سوريا وإسرائيل وخيار المفاوضات   
الثلاثاء 1428/4/28 هـ - الموافق 15/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 11:24 (مكة المكرمة)، 8:24 (غرينتش)

أكرم البني

الواضح عيانا هو أن ما عرف مؤخراً بالحماسة السورية للسلام لم يلق الرد الذي يستحقه، وأن ثمة في مواجهة تكرار دعوات دمشق لإحياء المفاوضات دون شروط مسبقة، تلكؤا إسرائيليا وترددا لم تنجح في تبديده زيارة رجل الأعمال الأميركي السوري الأصل إبراهيم سليمان إلى إسرائيل وإلقاء خطاب أمام الكنيست.

"
الهجمة السلمية السورية قد تكون من أجل السعي لتخفيف الضغوط وفك عزلة السلطة السورية وهي كذلك قد تكون محاولة للإفادة من المعطيات الجديدة التي خلفها إخفاق الحرب الأخيرة على لبنان واستثمار لحظة ضعف الحكومة الإسرائيلية
"

ولم يبدده تأكيده بإمكانية إنجاز السلام خلال ستة أشهر، وبأن المفوضات انتهت ولم يبق سوى نقاط ثانوية على المسؤولين السوريين والإسرائيليين حلها، ولا ما تسرب عن عرض مغر لإسرائيل في حال موافقتها على استئناف المفاوضات بتسهيل نزع سلاح حزب الله أو وقف تهديده لإسرائيل وإضعاف حركة حماس في فلسطين والتقليل من نفوذ إيران في المنطقة.

وربما لا يخطئ من يضع هذه الهجمة السلمية السورية في إهاب السعي لتخفيف الضغوط وفك عزلة السلطة السورية وتحسين بيئتها الإقليمية، وربما الرهان على نجاح التسوية واستعادة الأرض المحتلة في ترميم شرعيتها السياسية وتمكينها داخليا.

وهي كذلك قد تكون محاولة للإفادة من المعطيات الجديدة التي خلفها إخفاق الحرب الأخيرة على لبنان، واستثمار لحظة ضعف الحكومة الإسرائيلية وتضعضع موقفها داخلياً، وأيضاً ركوب موجة فشل البيت الأبيض في محاصرة سوريا وعزلها، وهو ما تجلى في استنتاجات تقرير بيكر هاملتون بما في ذلك اعتراف الولايات المتحدة بهزيمة مشروعها الشرق أوسطي ربطاً بإخفاق حلمها في تسويق نموذج العراق الآمن والديمقراطي كنموذج للتغيير في المنطقة.

ولا يغيب عن البال اللعب على الورقة الإيرانية ومغازلة تنامي الرغبة الإسرائيلية في ردع هذا الخطر ورده!

من جهة ثانية يمكن إرجاع التردد الإسرائيلي إلى ما يشبه حالة من تعويم المواقف كمحصلة موضوعية لتصادم قراءتين متقاربتين من حيث القوة والدوافع.

القراءة الأولى وتمثلها جهات متعددة في الحكومة الإسرائيلية والكنيست طالما عبرت عن رغبتها في عودة المفاوضات مع دمشق، وغالباً ما ينطلق هؤلاء من قناعة إستراتيجية تقول إن إنهاء احتلال الجولان وحالة الحرب والصراع مع سوريا قد يؤدي إلى تغيير وجه المنطقة خاصة أن سياسة العزل والجفاء لم تجد نفعاً بل قد يعود استمرارها بمزيد من الضرر على مكانة الولايات المتحدة في المنطقة وعلى مستقبل إسرائيل.

وعلى الأرجح سوف تزيد من التهديدات والمخاطر التي يتعرضان لها في البيئة الإقليمية، ويحتمل أن تقود إلى ردود فعل سلبية يصعب التحكم فيها أو السيطرة عليها بدليل ما يحدث في فلسطين وتفاقم العنف والفوضى في العراق والانفلات الذي تزداد فرصه في لبنان.

ويعزز هؤلاء رأيهم بالقول إن إقامة علاقات دبلوماسية متكاملة بين سوريا وإسرائيل وفتح الباب أمام تعاون نشط على كافة المستويات الثقافية والاجتماعية والصناعية والتجارية من شأنه أن يشجع ويسرع عملية التطبيع الجارية ببطء على المسارات الأخرى وينهي أحد أسباب ما يعرف بالجفاء العربي الإسرائيلي!

ويدفع بعض هذه الأصوات موقفه إلى النهاية إلى حد اعتبار الأولوية بالنسبة للمخاطر التي تهدد إسرائيل في المدى المنظور، إنما تنبع من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب محاولتها امتلاك التسلح النووي، وبحكم نفوذها المتزايد في العراق ودعمها لحزب الله ورفضها لوجود إسرائيل، وما يعنيه ذلك من ضرورة توجيه الجهود الرئيسة لتقويض هذا الخطر.

من تلك الجهود استئناف المفاوضات مع النظام السوري لسحبه من إطار التحالف مع إيران وضمان مساعدته لتسهيل محاصرة حلفائها في العراق ولبنان وفلسطين، وضمنه تعديل سياسة استخدام الضغط أو القوة لابتزازه وعزله خاصة وأن ما هو مرجح أن دمشق لن تتخلى عن أوراقها وتغير تحالفاتها قبل التوصل إلى اتفاق سلام!

القراءة الثانية تميل إلى رفض خيار التسوية والسلام مع سوريا مستندة إلى عوامل عديدة أولها توازن القوى الجديد الذي يميل على نحو كاسح لمصلحة إسرائيل, فبأي حق تقدم تنازلات اليوم لم تقدم في الأمس حين كانت الكفة السورية مثقلة بأوراق الدعم العربي والإقليمي وبالسند العسكري السوفياتي؟

بل ويشكل ما شهده الوزن السوري من تراجع في بحر السنوات القليلة المنصرمة إلى جانب تفاقم حالة الضعف والتفكك العربي واتساع الحضور العسكري الأميركي في المنطقة دافعاً لزيادة تشدد إسرائيل وممانعتها.

"
إسرائيل لا مصلحة لها في تعديل حالة اللاحرب واللاسلم القائمة والإذعان للمطلب السوري بالأرض مقابل السلام، لأن الجولان ليس بؤرة تهديد لإسرائيل وهو مصدر أساسي من مصادر المياه يزودها بأكثر من ثلث حاجاتها المائية
"
وما يزيد الطين بلة هو أن ثمة مؤشرات متنوعة بعد الإخفاق في الحرب الأخيرة على لبنان، تدل على تنامي شعور شعبي وسياسي داخل دولة إسرائيل بأن الدور العسكري لما ينته بعد!!

ثانيها أن البعض يطرح أزمة الثقة بالنظام السوري كعامل لرفض المفاوضات فيجده نظاماً ينكث بالوعود ولا يقرن الأفعال بالأقوال، مرجحاً عدم جدية السلطة السورية في دعواتها للسلام وأن الأمر هو مجرد مناورة للالتفاف على الضغوط التي تتعرض لها، ليس لاستعادة الجولان بل لتمكين نفسها واستعادة بعض النفوذ الإقليمي.

ويجد أصحاب هذا الموقف أن لدى النظام السوري هاجسا رئيسيا يسيطر على قراراته وتوجهاته، وهو وقف المحكمة ذات الطابع الدولي واسترجاع الهيمنة على لبنان، وأنه مستعد من أجل تحقيق هذين الهدفين لبذل كل الجهود التي يمكن بذلها بما في ذلك استخدام ورقة الانفتاح السلمي على إسرائيل والتفاوض معها.

وثالث تلك العوامل هو ضعف الحكومة الإسرائيلية وعجزها عن المبادرة لاتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية، فالسياسة الخارجية في الدولة الصهيونية مرتهنة إلى حد كبير للسياسة الداخلية.

وفي مثال المفاوضات السورية الإسرائيلية، وعلى عكس المراهنين على الضعف، لا تستطيع حكومة ضعيفة فشلت في تحقيق أهداف حربها على لبنان أن تعقد اتفاق سلام بهذه الأهمية.

أما العامل الرابع فهو خصوصية وضع الجولان أمنياً واقتصادياً بالنسبة لإسرائيل، مما يدل على أن إسرائيل لا مصلحة لها في تعديل حالة اللاحرب واللاسلم القائمة والإذعان للمطلب السوري الأرض مقابل السلام.

فالجولان ليس بؤرة تهديد بل جبهة هادئة، وهو أيضاً مصدر أساسي من مصادر المياه يزود إسرائيل بأكثر من ثلث حاجاتها المائية فضلاً عن أنه مركز سياحي ومصدر مهم للمنتجات الزراعية، إضافة إلى أن المستوطنين الإسرائيليين في الجولان وعددهم أكثر من عشرين ألفا يشكلون قوة سياسية رئيسية ضاغطة قادرة على عرقلة أي عملية تفاوض.

وما يزيد الأمر تعقيدا هو أن الجولان أصبح رسمياً منذ عام 1981 جزءا من إسرائيل، مما يعني أن الحكومة تحتاج إلى موافقة الغالبية العظمى من النواب الإسرائيليين على التخلي عن الجولان قبل اتخاذ أي قرار في هذا الشأن.

وأهم من كل ما سبق أن الموقف الأميركي وما رشح من معلومات بأن الإدارة الأميركية مارست ولا تزال ضغطا على حكومة إسرائيل لعدم التجاوب مع نداءات دمشق لإبرام السلام ولتعرقل ما يبذل من جهود لهذا الغرض.

فالموقف الإسرائيلي الرافض للدعوة السلمية السورية والمستند إلى حيثيات وأبعاد داخلية يتأثر أساساً بموقف البيت الأبيض الرافض بشدة لأي انفتاح على دمشق، بدليل أن وزير الأمن الداخلي آفي ديختر الذي كان مؤيداً بقوة لاستئناف المفاوضات مع سوريا أجرى انعطافا في موقفه بعد زيارته الأخيرة لواشنطن.

ولم يخف حقيقة أن الإدارة الأميركية ترفض رفضاً قاطعاً وباتاً أي حوار سوري إسرائيلي في الوقت الحالي، وتصر بداية على أن تكون ثمة تنازلات أو مجموعة من الخطوات على نظام دمشق القيام بها قبل إعطاء الضوء الأخضر لاستئناف المفاوضات.

وتتمثل تلك الخطوات في وقف دعم حزب الله والتوقف عن دعم حركة حماس والجهاد الإسلامي وحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وأيضاً المساعدة على تنفيذ القرار 1701 وعلى تهدئة الأوضاع في العراق ووقف تدفق المسلحين إلى هناك.

في المقلب الآخر فإن الحديث عن استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية على أهميته يلقى حالة من السلبية وعدم الاكتراث لدى مختلف الأوساط الشعبية السورية، مقارنة بالجدل الكبير والواسع الذي رافق مفاوضات مؤتمر مدريد عام 1992 وما تلاها.

وكأن ما يجري اليوم لم يعد يعني أحداً إن سلباً أو إيجاباً، وكأن هذا البلد الذي يشهد له تاريخه بحساسية خاصة تجاه المسالة الوطنية قد أصابه مرض اللامبالاة والتسليم.

هل يعود الأمر إلى تغير في سلم الأوليات لدى المواطن السوري وتقدم الهم الحياتي والبحث عن لقمة العيش على حساب القضايا العامة والهموم السياسية الوطنية، أم يرجع إلى نجاح النخب المتعاقبة على الحكم في تثبيت وصايتها على المسألة الوطنية واحتكار حق التعاطي معها وغالباً إقصاء كل من يحاول مشاركتها أو التميز ببرنامج وطني خاص أو بموقف مختلف؟!

عموماً لا يخفى على أحد ازدياد حدة الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها الناس في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتفاقم ظواهر البطالة والفساد، وما يعنيه ذلك من حضور قوي ومؤثر للمطالب والهموم المعيشية حتى صارت كما لو أنها قصة خيالية أو حكاية من أيام زمان، لمحاولة التذكير بأولئك الرجال الذين لم يكن من هم لديهم سوى التصدي للتحديات الوطنية ومقارعة الإمبريالية والصهيونية.

"
السلام يعيد للوضع الداخلي أهميته ورونقه بعد زمن طويل احتلت فيه السياسة الخارجية الأولوية وطغت على مسرح إعادة إنتاج القوى والمواقع وسوغت احتكار الحقل الداخلي والاستيلاء على الثروة والمال والثقافة والإعلام
"
كما لا يخفى على أحد ما خلفه الاستئثار الحكومي المزمن بالمسألة الوطنية من تراجع وانحسار في الروح الشعبية الوطنية حتى بات الناس يشعرون أو ربما هم يعرفون بأن لا دور لهم ولا مشاركة في صنع القرار الوطني، وأنهم مرغمون على الاعتراف بأن ثمة مرجعية واحدة تقرر مصير الوطن هي السلطات أو النخب الحاكمة وما عليهم إلا التسليم بما ترسمه أو تراه صالحاً، فعززت هذه السلبية الانكسارات المتكررة والإحساس العميق بالهزيمة وأن ما قدم من تضحيات وما صرف من جهود قد ذهب سدى!

وبطبيعة الحال لم يكن بالإمكان أن تعم هذه الروح السلبية شعبياً وتغدو ظاهرة ملموسة لولا حياد أكثرية النخب السياسية والثقافية أو صمتها، وكأن ثمة غض نظر أو لنقل تواطؤا لتمرير ما جرى دون تعليق أو في أقل ردود أفعال ممكنة.

وتحار في تحديد السبب الحقيقي لهذا الانكفاء، هل يعود إلى الخشية من حساسية هذه المسألة والتحسب مما يمكن أن يترتب عن إثارتها من ردود فعل أمنية في ظل الظروف العصيبة الراهنة، أم يرجع إلى أن هذه النخب قد سلمت أمرها وزمام نضالها الوطني للنظام الحاكم معترفة بنجاعة أدائه على صعيد السياسة الخارجية؟

وليست نافلة عبارة خالد بكداش الشهيرة "لو انطلقنا من الوضع الداخلي لكنا في المعارضة" وتوظيف ذلك لتهميش أزمات الداخل ومشكلاته، ليغدو موضع استهجان أن تتجرأ خطابات المعارضة على انتقاد الوضع الداخلي دون ربطه بالمسألة الوطنية أو حين تقوم على تشريح البنية المجتمعية السورية وتشخص أمراضها من غير تكرار عبارات مواجهة المخاطر الخارجية من إمبريالية وصهيونية، مثلما صار مطلباً مسبقاً بألا ترفع شعارات الإصلاح الديمقراطي والتغيير إلا بصفتها تحصن البلاد في مواجهة أعدائها.

لكن يجب الاعتراف بأن ثمة جديداً فعلاً قد أصاب مواقف الفعاليات السياسية والثقافية السورية ودفعها نحو السلبية أو التسليم بما يجري، وتكتشف أن بعض من كان يطالب بفتح جبهة الجولان وخوض حرب تحرير شعبية بات اليوم يعتبر خيار المفاوضات والتفاهم هو الخيار الأنسب في ظل توازن القوى الراهن، ويجد أن لغة القوة والمكاسرة لن تعطي نتيجة أو أي مكافأة مجزية مستحضراً بوعي أو بعفوية حصيلة الحروب التي حصلت وثمارها الهزيلة.

بينما صار البعض الآخر يجاهر بموقفه المؤيد للسلام ولتسوية الصراع مع العدو الصهيوني حتى دون التدقيق كثيراً في محتوى هذه التسوية وشروطها طالما أنها يمكن أن تعيد الأرض لأصحابها فحسب، ولسان حاله يقول "آن الأوان لطي هذا الملف والخلاص من وضع مزمن طبع ولا يزال يطبع كل تفاصيل الحياة" متطلعاً إلى سحب أهم ذريعة من يد النخبة الحاكمة استندت إليها ولا تزال لتسويغ هيمنتها ومقاومة أية تغيرات أو تعديلات نوعية في الوضع الداخلي وخاصة الإصلاحات الديمقراطية المستحقة.

وهو يريد ذلك لأن السلام برأيه يعيد للوضع الداخلي أهميته ورونقه بعد زمن طويل احتلت فيه السياسة الخارجية الأولوية وطغت على مسرح إعادة إنتاج القوى والمواقع، وسوغت احتكار الحقل الداخلي والاستيلاء على الثروة والمال والثقافة والإعلام.

ويكتمل المشهد بنوع ثالث يضع يديه وقدميه في ماء بارد مطمئناً إلى أن الوضع القائم سيبقى سيد الموقف وأن الدعوات للحوار واستئناف المفاوضات مع إسرائيل لن تصل إلى نتيجة ولا إلى استرداد الأرض المحتلة، وأن ما نسمعه من أخبار واندفاع نحو السلام جرى أكثر من مرة وخلص إلى اتفاقات أولية وربما تفصيلية لم تعط ثماراً ملموسة ولم توضع موضع التنفيذ.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة