماية أمن المجتمع. وقد تنشغل الجماعة الحاكمة في هذه الحالة بتأكيد تكليفها من مصدر مقدس بإدارة البلاد والإشراف على أمر العباد، أو تتعدى ذلك إلى مزاعم بقداسة أفرادها أنفسهم، حيث تتحد المسالك والطرق إلى عتبة السلطان وعتبة الكاهن.
 
والذي حدث في الحالة العربية السابقة على الثورات الأخيرة هو أنها جمعت مساوئ الاحتلال بخبثه ودهائه والاستبداد بقسوته ووحشيته بعد فشل عملية التحديث التي كانت مجرد غطاء للعهد الجديد، حيث نابت الأنظمة الوطنية عن الاستعمار في رعاية مصالح الدول الكبرى فوق ترابنا وفي ثرواتنا، وركزت خيرات البلاد في يد الحاكم وحزبه ومن يدور في فلكه.
 
ولم يكن اكتشاف هذا يسيرا بعد أن لبست الأنظمة القناع الوطني البالغ الخداع، إلا أن إصرار الأنظمة مع مرور الوقت على سياسات القمع، وتضخيمها لأجهزتها وسياساتها الأمنية، مع فشلها اقتصاديا وتعليميا وثقافيا، وضعف إنجازها في خدمة القضايا الوطنية بأنواعها، وعدم سماحها حتى بالحوار مع الآخر، قد كشق حقيقتها وأدى إلى إحباط المواطن العادي والمثقف الذي سُدَّت في وجهه الطرق إلا ما يمر بكرسي الحاكم وحزبه.
 
ولا يُنتَظَر أن يبيع كل الناس في هذه الأجواء كرامتهم، ويندمجوا في الصورة الزائفة المفروضة على أوطانهم في مقابل عطايا السلاطين أو بالمجان، فكانت المعارضة السياسية في إطاريها المنظم وغير المنظم، وبصورتيها الناطقة والصامتة، يجوب ممثلوها الشوارع والطرق ورؤوسهم مشحونة بهموم الوطن المسروق، والطريق مقطوع بينهم وبين الحاكم الذي طال عليه الأمد.
 
وهنا جانب نفسي تسبب في سقوط هذه الزعامات التي أزالتها الثورات عن عروشها، فليس طول الأمد عليهم في السلطة وقضاؤهم فيها عقودا من الزمان أرقاما فارغة من المدلول، بل إن هذا الامتداد الزماني في الجلوس على العروش ينسي الناس أصولهم وأحوالهم السابقة، فيظنون أنهم وُلِدوا فوق كراسي الحكم، وورثوا الملك كابرا عن كابر، وأنه لا حق لأحد في أن ينافسهم على هذا "الحق الطبيعي" الذي في يدهم.
 
وهذا يفسر المواقف الحادة من هذه الأنظمة تجاه معارضيها، ورفضها حتى مجرد الحوار معهم، فكان الإحباط وفقدان الأمل فيها هو رد الفعل الطبيعي من المواطنين، وتراكمت مشاعر الكراهية بعضها فوق بعض مع مرور الوقت، حتى استحالت رفضا مطلقا لبقاء هؤلاء، وحين توفرت الأجواء لخلعهم خرجت شوارع الوطن وحاراته وزقاقاته تعلن ثورات العرب في سنة 2011.
 
"
لا أحد ينكر أن قناة الجزيرة هي الممثل الرئيس للإعلام الجديد، وأنها وإن لم تكن قد أعدت سيناريو الأحداث، فإنها أحسنت إخراجها، وأتاحتها لكل ذي عينين في العالم
"
ب- الإعلام العربي الجديد
قد تتوفر –كما سبقت الإشارة إليه- دواعي الفعل دون أن يقع؛ وذلك إما بسبب ضعف العزيمة، أو العيش في أجواء غير مواتية. وقد كان شوق كثير من شعوب العرب إلى تغيير زعاماتها أمرا نشأ في النفوس منذ زمن، بل حاول المصريون بالفعل الثورة على نظام الرئيس الراحل أنور السادات، وحاول الليبيون اغتيال القذافي مرات، إلا أن المشهد الثوري كانت تنقصه بعض العناصر، ومنها: الإعلام المؤازر، وشيوع درجة مناسبة من الوعي في نطاقات اجتماعية متنوعة، وسهولة الاتصال بين العناصر المستعدة للثورة.
 
وقد كانت المهمة المنوطة بالإعلام –قبل الثورات وأثناءها- محددة في: فضح الأنظمة، وتعرية مساوئها، وإبراز بطولات الثوار، وفوق ذلك: إشاعة روح الثورة بعد أن هبت نارها الأولى، والمساعدة على نقل عدواها عبر العالم العربي من خلال تلك الدراما الثورية التي كان العالم يتابع حلقاتها على الهواء مباشرة دون أن يذوب لديه الفاصل بين الحقيقة والخيال.
 
وقد كان الإعلام العربي الجديد –الذي نشأ أواخر القرن الماضي وأثبت جدارته مع افتتاح القرن الجديد– كان هذا الإعلام هو المعين على توفير أجواء مساعدة لنجاح الثورات العربية، حيث مثل الرئة التي تنفس منها العمل الثوري، وجاء النقل المباشر للاحتجاجات الثورية وتمددها وانحسارها وانفراجاتها وأزماتها ليمثل رصيدا ساعد الثوار على مواصلة طريقهم إلى نهايته.
 
ولا أحد ينكر أن قناة الجزيرة هي الممثل الرئيس لهذا الإعلام الجديد، وأنها وإن لم تكن قد أعدت سيناريو الأحداث، فإنها أحسنت إخراجها، وأتاحتها لكل ذي عينين في العالم، وليس هذا غريبا على الإعلام العربي الجديد الذي هز ما أراد أن يثبته النظام العالمي الجديد من مقولات تمثل الغرب منقذا وحاميا للحرية والديمقراطية في العالم، وساعد هذا الإعلام على زحزحة ما أراد أن يفرضه الاستبداد من مقولات تتلخص في أن الضامن لبقاء الأنظمة هو تحالفها مع النظام العالمي، وتوافقها مع السياسة الدولية السائدة، وتضخيم أجهزتها الأمنية القامعة للشعوب.
 
الزلزلة الضخمة تظل مجرد زلزلة ما لم يتبعها تغير على قدرها، والحدث الكبير يبقى حبيسا في قمقمه ما لم تتولد عنه تطورات تؤكد كبره، بل إن الحدث الصغير قد يكون أهم من الكبير بسبب ما ينتج عن كل منهما من نتائج تناقض حجمه، وأعجب من ذلك أن يلد الزمان فصولا عريضة من التاريخ لمجرد خطأ، فكريستوفر كولومبس الذي أخطأ فاتجه غربا باحثا عن الهند اكتشف أميركا التي صارت بقارتيها جزءا مهما جدا من العالم الأرضي بعد أن انكشف كله أمام الإنسان.
 
ولا تخرج الثورات العربية عن هذه الأحكام في أن ما يمكن أن تصنعه من واقع جديد في العالم هو الذي سيضعها في سلسلة الأحداث الكبرى في تاريخ المنطقة العربية، أو يمررها باعتبارها حدثا فريدا لم تكن له نتائج فريدة.
ولعل أهم ما أنجزته ويمكن أن تنجزه الثورات العربية التي انطلقت في 2011 يتمثل فيما يلي:
 
"
لعل أهم ما أنجزته الثورات العربية التي انطلقت في 2011 يتمثل في اكتشاف الشعوب لنفسها وقدرتها على الضغط السلمي حتى تحقق أهدافها، واستعدادها للتضحية من أجل ذلك، وهو أسلوب فريد يتجاوز في روعته أسلوب المهاتما غاندي السلمي
"
1- اكتشاف الشعوب لنفسها وقدرتها على الضغط السلمي حتى تحقق أهدافها، واستعدادها للتضحية من أجل ذلك، وهو أسلوب فريد يتجاوز في روعته أسلوب المهاتما غاندي السلمي (اللاعنف أو أهمسا) الذي واجه به الاستعمار البريطاني.
 
2- ترسيخ أنظمة حكم ديمقراطية في المنطقة العربية التي ذاع طويلا أنها غير قابلة "بطبيعتها" للنظام الديمقراطي، أو أنها غير مؤهلة له الآن، واستغلال المرحلة في بناء دولة المؤسسات غير القابلة للهدم أو التمييع بسهولة.
 
3- تطبيق المشروعات السياسية التي طرحها رواد الفكر الدستوري العربي للتعاون بين الأقطار العربية والإسلامية في إقامة منظومة سياسية تحفظ استقلال كل قطر، وتحقق الدرجة القصوى من التعاون وتبادل المنافع بين البلاد العربية وأبنائها.
 
4- إقامة علاقات بالخارج تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي والعلمي.
 
5- التمهيد لإنهاء مرحلة الاستعمار التي خلفت بعض الذيول في منطقتنا، والسير في طريق حل القضية الفلسطينية التي تمثل واحدة من أعقد القضايا السياسية في العالم الحديث.
 
إنها إنجازات تمثل آمالا للشعوب التي ضحت من أجل التغيير والثورة، إلا أن الشعوب نفسها في حاجة إلى أن تستمر في البناء حتى يتواصل إنجاز الثورة مع إنجاز بناء الدولة التي هي ملك لجميع أبنائها، لا التي يحتكرها فصيل أو مجموعة لنفسها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة