بلاك ووتر والمسألة الاستعمارية   
السبت 1431/1/30 هـ - الموافق 16/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:58 (مكة المكرمة)، 15:58 (غرينتش)
فاضل الربيعي


يكمن الخطأ الجوهري في تناول قضية "جرائم بلاك ووتر" في العراق، وبدرجة رئيسة من جانب الحكومة والبرلمان والنخب السياسية، في وجود اعتقاد أخرق وغير مبرر، يرى فيها قضية جنائية تتعلق بوقوع حادث قتل متعمد ضد "مواطنين عراقيين أبرياء" قام به "موظفون أميركيون" يعملون في خدمة جيش الاحتلال، وأن كل المطلوب هو إعادة طرحها على القضاء الأميركي من خلال الاستئناف أمام محكمة أخرى طلبا ً للعدالة.

ولكنها مع ذلك، وبحسب هذا المنطق الأعوج، تقع خارج نطاق مسألة الاحتلال الأميركي؟ أي خارج نطاق "المسألة الاستعمارية" التي تعيد هذه القضية إثارتها مرة أخرى وبقوة.

ولأن الجانب الأبرز في المسألة الاستعمارية، كما بينت تجارب الكولنياليات القديمة في الشرق العربي الإسلامي والعالم الثالث عموما ً، وبشكل أخص تجربة الاحتلال البريطاني للعراق في مارس/ آذار 1917، يكمن في وسائل وأشكال السيطرة على السكان والأرض بواسطة البطش المنهجي الذي تقوم به قوات نظامية، ولكن بمساعدة مباشرة من جماعات قمع محلية يجري تجنيدها، أو بواسطة جماعات إسناد ومساعدة "أجنبية" أي من خلال استخدام "مرتزقة " أو "مجندين" من بلدان مستعمرات أخرى؛ فإن حادث "بلاك ووتر" في هذه الحالة، يصبح جزءا من إستراتيجيات الاحتلال للسيطرة على السكان بواسطة أساليب الترويع الجماعي، ولا يعود " قضية جنائية".

"
وجود "مرتزقة" مع قوات الاحتلال، لتثبيت أسس سيطرته عن طريق ارتكاب جرائم قتل متعمد ضد المدنيين، لم يكن في أي وقت خلال عهود النضال والتحرر الوطني، قضية "جنائية" منفصلة بل هي في قلب النضال من أجل الاستقلال والتحرر
"
إن وجود "مرتزقة " مع قوات الاحتلال، أي احتلال، يساهمون في تثبيت أسس سيطرته عن طريق ارتكاب جرائم قتل متعمد ضد المدنيين، لم يكن في أي وقت خلال عهود النضال والتحرر الوطني، قضية "جنائية" منفصلة أو يمكن حلها عن طريق اللجوء إلى القضاء العادل، أي يمكن حلها خارج سياق الصراع ضد الاحتلال؛ بل كانت على العكس من ذلك، في قلب النضال من أجل الاستقلال والتحرر.

مثلا ً، عندما كان البريطانيون يزجون بالجنود السيخ والبلوش والهنود، ممن كانوا في عداد الجيش البريطاني أو استقدموا للعمل معه في مهمات قمع السكان المحليين في الجنوب العراقي طوال سنوات 1917-1920، بمهمات قتالية عنيفة وشرسة، يجري في إطارها ارتكاب جرائم بشعة بحق فلاحي الديوانية والسماوة وميسان؛ فإن النخب السياسية العراقية لم تطرح "جرائم المرتزقة" كقضية منفصلة عن المسألة الاستعمارية، ولم تسمح بتجزئة القضية كحادث هنا أو حادث هناك، وإنما تعاملت مع كل وأي جريمة بوصفها جزءا من إستراتيجيات الاحتلال.

إن قضية "بلاك ووتر" من هذا المنظور، وكما تبرهن مجرياتها القضائية التي انتهت بتبرئة المتهمين، ليست ولم تكن في الأصل قضية "جنائية" إلا في معنى محدود بتعلق بالحق الشخصي للمدعين من أسر الضحايا. أما في الجوهر، فهي قضية جرائم سياسية ترتكبها قوة استعمارية جديدة وغاشمة "ما فوق عالمية" عديمة الرحمة ويستحيل ردع جرائمها ضد السكان -تحت الاحتلال- بواسطة القانون الدولي أو القضاء المحلي. وهذا هو الأصل في القضية.

والمثير للاهتمام أن إثارتها "كموضوع جنائي" منفصل وخارج سياق جرائم الاحتلال، سيؤدي عمليا ً إلى التغاضي عن جرائم أبشع ارتكبها الجيش النظامي الأميركي لا المرتزقة؟ إن جرائم "أبو غريب" و "حديثة" و"الفلوجة" و"النجف" و "مدينة الصدر" وسواها، هي جرائم ارتكبت من جانب الجيش النظامي الذي كان يتقيّد بتعليمات رسمية، تتيح له التصرف على النحو الذي تصرف فيه، وبحيث باتت أفعاله المشينة -بنظرنا والبطولية في نظر الإدارة الأميركية- هي التي تشكلّ التاريخ الجنائي للاحتلال، أي هي التي تشكل ذاكرته في العراق، بينما تبدو جرائم المرتزقة، مجرد تفصيل صغير في هذا التاريخ وفي هذه الذاكرة.

وهذا يعني أن المطلوب من النخب السياسية والفكرية العراقية، تغيير مجرى النقاش حول قضية مجرمي "بلاك ووتر"، وتحويله من مسألة قضائية إلى موضوع سياسي، لا الاكتفاء بإثارته كدليل على غياب وانعدام العدالة الأميركية، فهذا ما لا أهمية له، لأن ما من احتلال في التاريخ، يمكن أن يتصرف في الآن ذاته، بعدالة مع ضحاياه في ساحات القضاء، ويواصل استعبادهم ميدانيا ً على الأرض؛ بل وأن يتحول إلى نقاش عميق حول التاريخ الجنائي للاحتلال الأميركي، بوصفه تجسيدا ً وتلخيصا ً للسياسة الاستعمارية الجديدة في المنطقة.

إن الطريقة التي يُدار فيها النقاش القضائي الراهن، حول مسألة "بلاك ووتر"، سوف يجعل منها في النهاية، مجرد مسألة "جنائية" أخفق العراقيون فيها بالحصول على العدالة المطلوبة من "العدو"، وهو ما يعني أن الاحتجاجات الشعبية، وكل مظاهر الغضب والاستياء، سوف تتبلور في صورة مطالبة للحكومة، وفقط للحكومة، بأن تبادر إلى إعادة فتح الملف قضائيا ً بقليل من المال والوقت وتكليف محامين أكثر ذكاء وفطنة، وهذا بالضبط ما تريده الحكومة، ويرحب به الأميركيون، لأنه نقاش يساعد على فصل قضية بلاك ووتر عن مسألة الاحتلال، أي تماما كما لو أننا نتحدث عن حادث طرق مروّع ومؤسف تسبب به سواقو سيارات أجانب، نجم عنه سقوط ضحايا أبرياء، وأن كل المطلوب هو إحالتهم إلى محكمة عادلة.

"
استبعاد جرائم بلاك ووتر من النقاش السياسي الصريح حول "مسألة الاحتلال"، وحبسها في الإطار القانوني لإشكالية وجود "مرتزقة"، هو الجريمة بعينها, فالقضية برمتها ليست سوى تلخيص "للمسألة الاستعمارية" الجديدة في العراق 
"
ومن غير أدنى شك؛ فإن استبعاد هذه الجرائم من النقاش السياسي الصريح حول" مسألة الاحتلال "، وحبسها في الإطار القانوني لإشكالية وجود "مرتزقة"، هو الجريمة بعينها. وبكلام أدّق وأوضح، ليست القضية برمتها سوى تلخيص "للمسألة الاستعمارية" الجديدة في العراق والمنطقة، وهي التجسيد الفعلي -والأكثر حقيقية من كل الحقائق الأخرى- لمعنى الاحتلال، ذلك أن "بلاك ووتر" ليست شركة مقاولات بناء ارتكب مهندسوها (أو سواقو سياراتها) حادثا ً جنائيا ً؛ بل شركة مقاولات أمنية تعمل مع الاحتلال بوصفها ذراعه العسكري الضارب، وهي امتداده الطبيعي وأداته في السيطرة على الأرض والسكان. ولأنها كذلك، فليست جرائمها سوى تفصيل صغير في تاريخ وذاكرة الاحتلال.

وما دام الأمر على هذه الصورة من الوضوح؛ فإن الخطأ الجوهري في النقاش الدائر حول قرار تبرئة المجرمين، وهو نقاش انخرطت فيه الحكومة بسرعة وحماسة نادرة في وقت كانت فيه إيران تبتلع البئر رقم 4 في حقل الفكة النفطي مستفيدة من الصمت والتواطؤ، يكمن في الإصرار على اعتبار القرار (الذي أصدرته إحدى المحاكم الفيدرالية الأميركية في أواخر عام 2009 وقضى بتبرئة خمسة من موظفي الشركة من تهم القتل العمد لثمانية عشر مواطنا ً في ساحة النسور بقلب بغداد عام 2007) دليلا ً آخر على انعدام أو غياب العدالة، وليس دليلا ً على أن التبرئة، مثل الجريمة، تعبير عن ترابط سياسات الاحتلال.

غياب العدالة ؟ نعم، لكن، ما قيمة هذا الاستنتاج؟ وما أهمية أن يكتشف العبد أن سيده ليس عادلا ً كما ينبغي؟ وماذا يحصل عندما يكون السيد عادلا ً في نظر عبده؟ لا شيء سوى استمرار حياة العبد كعبد والسيد كسيد؟ إن حصول العبد على العدالة من سيده في مسائل بعينها (ليس من بينها موضوع حريته) لا يعني تحرره من العبودية؛ بل قد يعني تكريس عبوديته الأبدية.

في الواقع لا أهمية قط، لأي استنتاج من هذا النوع، وهو يؤدي خدمة لا تقدر بثمن بالنسبة للأميركيين، لأنه يستبدل كل النقاش حول جرائم الاحتلال بنقاش تفصيلي، فرعي حول جرائم "مرتزقة" قاموا، بشكل طائش بأعمال "تتنافى مع القيم الأميركية".

ومثل هذا الاستبدال لمحتوى ومضمون النقاش من شأنه أن يساعد على تغيير مذهل في طريقة تعاطي العراقيين في المستقبل مع المسألة الاستعمارية، وبحيث تصبح مهمة المواطنين تحت الاحتلال، أن يلهثوا في أروقة المحاكم الأميركية أطول وقت ممكن، ثم ليتنفسوا الصعداء بالحصول "على نصر قضائي" مزيف، بينما يخرج الأميركيون في خاتمة المطاف على العالم وهم يتشدقون "بعدالتهم" العظيمة التي انتصفت للضحايا؟ أما القضية الكبرى، أي الاحتلال، فإنها تصبح – داخل هذا الإطار القضائي الضيق- خارج السياق نهائيا ً، أي منفصلة كليا ًعن مهام التحرر وتقرير المصير الوطني.

وبالطبع، فليس من المستبعد حتى في هذا الجانب المحدود، أن يفشل العراقيون مرة أخرى، وكل مرة أخرى يحاولون فيها إثارة الموضوع قضائيا ً. ولذلك، فالرّد على قرار التبرئة، يجب أن يكون بتوجه القوى الوطنية المناهضة للاحتلال -في ظل تخاذل وعجز النظام السياسي وتواطؤ الحكومة- إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وكل المنابر الدولية، لطرح مسألة الاحتلال الأميركي باعتبارها "مسألة استعمارية" جديدة يجب النظر فيها استنادا ً إلى مبدأ "حق تقرير المصير" وطبقا ً لما جاء في إعلان الرئيس الأميركي وودر ويلسون عام 1919، وتماما ً كما فعل قادة ثورة 1920 حين ردّوا على جرائم "مرتزقة" الاحتلال البريطاني من الهنود والبلوش، بإثارة مسألة حق تقرير المصير في المحافل الدولية.

لقد أدّت تبرئة المجرمين الخمسة وعلى غير توقع، وظيفتها كاملة في هذا الاتجاه، ولم يفت الوقت أمام العراقيين لإخراجها من الإطار القانوني(القضائي) وتحويلها إلى قضية سياسية كبرى موضوعها الرئيس الاحتلال ومبرراته وشرعيته ونتائجه.

ولأن قضية مجرمي "بلاك ووتر" لم تعد، من الناحية الإجرائية، من "اختصاص" أو صلاحيات القضاء الأميركي، حسب منطوق قرار التبرئة؛ فإن من الأجدى البحث عن إطار آخر لإثارة قضية "كل جرائم الاحتلال" لا جريمة ساحة النسور أو جريمة حديثة أو الجريمة المرّوعة التي نسيها العالم في ملجأ العامرية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حين أحرق الأميركيون مئات الأطفال العراقيين بلا رحمة.

لذلك، ومن أجل تفادي العواقب الناجمة عن الاستمرار في هذا الخطأ، فإن المطلوب -وهذا هو الأمر الأهم والأكثر جدوى بالنسبة للعراقيين- ليس البحث عن طرق قانونية لاستئناف الدعوى أمام المحاكم الأميركية؛ بل استئناف المجتمع للنقاش حولها بوصفها قضية سياسية لا جنائية. أما المطالبة بمثول الجناة أمام المحاكم العراقية، فهي بالفعل أمر عبثي ومضيعة للوقت ولا جدوى منها.

"
ليس المطلوب البحث عن طرق قانونية لاستئناف الدعوى أمام المحاكم الأميركية ضد بلاك ووتر؛ بل استئناف المجتمع للنقاش حولها بوصفها قضية سياسية لا جنائية
"

والغريب أن الأميركيين، على العكس من العراقيين، يضعون هذه الجريمة وسواها من الجرائم في إطار "مسألة الاحتلال "، وهم يبررون وقوعها بوجود "أخطار" تهدد الجنود وموظفي الشركة الأمنية، وأن هؤلاء يردون على مصادر الخطر المحتمل.

إن ذلك يتطلب وبالدرجة الأولى، إخراج القضية نهائيا ً من حيزها "الجنائي" لأن هذه الشركة ليست شركة مقاولات بناء تسبب مهندسوها في مصرع أشخاص عراقيين أثناء العمل؛ بل شركة مقاولات أمنية عسكرية تعمل مع الاحتلال، كذراع قتالي ضارب.

وهذا يعني أن قضية "بلاك ووتر" تندرج في الأساس ضمن التاريخ الجنائي للاحتلال الأميركي وذاكرته في العراق، أما شركة المرتزقة، فإنها لا تحتفظ لنفسها "بتاريخ" أو ذاكرة.

قد يكون الفارق مذهلا ً على هذا المستوى بين القاتل الأجير والمجرم المحترف، فالأول يستطيع أن "يمحو" ذاكرته فور مغادرة مسرح الجريمة، أما القاتل المحترف؛ فإنه يعيش كل حياته مع أشباح ضحاياه. ومن أجل أن لا يهنأ الاحتلال باحتلاله، يتوجب تذكيره في كل لحظة، أن الجريمة واحدة لا تتجزأ، ولا ينبغي تجزئتها وتقسيمها إلى حادث "جنائي" هنا، وحادث "جنائي" هناك، وأن العدالة واحدة أيضا: الحق في الحرية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة