إمكانات الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من الضفة وغزة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: إبراهيم أبو الهيجاء*

-تعقيدات إمكانية الانسحاب
-مسببات لصالح الانسحاب
-الانسحاب والمدارس والاتجاهات الفلسطينية
-آفاق احتمالية الانسحاب

من خلال إجراء اقتران تناظري ما بين الحالة اللبنانية والفلسطينية، يخيل لنا أن فرضية الانسحاب من الضفة وغزة يمكن أن تتحقق ، ولكن كما هو معروف فان الحالة في الضفة وغزة مختلفة عما هي في الجنوب اللبناني، ومختلفة بمقدار آخر عما هي في الجولان السوري، ولأن هذا التفصيل بالاختلافات والتباينات بين الحالات ليس مجال بحثنا، فسنركز هنا على الوضعية المعقدة في فلسطين وتحديدا في الضفة الغربية ولاسيما إشكالية (الحدود والمستوطنات والقدس فيها).

تعقيدات إمكانية الانسحاب

وتعقيد الانسحاب ينبع من عدة أسباب أو أبعاد أهمها:

  • البعد الديني المؤسس على الأوهام التوراتية
    بالأحقية في ارض اللبن والعسل و من النيل إلى الفرات ، ولكن المخاوف على هوية الدولة اليهودية بامتلاك ما لا تستطيع مزجه ودمقرطته ، والصعوبة الواقعية لتحقيق حلم من النيل إلى الفرات فقد تراجع ذلك الحلم من وهم السيطرة على الجغرافيا لصالح وهم الهيمنة على الجغرافيا (أي من خلال بناء نفوذ وهمية اقتصادية تؤسس لتغلغل فكري أمني واجتماعي ) أو ضمن فلسفة ما يسمى الشرق الأوسطية ، عموما تراجعت جدلية الحق في الجغرافيا إلى الحق في الديمغرافيا.
    و انحصر الجدل حول أجزاء من الضفة وتحديدا (القدس وأجزاء من الضفة والحدود والمستوطنات ) سواء كأدوات لضمان الهيمنة الديمغرافية أو الاقتصادية أو كمقومات لبقاء الدولة الدينية أو كأيدلوجية اكتفت بالقليل من ارض النيل والفرات بالمعنى الجغرافي تمهيدا لاستكمال المتبقي عندما تسمح الظروف الدولية ومعطيات القوة ،أو حتى كجزء معنوي بقصد تهيئة الظروف لتقوية مناعة الشعب الإسرائيلي في الدفاع عن تلك الأجزاء والمحاور من الضفة الغربية .
  • البعد الأمني والعسكري
    وهو عقيدة عسكرية إسرائيلية متولدة ومتراكمة مفادها انه لا يمكن حماية وجود أو سيادة الدولة الإسرائيلية دون وجود مجالات حيوية في عمق الضفة وعلى أطراف الضفة وغزة أو دون وجود موانع قوة وسيطرة عسكرية تستطيع منع الأخطار القادمة من الدول العربية المحيطة بإسرائيل ، فإسرائيل تنطلق من ضرورة تحقيق تسوية قوامها إبقاء دولة إسرائيل وقوتها في ردع دائم لان العقيدة العسكرية الإسرائيلية أسست نفسها على أن القوة هي التي تجلب السلام ،هذا ما يعبر عنه شمعون بيريس اليساري الذي يقول أن السلام النووي هو الذي جلب لإسرائيل السلام وكذلك بنيامين نتنياهو اليميني الذي يتحدث كثيرا عن (سلام الردع ) في كتابه مكان تحت الشمس .
  • البعد الجمعي الداخلي
    فثمة إجماع إسرائيلي متراكم تاريخا ومتأصل دينيا ومتغذ عسكريا في القطاعات الحزبية الكبيرة والغالبية في إسرائيل ، ومحور هذا الإجماع يدور فلكه على أسس أهمها ( الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة ، الاحتفاظ بتواجد حدودي وقوة ردع أو وسائل تقنية تحافظ على ذلك ، عودة اللاجئين ضمن القدرة الاستيعابية لدولة فلسطين الناشئة مع قبول عودة رمزية لداخل إسرائيل ، القبول بدولة فلسطينية غير مسلحة أو لاتصل إلى قوة الدول وسيادتها ) ويمكن قياس ذلك بشواهد كثيرة أهمها استعراض مجمل الخرائط الإسرائيلية الجديدة أي آخر الطبعات الإسرائيلية ، وهي خرائط عرفت بأسماء رؤساء الوزراء (شارون ، نتنياهو ،باراك، رابين ،000)
    والتي دارت مجملها في فلك خطة ( آلون ) زائد أو ناقص - وهو أحد قيادات حزب العمل -وطرح خطته في أول حكومة إسرائيلية بعد (1967) وتقوم خطته على أساس الاحتفاظ (بغور الأردن ، وإقامة احزمه استيطانية أهمها حول القدس ، حكم ذاتي للسكان و ليس للأرض).


الانسحاب الإسرائيلي لن يكون نتاج تفاوض أو ممارسة نضال لتحسين شروط التفاوض بل هو دون شك قسري وفي ظل مقاومة شديدة وطويلة وهو آت في الزمن القريب
عموما يمكننا الوقوف أيضا عند آخر طبعة إسرائيلية جرى الموافقة عليها واعتبرت الحد الأقصى الذي من الممكن أن يقدمه اليسار الصهيوني، وهي ما أطلق عليها (خطة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وجاءت على خلفية محادثات كامب ديفيد الثانية، ولازالت قيادات اليسار تردد التمسك بها وتعتبرها المخرج الوحيد للصراع ، وبعيدا عن التفصيل بالنسب أو عمومية الألفاظ التي جاءت بها خطة (كلينتون) التي قد يدور حولها العديد من الاستفهامات ما دمنا لا نملك خرائط أو ملاحق توضح ، فانه يمكننا تلمس أهم الأسس التي تقوم عليها خطة كلينتون وهي:

  1. دولة فلسطينية منزوعة السلاح مع السماح لعودة بعض اللاجئين إلى إسرائيل والسماح لعودة أولئك اللاجئين إلى تلك الدولة مقيدا بقدرتها الاستيعابية جغرافيا وديمغرافيا.
  2. تقسيم القدس إلى شطرين(إسرائيلي وفلسطيني) مع سيادة كاملة لإسرائيل فيما تحت القدس أو الحرم وتحديدا في قضايا الحفريات.
  3. ضمان احتفاظ إسرائيل بتواجد قوة إسرائيلية في غور الأردن ضمن (القوات الدولية) ولمدة ست سنوات.
  4. احتفاظ إسرائيل بثلاث محطات إنذار قابلة للنقاش كل عشر سنوات.
  5. احتفاظ إسرائيل بتواصل ما وخاصة في حالات الطوارئ المحتملة اثر تهديد عسكري مع إشعار فقط للقوات الدولية بمثل هذه الخطوة.
  6. ضمن ترتيبات السيادة على الجو يجري مراعاة احتياجات عملية يجب أخذها بعين الاعتبار.
  7. تخصيص 95% من الضفة للدولة الفلسطينية، مع تبادل أراضى بنسبة واحد الى ثلاث لصالح إسرائيل ، مع بقاء 80% من المستوطنين في الضفة.
  8. تعتبر خطة كلينتون أن موافقة الطرفين عليها يعبر عن نهاية الصراع وتطبيقا كاملا لقرار مجلس الأمن رقم "242".

ضمن هذه الأبعاد الثلاثية الدينية - الأمنية – الجمعية ، يكمن تعقيد وصعوبة الانسحاب الكلي والشامل على الأقل من أراضى 67.

مسببات لصالح الانسحاب

لكن مقابل هذه التعقيدات نستطيع تلمس ثلاث عوامل أخرى تلعب لصالح إمكانية الانسحاب الإسرائيلي.

أولا - الأسباب الوجودية:
وهي تلك المتعلقة بيهودية الدولة والحفاظ عليها ، و هي التي بسببها دارت جدلية (الانفصال أو الاندماج ) من قبل على خلفية المشكلة الديمغرافية واحتمالات تفاقمها ، وتدور الآن جدلية " الفصل الآن" على خلفية الانتفاضة السابقة والحالية ،وتحديدا كلما حدثت أحداث كبيرة مثل العمليات الاستشهادية في العمق فتبرز على الدوام ضرورات تامين الفصل عن التجمعات الفلسطينية الكبيرة .

وهنا تبرز التباينات إسرائيلية ، فثمة حديث هنا عن فصل سياسي نتاج " اتفاق أو بدونه" بمعنى انسحاب إسرائيل إلى نقاط معينة وإبقاء السيطرة الإسرائيلية فيها مع السماح لأشكال متعددة من التنفس والحركة داخل الفصل وخاصة على الصعد الاقتصادية (أي الحركة من والى إسرائيل ومن خلال عازل (الفصل ) ويفترض هذا الفصل استمرار التفاوض لرسم معالم التسوية النهائية.

ثانيا - الأسباب الأمنية:
وهي أتت نتاج التهديدات الأمنية ولذا أحاديث الفصل يقصد بها الفصل على الأغلب بشكل أحادي أو بدون اتفاق ،أي أنه يأتي في سياق عقابي، ويعني بقاء سيطرة إسرائيل على ما تسيطر عليه مع إقامة احزمه أمنية على الحدود الفاصلة ضمن قواطع عرضية وطولية وتحت مسميات "خطة أو منطقة التماس أو العازلة" أو ...الخ .

عموما خطة الفصل المقترحة أو المتصورة ثمة خلافات عليها، مع بقائها خيارا مطروحا والخلاف عليها مطروح سواء بشكل سياسي أو بطريقه أمنية والتباينات موجودة داخل اليسار الصهيوني كما هي داخل اليمين الصهيوني وكل طرف له أسبابه ومبرراته التي يتمسك بها.

فالرافضون من اليسار : يخشون أن يؤدي الفصل السياسي أو الأمني الناتج باتفاق أو بدونه إلى سلوك فلسطيني متطرف والطمع بالمزيد... في ظل قناعة لديهم أن خطة الفصل لن تلبي الطموح الفلسطيني ، وعمليا لا يمكن نجاحها ولأسباب أمنية نظرا لطول الحدود وفشل تجارب الفصل السابقة في ألمانيا وجنوب أفريقيا، وثمة خشية أخرى لديهم من تضرر سمعة إسرائيل نتاج معادلة الفصل التي تثير في أذهان الرأي العام تجارب الفصل والعنصرية مما سيؤدي إلى تعاطف اكبر مع الفلسطينيين.
الرافضون من اليمين: يخشون أن الفصل بالطريقة الأمنية والسياسية سيعني عمليا تحديد الحدود الإسرائيلية المفروضة ، كما أن تنفيذه بدون اتفاق سيؤدي إلى طموح فلسطيني يتحقق بموجبه خطر إمكانية حدوث فصل جديد كلما صعد الفلسطينيون من عملياتهم العسكرية.

عموما التأييد نحو الفصل يزداد ونستطيع تلمس تيار صهيوني يسانده كبار من اليسار واليمين ، وهذه الرؤية الغالبة تميل لتنفيذ الفصل باتفاق أو بدون اتفاق ولكن رؤيتها هجين من الشكل السياسي والأمني مع ان الاعتبار الرئيس هو للشكل الأمني ونستطيع تلمس ملامحها من خلال التالي :

  1. إبقاء السيطرة الإسرائيلية لحين نشوء اتفاق " فلسطيني- إسرائيلي" أو أي شكل من أشكال التفاهم أو التدخل الخارجي لفرض رؤية ما أو اتفاقية هدنة تبرز خطوط ومحاور لها.
  2. إنشاء عوازل أمنية في مناطق التسرب وتقويتها بتواجد أمنى وشكل تقني.
  3. إبقاء الفواصل مرنه وتلبي الاحتياجات الأمنية و الاقتصادية "مع دخول وخروج بتصاريح معينة و إبقاء شبكة العلاقات الاقتصادية" .
  4. الحفاظ على ضبابية الفصل ومرونة الحدود وعدم إقامة جدران مانعه تثبت الحدود وبأشكال معينة.
  5. اتخاذ إجراءات ضد الوجود الفلسطيني السيادي في القدس كجزء من الضغط أو الفصل وكتعبير عن تغلب الرؤية اليمنية في الحل .
  6. بقاء الاحتفاظ بالمستوطنات كجزء من الحفاظ على عمقه ،مع إمكانية تطور الموقف مستقبلا لإخلاء بعض المستوطنات المعزولة نتاج تولد قناعة أمنية بصعوبة الحفاظ عليها ناهيك عن تكاليفها الباهظة.

ثالثا - جدل الأولويات:
ضمن هذه الرؤية الجدلية نستطيع أن نلمس فكر يميني غالب " يؤيد التنازل عن الأرض حفاظا على حياة الإنسان الإسرائيلي" وللعلم فان هذه الرؤية اليمنية متبناة من قبل حركة شاس "ثالث اكبر الاتجاهات السياسية واكبر الاتجاهات الدينية معتبرين هنا أن أحزاب الليكود والعمل كلاهما تغلب عليه التوجهات (الوطنية- العلمانية) في التعامل مع القضايا المطروحة أو المختلف حولها دون نفي منا وجود تأصيل وتغليف ديني لطروحات كليهما، عموما جدلية "الاحتفاظ بالأرض أم بالإنسان" برزت أثناء تصويت شاس على الانسحابات الإسرائيلية التي بررها حاخامات الحركة بجواز التضحية بالأرض حفاظا على حياة الإسرائيليين طبعا يقابلها رؤية ( المفدال) الذي يغلب أولوية الحفاظ على الأرض على الإنسان معتبرا أن الحفاظ على الأرض هو حفاظا على الإنسان .


الانسحاب والمدارسة والاتجاهات الفلسطينية

أولا - مدرسة المقاومة
كما هو ملاحظ فان أعمال المقاومة واشتداد وتيرتها هي اللاعب المركزي لصالح الانسحاب من الأرض الفلسطينية "الضفة وغزة" سواء نتاج الخشية على الهوية أو الأسباب الوجودية أو نتاج المخاوف الأمنية باستمرار الاستنزاف وضعف الرأي العام نتاج للضربات طبعا، كل ذلك يغطيه فلسفة دينية مستعدة لتتراجع عن الاحتفاظ بالأرض لصالح الحفاظ على حياة شعبها.. عموما ما هو جلي فان اشتداد أعمال المقاومة يؤدي إلى تفاعل الأمور في ثلاث دوائر.

  1. دائرة تكبيد الخسائر: هي الإحساس الإسرائيلي بصعوبة دفع الثمن .
  2. دائرة تشكيل رأي عام: وقد ثبت في التجربة اللبنانية فالشعب الإسرائيلي ضعيف أمام الخسائر البشرية ويؤثر الانسحاب منها على دفع ثمنها .
  3. الرأي العام: كان ناجحا في تشكيل قرار مؤسسي ضاغط داخل الحكومة، فمثلا كان برنامج باراك الذي فاز بسببه هو" الانسحاب الأحادي من لبنان".

وهاهو متسناع يؤسس برنامجه الانتخابي على أساس الفصل بين أجزاء من الضفة وغزة.... بل أن الفصل السياسي أو الأمني مؤيد من قبل نخب وقطاعات كبيرة من الشعب الإسرائيلي يمينية ويسارية .. وهذا يعبر عن الهزيمة بشكل أو بآخر ، رغم أن الفصل المتبلور حتى اللحظة يأتي بشكل عقابي ، ولكنها محاولة إسرائيلية للانسحاب من الضفة بلغة المنتصر ولذا برزت الخشية اليمينية بأن تكون حدود الفصل مقدمة لفتح الشهية الفلسطينية نحو ممارسة مزيد من المقاومة ، وبالتالي إضعاف أكثر لمعنويات الشعب الإسرائيلي وبالتالي اضطرار القيادة الإسرائيلية للانسحاب بشكل انهزامي وخسران كل الميزات التي من الممكن أن تحصل عليها إسرائيل نتاج عقد تسويات تبقى القليل من هيمنتها وقوتها ومناعتها.

ثانيا - مدرسة التسوية
بأشكالها المختلف والتي تؤمن بالتفاوض وتتحرك في هوامش أوسلو ، وقد تراجعت هذه المدرسة في المرحلة الحالية بسبب انكشاف حدود السقف الإسرائيلي حتى بأقصاه اليساري ، وتراكم وعي فلسطيني مقابل بأنه لا إمكانية حقيقية لتحصيل أدنى ما يأملون من حقوق ، والمتمثل في حدود 67 ، وثمة تجربة مرّة خلال عشر سنوات أثبتت مدى ضعف التسوية وهشاشتها وعدم التزام إسرائيل بأدنى متطلباتها.. عموما خيار التسوية لا زال ثمة فئة تؤمن به وهي المتنفذة والمسيطرة على القرار الفلسطيني.. ولكن أقصى حلوله كما نقرأ يتمثل بالتالي:

*الحلول الآنية أو المؤقتة وهي رهينة زمنية معينة هي أقرب لطرح شارون الأخير

  • الحفاظ على الوضعية الراهنة حيث ما تسيطر عليه السلطة هو عبارة عن أكثر من مائتي كانتون منعزلة عن بعضها دون سيادة فلسطينية على مقوماتها أو مستقلة بارتباطاتها .
  • حلول انتقالية أخرى تؤجل القضايا المعقدة والمختلف عليها مثل القدس واللاجئين .
  • إنجاز هدنة مؤقتة قد تتضمن بعض الانسحابات الإسرائيلية، مع ضمان تواصل إقليمي هش للكانتونات المنعزلة مع بقاء القضايا المعقدة والمختلف عليها مرهونة بمدة معينة أو بلغة أخرى مؤجلة ، أو قد تأتى هذه الصيغة إما بصيغة ضمان إعلان دولة فلسطينية اسمية مقابل إخلاء بعض المستوطنات المعزولة وضمان التواصل مع صيغة فصل إسرائيلية متراض عليها بحيث تصبح هذه الحالة عبارة عن هدنة مؤقتة تجعل من الدولة الاسمية صاحبة تفاوض على ما تبقى من القضايا المركزية مثل (القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين.)

*حلول نهائية أي يختتم بها الصراع ويتفق الطرفان على صيغ ملزمة للقضايا العالقة وهي بالأشكال التالية:

  • فرض اتفاقية من طرف خارجي مثل اتفاقية دايتون في ألبانيا وعلى الأرجح ستكون من طرف قوي مثل الولايات المتحدة.
  • التوصل لحل دائم بتوافق الطرفين ومن خلال حلول إبداعية أو تنازلات من الطرفين حول القضايا المركزية (اللاجئين والقدس ) وهذه الصيغة قد تكون مطورة عن خطة كلينتون آنفة الذكر وليس أكثر من ذلك ، أي مع بعض التنازلات الإسرائيلية الطفيفة وهي على الأغلب ستكون في القضايا الرمزية.

ورغم استبعادنا التوصل لحلول شاملة ونهائية في المرحلة الحالية ، إلا إذا حدثت تغيرات دراماتيكية في مواقف أو شخوص القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية فعندها يمكن التوصل لحلول ما، ولكن ستبقى الأمور في إطار ما ذكرنا أي أنها لن تصل إلى أدنى ما يطمح به أنصار التسوية، فثمة مصلحة دولية استراتيجية بشكل عام وأمريكية بشكل خاص تحذر من تقويض أسس ووجود قوة إسرائيلي (أنظر مثلا البيان الأوروبي حول الدولة الفلسطينية التي يقبلون بها).


المزاوجة بين الانتفاضة مع خيار التفاوض كما تريدهما السلطة كان صعبا ومتناقضا، وفي اغلب الظروف كان خيار التفاوض مهيمنا على الأداء الانتفاضي دون الاستفادة منه حتى بالقليل
ثالثا - المدرسة المازجة

وهي مدرسة المزج بين الانتفاضة والمفاوضات هذه المدرسة أمكن اختبارها خلال مسار التسوية في هجمات النفق والأسرى السابقة ، وفي انتفاضة الأقصى الحالية والتي هي دون شك مختلفة وشاملة في الأداء والإيذاء... ومن استقراء هذه التجربة بعد مرور عام على انتفاضة الأقصى، كان واضحا أن المزاوجة بين الانتفاضة مع خيار التفاوض كما تريدهما السلطة كان صعبا ومتناقضا، وفي اغلب الظروف كان خيار التفاوض مهيمنا على الأداء الانتفاضي دون الاستفادة منه حتى بالقليل وذلك للأسباب التالية:

  • أولا/ كانت ممارسة بعثة المفاوضات والانتفاضة تمارس بطريقة سلبية وليس فقط بشكل خاطئ، فقد بقيت الانتفاضة محكومة بسقف التفاوض المتدني صاحب الظروف المختلة، ومنع بسبب ذلك ممارسة مقاومة فاشلة حتى لتحصيل ظروف تفاوض مناسبة وثبت اختبار ذلك من خلال اتفاقات وقف إطلاق النار المتتالية ( شرم الشيخ، باريس ، ميتشل، تينت)، وما طمحت إليه السلطة هو تحصيل ثمن زهيد( انسحاب إسرائيل لخطوط 28 سبتمبر/ أيلول رفع الحصار، تحصيل المستحقات المالية) وحصرت السلطة لضمان هذه الأثمان ممارسة نوع من المقاومة سمى (بالسلمي ) مع غض الطرف عن ممارسة المقاومة الشديدة من أطراف أخرى، ورغم اقتناعنا أن السلطة مارست هذه المرونة لكسب الوقت وتمرير الضغوط أحيانا أخرى إلا أن هذه الصيغ والمطالب أصبحت أساس التحرك الدولي (الأوروبي _ الأمريكي) وبات من السلطة أن تحترم تعهداتها وطبعا في حدود مطالبها، وحتى لو تحدثنا عن توصيات (ميتشل) التي طمحت إلى إحقاق معادلة( وقف الاستيطان مقابل وقف الانتفاضة ) وللأسف حتى هذه المعادلة المتطورة قليلا عن السقف الماضي إلا أنها بقيت محفوفة بالمخاطر من حيث أمرين:
    * مرحليتها التي تتطلب وقف الانتفاضة قبل الاستيطان.
    * غموضها من حيث الثمن المقدم لها مقابل وقف الانتفاضة فإسرائيل مثلا تريد وقف الاستيطان الجغرافي وليس الديمغرافي أو وقف الاستيطان السياسي وليس الأمني، عموما حتى هذا الثمن بالنسبة للحقوق الفلسطينية كارثي ليس فقط بالحقوق الكلية بل بأدنى مستويات الحقوق التي يرضى بها أنصار التسوية .
  • ثانيا/ من جهة أخرى بقيت الانتفاضة عند مستوى معين ووجدت السلطة نفسها مضطرة لمجاراة الضغوط الدولية في ضوء عدم انفكاكها من اللعبة الدولية أو شروط التسوية الراهنة وبدا ذلك واضحا من خلال العمليات الكبيرة التي كانت تحدث حيث كانت تضطر إلى شجبها والتنصل منها.
  • ثالثا/ شكلت محطات وقف إطلاق النار المختلفة وممارسة التفاوض السري والعلني وقبول الفلسطينيين بوثيقة( تينيت)، كل ذلك أدى إلى إحباطات مؤكدة ومنعكسة على معنويات المقاومة الفلسطينية، كما وأدى إلى شكوك لدى قطاعات كبيرة من الشعب بأهداف السلطة من وراء ذلك، وتحديدا لدى أطراف المقاومة التي تتعاون مع السلطة في إطار القوى الوطنية والإسلامية، وزاد من تعقيد الموقف وتأصل الشك عند ممارسة الاعتقالات السياسية التي جرت لمقاومين فلسطينيين من حماس والجهاد في السنة الأولى للانتفاضة، كل هذا كاد ان يحبط أعمال المقاومة ويشكك في مسارها والأهم أنه ينتقص من معاني الوحدة الميدانية .
  • رابعا/ مارست السلطة لعبة التفاوض مع اليمين الإسرائيلي مع أنها تدرك أن أقصى ما يمكن أن يقدمه اليمين لا يصل إلى أدنى ما يرضون به.. وكانت السلطة تأمل أن تورط شارون في دائرة الردود العنيفة فتمارس عليه ضغوط دولية أو في لعبة التفاوض فتفكك ائتلافه الحكومي وبالتالي تجره نحو السقوط، مقابل ذلك لم يمرر شارون لعبة التفاوض والانتفاضة التي تريدها السلطة خاصة أنها جاءت بشكل متعجل ولم يحد عن ذلك، وحتى اليسار لم يستطع التأثير على مسار شارون، ومارس شارون الفظائع ولم يتحرك دوليا أحد مما أوقع الفلسطينيين في دائرة تفاوض عكسية بمعنى( شارون يقتل ويفاوض )، وكلما كانت السلطة تحتاج للتفاوض مع شارون كان يأتي ذلك مقابل تنازلات في مدى مستوى الانتفاضة ومشروع المقاومة، مما جعل التفاوض يسهم في إضعاف الانتفاضة ويؤخر نضج ثمارها وبرأينا أنه كان من الممكن لحركة مقاومة متفاعلة تضغط على الرأي العام الإسرائيلي إجبار شارون على التفاوض وليس العكس طبعا وهذا يحتاج لإيذاء أكبر ووقت أطول وهذا ما حدث في النهاية عندما انهارت حكومة شارون لأسباب اقتصادية واجتماعية أساسها سياسي وبمفاعيل الانتفاضة المتواصلة .
  • خامسا/ جاءت جدلية المصلحة من عمليات العمق( أي ما هو داخل إسرائيل أو العمل فقط داخل حدود 67 ) لتؤثر هي الأخرى سلبا بأداء الانتفاضة.
    فقد كان واضحا أن السلطة لا تريد عمليات العمق وضغطت على القوى لعدم تنفيذ عمليات في العمق وغضت الطرف على العمليات الممارسة ضد المستوطنين، وانعكست هذه الجدلية لتحدد ما هو مسموح به دوليا أو ما اختارته المقاومة خطا أحمر، كما أن ممارسة هذه المعادلة بشكل إعلامي مكشوف أضر هو الآخر بمشروعية ونتائج المقاومة لسببين رئيسين:
    - قلة الخسائر الإسرائيلية بما يوازي أصلا عدد الشهداء الفلسطينيين ناهيك أن المستوطنين بعد مرور الوقت تكيفوا مع العمليات واستطاعوا تقليل خسائرهم .
    - ثبت أن عمليات العمق تستطيع أن تفقد الإسرائيليين أمنهم الشخصي وتقوض الاقتصاد والسياحة بشكل كبير، كما أن عمليات العمق كانت الوحيدة القادرة على تحريك المعادلات الدولية للتأثير بشكل اكبر .
    وتستطيع عمليات العمق أن تشكل رأيا عام ضاغطا للانسحاب بعكس العمليات الموجهة للمستوطنين حيث أن تأثيرها قليل كما أن هذه الفئة من المستوطنين مكروهة لدى قطاعات كبيرة من الشعب الإسرائيلي حسبما تفيد بذلك استطلاعات الرأي .

آفاق احتمالية الانسحاب

يترتب على مجمل ما ذكرنا أن مشروع المقاومة وبآليات مطورة يمكنه فقط أن يحدث الانسحاب الإسرائيلي على شاكلة ما حدث في لبنان ولكننا نعلم أن تعقيد الموقف لدينا يجعل من الصبر الوقتي وتطوير الأداء النضالي لوازم في المقاومة الفلسطينية ، كما انه معلوم أن مشروع المقاومة فلسطينيا لا يمكن إنجازه دون تكامل عمله مع بعد عربي وإسلامي.

وبالنظر إلى تأثيرات الانتفاضة واستمرار المقاومة فإن الكثير من المعادلات الإقليمية من الممكن أن تتغير لذا الرهان على الانتفاضة الفلسطينية كبير في إحداث نقله في المعادلات الإقليمية تؤدي إلى تغييرات في المواقف الدولية تنتج انسحابا إسرائيليا قسريا، نحن نراهن كثيرا على مشروع المقاومة ونرى من خلال ما استعرضنا مدى واقعيته ، ونرى بالمقابل أن مجمل مشاريع التسوية أو مشاريع المقاومة الجزئية أو محاولات جمع المتناقضات ( التسوية ، وشكل من المقاومة ) كلها بمجملها مشاريع تأثيرها وسقوفها معروفة ومحدودة.

عموما نظرتنا المستقبلية تقول إن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون نتاج تفاوض أو ممارسة نضال لتحسين شروط التفاوض بل هو دون شك قسري وفي ظل مقاومة شديدة وطويلة وهو آت في الزمن القريب وما يؤخره هو البقاء في دائرة التسوية وشروطها ومناخاتها، ولكن حتى تلك المثبطات التسوية لإنجاز مهام مشروع المقاومة ستكون آنية نتاج ثلاث أسباب:


  • تستطيع عمليات العمق أن تشكل رأيا عام ضاغطا للانسحاب بعكس العمليات الموجهة للمستوطنين حيث أن تأثيرها قليل كما أن هذه الفئة من المستوطنين مكروهة لدى قطاعات كبيرة من الشعب الإسرائيلي حسبما تفيد بذلك استطلاعات الرأي
    الأول/ سيطرة يمينية الحلول في الشعب الإسرائيلي
    هذه السيطرة ستفيد من حيث لا يريدون في انكشاف مدى هشاشة الحلول، وصعوبة تغطيتها برموز وهمية، مما سيؤدي إلى صعوبات في هضم الحلول الإسرائيلية من قبل الطرف الفلسطيني الرسمي المقابل، مع ذلك ستتطور المقاومة وستزيد الأوجاع الإسرائيلية، وهذا بدوره سيشكل رأيا عاما إسرائيليا مع قناعة متراكمة في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تضغط للانسحاب ولكن هذا يحتاج إلى وقت وتضحيات.
  • الثاني/ سيطرة خيار القوة الإسرائيلية في التعامل مع مشاكلها الأمنية وهو الآخر جاء تابعا لهيمنة يمينية في التعامل مع التسوية وسيؤدي إلى ما أدت إليه يمنية الحلول.
  • الثالث/ تراكم وعي الشعب الفلسطيني المؤيد لمدرسة المقاومة ولا يؤمن بالتسوية حتى بين الذين كانوا من قبل من أنصار مدرسة التسوية ، يساند هذا الوعي صحوة الشعوب العرب والإسلامية تجاه مواقف دولها ، وتجاه مخاطر التسوية وخطورة الدور الأمريكي ، كل ذ لك يمكن ملاحظته واختبر خلال انتفاضة الأقصى وتدلل عليه قياس رؤية النخب وقراءة مشاعر الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي.
  • الرابع/ عجز الأميركان وعدم رغبتهم في ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لإنجاز تسوية تراعي الرموز المطلوبة ، كما أن هناك نزعات للهيمنة والسطوة الأميركية ، مثل الانسحاب من اتفاقية ( كيوتو)، والإصرار على إنجاز مشروع الدرع الصاروخي ، واحتمالية تورطها بضرب العراق ...كل ذلك سيؤدي إلى تململ دولي هو الآخر سيكون مفيدا للحقوق الفلسطينية في المعادلة الدولية رغم ضررها المباشر على المنطقة بالبداية.

_______________
*كاتب وباحث فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة