هل تنقذ الإصلاحات التركية السلام الكردي التركي؟   
الأحد 1434/11/24 هـ - الموافق 29/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)
خورشيد دلي



الإصلاحات والسلام
خلافات على المفاهيم 
 لا بديل عن السلام

تتوجه أنظار الأتراك والأكراد إلى حزمة الإصلاحات التي من المقرر أن تقدمها الحكومة التركية إلى البرلمان، لتصبح خريطة طريق رسمية لحل القضية الكردية سلميا بعد قرابة سبعة أشهر من الاتفاق الذي جرى بين زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان (المعتقل في سجن إيميرالي) ورئيس الاستخبارات التركية حقي فيدان المقرب من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية خاصة بالنسبة لمصير السلام الكردي التركي بعد أن أعلن الحزب الكردستاني تعليق سحب مقاتليه من تركيا إلى إقليم كردستان العراق بحجة أن الحكومة التركية لا تبدي أي التزام بعملية السلام.

ودفع هذا الإعلان أردوغان إلى إرسال فيدان إلى أوجلان في السجن بغية إنقاذ هذه العملية من الفشل، فكان أن طرح الأخير ما يشبه مبادرة جديدة عبر الطلب من حزبه الالتزام بالسلام، ومن الحكومة التركية إبراز الجدية واتخاذ خطوات عملية تساعد على الحوار للسير بالسلام إلى مبتغاه.

وقد كشف ذلك حجم العقبات التي تعترض هذه العملية خاصة وأنها عملية معقدة وشائكة بعد أن أنتجت الأيديولوجية الكمالية (نسبة إلى كمال أتاتورك) أيديولوجية قومية وضعت القومية التركية في مواجهة القوميات الأخرى ومن قبل الهوية الإسلامية للبلاد.

جاء قرار الكردستاني تعليق سحب مقاتليه والتهديد بالعودة إلى العنف تعبيرا عن نفاد صبره، فهو يقول إنه اتخذ خلال الفترة الماضية سلسلة خطوات كان على الجانب التركي أن يقوم بمثلها لتعزيز الثقة وتهيئة الأجواء للسلام
الإصلاحات والسلام
جاء قرار الحزب الكردستاني تعليق سحب مقاتليه والتهديد بالعودة إلى دائرة العنف تعبيرا عن نفاد صبره، فهو يقول إنه اتخذ خلال الفترة الماضية سلسلة خطوات كان على الجانب التركي أن يقوم بمثلها لتعزيز الثقة وتهيئة الأجواء للسلام.

ولعل من أهم هذه الخطوات: إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، الإفراج عن مجموعة من الجنود الأتراك كان الحزب قد اختطفهم في وقت سابق، ومن ثم البدء في مايو/أيار الماضي سحب مقاتليه من المناطق الكردية في تركيا إلى إقليم كردستان العراق.

ويعتقد الحزب أن الحكومة التركية انتهجت في المقابل سياسة الانتظار وكسب الوقت والتهرب من القيام بخطوات حقيقية من شأنها جعل عملية السلام تسير في طريقها المرسوم وفقا لخريطة الطريق التي قدمها أوجلان، وهي خريطة تقوم على أربع مراحل، تحقق في النهاية الهوية القومية للأكراد والاستقرار لتركيا.

في المقابل، ترى الحكومة التركية أن إقرار إصلاحات سياسية تؤدي إلى إيجاد حل سياسي مقبول للقضية الكردية لا يمكن أن يكون بين عشية وضحاها، لا لأن هذه القضية معقدة فحسب بل لأن الإصلاحات المطلوبة يجب أن تكون مدروسة وألا تؤثر على وحدة المجتمع وبنيته السياسية خاصة في ظل رفض المعارضة القومية المتمثلة بحزب الحركة القومية المتطرفة أي اعتراف بالهوية الكردية، نظرا لاعتقادها بأن مثل هذا الاعتراف سيؤدي إلى فتح البلاد أمام سيناريوهات التقسيم والانفصال الكردي.

لكن بغض النظر عن هذا الجدل والاختلاف، يؤكد الطرفان عزمهما المضي في العملية السلمية في ضوء اللقاءات المتواصلة بين أوجلان وفيدان. ومع الإقرار بأهمية عملية السلام الكردي التركي إلا أن البعض -في طرفي النزاع- يعتقد بصعوبة الحل، نظرا لاختلاف الحسابات ونقاط الخلل الكثيرة في اتفاق السلام، ولعل من أهم هذه النقاط:

1- أن اتفاق السلام الكردي التركي، هو أشبه باتفاق جنتلمان بين أوجلان وفيدان، وليس اتفاقا مكتوبا وموثقا ومحدد النقاط والآليات، وهذا يشكل نقطة ضعف خطيرة في نظر المراقبين، فهو من جهة يعطي الجانب التركي القدرة على المناورة والتهرب من الاستحقاقات، كما أنه يعطي الجانب الكردي فرصة العودة إلى نقطة الصفر عندما يرى أن ذلك مناسبا له.

2- أن الاتفاق هو مجرد اتفاق ثنائي بين أوجلان وفيدان، وليس بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، كما أنه جرى دون وجود طرف ثالث دولي أو إقليمي، علما أن أوجلان طالب بتشكيل هيئة دولية تتألف من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وإقليم كردستان العراق، ولكن الجانب التركي رفض هذا الطلب، وهذه نقطة ضعف جديدة في الاتفاق.

3- غياب الثقة الكاملة بين الجانبين، فالحزب الكردستاني يرى أن الحكومة التركية تتعامل مع العملية السلمية من باب المناورة السياسية لتحقيق أهداف انتخابية على أبواب الانتخابات المحلية والرئاسية في العام المقبل، فيما يرى الجانب التركي أن الحزب الكردستاني يتحرك وفق أجندة إقليمية لها علاقة بالتطورات الجارية في المنطقة وينتهج ما يعرف بالإرهاب.

أمام هذا الواقع، يمكن القول إن كل الآمال باتت معلقة على الإصلاحات التركية المنظورة أمام البرلمان بعد أن أصبحت هذه الإصلاحات بمثابة الأمل لإنقاذ عملية السلام الكردي التركي، وإلا فإن النار المشتعلة تحت الرماد قد تندلع من جديد وتضع الجانبين أمام جولة جديدة من العنف والدمار.

خلافات على المفاهيم
في انتظار معرفة ماهية الإصلاحات التركية وشكوى حزب العمال الكردستاني من عدم إشراك أنقرة للأكراد في صوغ مضمون هذه الإصلاحات، ثمة خلافات مفاهيمية بشأن قضايا الحل السياسي، ولعل أهم هذه الخلافات:

اتفاق الطرفين ليس مكتوبا وموثقا ومحدد النقاط والآليات، وهذا يشكل نقطة ضعف خطيرة، حيث يعطي الجانب التركي القدرة على المناورة والتهرب من الاستحقاقات، ويعطي الجانب الكردي فرصة العودة إلى نقطة الصفر عندما يرى ذلك مناسبا
1- الاعتراف باللغة الكردية: فالحكومة التركية تقول إن اصلاحاتها تقوم على الاعتراف بتدريس اللغة الكردية في المدارس ليست كلغة تعليم وإنما على شكل حصص دراسية كأي لغة أخرى مثل الفرنسية والإنجليزية، فيما يرى الجانب الكردي أن هذا الأمر ينطوي على نوع من الالتفاف على هذا المطلب، من خلال إفراغه من مضمونه الحقوقي والسياسي والقومي، ويتمسك بحق التعليم في المدارس في المناطق الكردية كلغة تعليم وتدريس وثقافة وفكر وموسيقى باعتبارها جزء مكملا للهوية القومية.

2- قانون العفو: حيث ثمة خلافات كبيرة بهذا الخصوص، إذ أن الحكومة التركية ترفض إصدار عفو عام عن المقاتلين الأكراد من جهة، ومن جهة أخرى ترفض إطلاق صفة العفو على القانون وتسميه قانون الندامة، وتؤكد على تنفيذ القانون من خلال القضاء التركي وعلى ألا يشمل قيادات الكردستاني أو المقاتلين الذين تقول إنهم متورطون بأعمال القتل.

فيما يؤكد الجانب الكردي أن القانون يجب أن يكون في إطار عفو شامل يشمل جميع عناصر الحزب بما في ذلك القيادات، وأن يتيح القانون المجال لهؤلاء لممارسة العمل السياسي بعد إنجاز عملية السلام والانخراط في الحياة العامة.

3- الحكم المحلي: مع أن الجانبين يتفقان على اعتماد هذه الصيغة من الحكم في الدستور الجديد الذي يعد له أردوغان شخصيا، ولكن ثمة اختلافات في مضمونه، حيث ترى أنقرة أنه يجب أن يكون في إطار إداري بعيدا عن أي صيغة قومية، فيما يؤكد الجانب الكردي أن القانون يجب أن يتضمن نوعا من الاعتراف بالحكم الذاتي للأكراد ومن خلال الاعتراف الدستوري بهم كقومية ثانية في البلاد.

ويزيد عدد الأكراد عن 16 مليون نسمة، ويرون أن تجربة الحكم المحلي في تركيا يجب أن تضاهي تجارب الحكم في أوروبا الذي يسمح بنوع من الحكم المحلي على شكل فيدرالي يحفظ وحدة البلاد، فيما ترفض حكومة أردوغان مثل هذه الصيغة.

وكان الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال أقر بمثل هذه الصيغة في عام 1992 بعد مفاوضات سرية بين حكومته وأوجلان توسط فيها الرئيس العراقي جلال الطالباني.

4- قانون الانتخابات: في القانون التركي ثمة بند يمنع دخول أي حزب إلى البرلمان إلا إذا حصل على نسبة 10% من الأصوات على مستوى البلاد، وقد أدى هذا القانون إلى حرمان الأحزاب الصغيرة من دخول البرلمان فيما استفادت منه الأحزاب الكبيرة، نظرا لأن أصوات الأحزاب الصغيرة تصب في مصلحة الأحزاب الكبيرة لجهة التمثيل في البرلمان.

وعليه فإن أحد مطالب الحزب الكردستاني هو تخفيض النسبة المطلوبة من الأصوات للدخول إلى البرلمان، وسط جدل مع الأحزاب الأخرى بشأن النسبة المقترحة، وهي تتراوح بين اثنين وخمسة بالمائة.
5- قانون التعريف بالمواطن: في الدستور التركي ثمة مادة تقول "إن كل من في تركيا هو تركي الأصل"، وقد وضعت هذه المادة في أول دستور وضعه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك عام 1924.

ووفقا لهذه المادة فإن كل مواطن في تركيا هو تركي بغض النظر عن هويته القومية إن كان كرديا أو عربيا أو أرمينيا، وهناك مطالبة بتعديل هذه المادة، وإقرار صيغة جديدة للمواطنة تبعد أولا صفة التركي عن المواطنين من أصل غير تركي، وثانيا في إيجاد مخرج قانوني يسمح بالاعتراف بالقوميات الأخرى في البلاد.

وقد كان من شأن هذا المادة "القسرية" ممارسة عملية تتريك واسعة للقوميات غير التركية خاصة في ظل إقصاء الهويات القومية للشعوب غير التركية، وحصر الثقافة السائدة في خدمة القومية التركية.
ودون شك فإن هذه القضايا الخلافية هي موضع نقاش وجدل عميقين ليس بين الحزب الكردستاني والحكومة التركية فحسب، وإنما حتى داخل المجتمع التركي نفسه.

ومن هنا فإن التحديات كثيرة، والمقاربات الشكلية لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة حقيقية، والمطلوب هو قيام الطرفين بسلسلة خطوات متقابلة تؤدي إلى إرساء الثقة والحوار وجعل السلام واقعا حقيقيا في الحياة العامة التركية.

لا بديل عن السلام
لا يمكن النظر إلى عملية السلام التركي الكردي بعيدا عن الدوافع والحسابات السياسية للطرفين، فالحرب بين الجانبين منذ عام 1984 خلفت أكثر من 45 ألف قتيل وهجرت نحو مليوني نسمة ودمرت قرابة أربعة آلاف قرية وبلدة كردية، فضلا عن خسائر مالية تقدر بخمسمائة مليار دولار.

السلام بين الطرفين يحقق فوائد جمة تتجاوز القضية الكردية بتركيا، وما يزيد التأكيد على أهمية السلام هو قناعة الطرفين بعدم جدوى الحل العسكري وأثر تداعيات الربيع العربي على المنطقة
والواقع أن مثل هذا الرقم كان كافيا لتحقيق نهضة اقتصادية وتنموية في المناطق الكردية التي تتسم بالفقر والتخلف مقارنة بالمناطق الأخرى من تركيا.

وعليه فإن تحقيق السلام يحقق فوائد إستراتيجية جمة، تتجاوز القضية الكردية في تركيا، إلى إعادة بناء تركيا على أسس جديدة وتأسيس جمهورية جديدة متوافقة مع المكونات الداخلية من جهة، ويعطي من جهة ثانية المزيد من القوة لتركيا في الداخل لتحقيق التنمية والنمو وامتلاك وسائل القوة الناعمة لممارسة الدور الإقليمي.

ولعل ما يزيد من القناعة بأهمية الحل السياسي هو قناعة الطرفين بعدم جدوى الحل العسكري، وأثر التداعيات التي أوجدتها ثورات (الربيع العربي) في البحث عن السلام والاستقرار، فالثابت أن لا دولة في المنطقة بمنأى عنها. مهما يكن، من الواضح أن السلام الكردي التركي وصل إلى منعطف حاسم، وعلى الإصلاحات التركية المنتظرة تتوقف وجهة القضية الكردية سلما أو حربا في المرحلة المقبلة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة