حرية الفضاء وفضاء الحرية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ مريم بنت زيدون

في منتصف الثمانينيات، وفي قرية من قرى الريف الموريتاني ظل المشهد ذاته يتكرر كل صباح، في الركن الشرقي من البيت الصغير المتواضع يتربع الأب على سجادة الصلاة تحيط به ملفات من الورق العتيق جمع فيها الكثير من الفوائد والأدعية وأوراد الصباح والمساء.


يتمثل النقص المشترك بين الجزيرة والعربية في تجنبهما الخوض في مشاكل الدول الكبيرة في المنطقة مثل مصر وسوريا والسعودية، ومجاملتهما للدولتين اللتين تملكانهما
حوله تجمع الأولاد والزوجة، الكل منهمكون في الأوراد والاستغفار والتعوذ، أثناء هذه الوجبة الروحية المركزة التي كانت تبدأ بعد صلاة الفجر ولا تنتهي حتى يتم التأكد من ظهور الشمس، كان الكلام ممنوعا، وإذا حدث وداعب النعاس أو الكسل عيون الأطفال يتم التنبيه من الأب المراقب بلمزة أو هزة أو ضربة.

صوت واحد كان نشازا عن هذا الجو، إنه المذياع القابع غير بعيد عن أصابع الأب يرفع صوته أحيانا وينقصه حينا حسب الأخبار الواردة منه، لكن المهم في الصورة أن الإذاعة التي يضبط عليها ذلك المذياع في الساعة السابعة صباحا بالتوقيت المحلي الذي يوافق توقيت غرينتش هي "إذاعة صوت أميركا".

وجدتني أروي هذه القصة التي لم يكن البيت فيها سوى بيتي، والعبرة الأولى منها كنت أسوقها للمشككين في نجاح قناة إخبارية موجهة للمشاهد العربي إبان انطلاق قناة الجزيرة، وكنت أدرك يومها أنه إذا كان ذلك البيت الريفي بسكانه والذي يمثل الجو العربي والإسلامي المحافظ قد أقبل على الأخبار السياسية ووجد فيها متعة لا يمكن الاستغناء عنها في تلك الساعة من النهار، ولم يكتف بإذاعة BBC التي كان بثها المتواصل يملأ بقية الأوقات، فإن جيل اليوم القادم من جميع القرى الأخرى المشابهة سيكونون أكثر إقبالا على قنوات عربية تمدهم بالأخبار.

أما العبرة الثانية والتي أثق بها اليوم بعد أن فاق الإقبال على قناة الجزيرة كل التوقعات فهي أن هذا المشاهد -على نقيض ما يقوله البعض- يشده كل جديد قادم من خارج محيطه، وكلما حذر من هذا الجديد وكثرت الفتاوى بمنعه أحبه وحرص على تجربته، لذلك ليس غريبا أن يقبل على مشاهدة قناة الحرة الأميركية مهما كانت أهدافها ووسائلها ومهما هاجمها البعض أو دافع عنها آخرون. فكيف تتابع ظهور القنوات الإخبارية؟ وما سر الإقبال العربي على مشاهدة قنوات الأخبار؟ وهل هي خير أم شر؟

لقد شكك الكثيرون -أيام ظهور قناة الجزيرة- في نجاح قناة متخصصة في تقديم الأخبار موجهة للمشاهد العربي. وكان السبب الوحيد الذي سيق آنذاك هو أن هذا المواطن الذي تقتصر مجموعته المفضلة على القنوات التي تسبح وتقدس باسم الزعماء، أو قنوات وليدة جل ما تبثه الطرب والبرامج التافهة والمسلسلات المدبلجة، لن يهمه هذا السيل المتواصل من نشرات الأخبار. لكن ما غاب يومها عن أذهان المشككين هو أن هذا الجمهور كان يتابع ما يقدم له ولم يكن هو الذي يختار.

والسؤال الذي دار آنذاك في الأذهان هو: ماذا حصل فجأة لتظهر القنوات الإخبارية الحرة؟

والحقيقة أن الحديث عن الظروف التي اكتنفت ظهور قناة الجزيرة الفضائية أشبه ما يكون بالنظريات المطروحة حول ظهور الحياة على كوكب الأرض، والسؤال المشترك والمحير حول الأمرين هو: كيف؟ ولماذا التوقيت؟ ولماذا المكان؟

وسواء كان ما قاله المحللون من أن التغيرات السياسية التي حدثت في قطر آنذاك والمتمثلة في وصول قيادة جديدة حاولت التطوير والتجديد وكان من بين ما خطر لها إنشاء قناة إخبارية حرة على غرار إذاعة BBC..

أو كانت الظروف الإقليمية قد حتمت على الدول الصغيرة جغرافيا تطوير آليات لخلق بعض التوازن بأفكار أخرى لها دورها في منح القوة، أو كانت التطورات السياسية العالمية من سقوط للاتحاد السوفياتي قد برهنت على أن الحرب الكلامية وإن كانت أطول فترة قد تقود إلى نصر ساحق، أو كان التطور التكنولوجي الحاصل في مجال تقنيات الاتصال وسيطرة البث الفضائي قد شجع على ولوج عالم صناعة الأخبار..

أو كانت كل هذه الظروف مجتمعة قد أدت إلى ظهور قناة الجزيرة، فإن التساؤل الأكبر ظل يدور حول: كيف استطاع القائمون على قناة الجزيرة مع كل ما تعرضوا له من ضغوط أن يتابعوا البث على نفس خط التحرير -تقريبا- كل هذه الفترة؟ وكيف عض القطريون بالنواجذ وهم الأقل عددا والأصغر مساحة في المنطقة على نقطة قوتهم حتى تم التسليم بها اليوم وغض النظر عنها من طرف الكل؟

لئن كان البعض لم يدرك بعد هل الجزيرة على حق أم باطل فإن مسيرة السبع سنوات التي هي عمرها قد مرت فيها بالمراحل التي توجزها المقولة الشهيرة "كل حقيقة في الحياة تمر بثلاث مراحل: في البداية تتم السخرية منها، بعد ذلك تتم محاربتها بشدة، أخيرا يتم التسليم بها على أنها حقيقة لا تقبل النقاش".

ولعل قناة الجزيرة قد وصلت اليوم إلى المرحلة الأخيرة، لذلك ليس غريبا أن يتم استنساخها من طرف بعض الناقمين عليها تحت اسم قناة العربية.


لم يراوغ الأميركيون وهم يعلنون عن النتائج التي يسعون إلى جنيها من وراء الثلاثين مليون دولار التي استثمروها في قناة الحرة، وهي الحد من مشاهدة قناتي الجزيرة والعربية وتلميع الصورة الأميركية
فمع الظهور السريع والقوي لقناة العربية ظل الهدف الذي يتردد بين كواليس الفرق العاملة لإخراج هذه القناة إلى الوجود هو تحطيم قناة الجزيرة، وإن لم يكن فمنافستها، وإن لم يكن فالحد من متابعتها. وقد أخطأ هؤلاء في هذه المنافسة غير الشريفة وفي هذا الاستثمار الكبير الذي كان كل هدفه هو تحطيم القناة العربية الوحيدة التي ينفس المواطن العربي من خلالها عن غضبه وقهره، لكن بعد سنة من عمر قناة العربية بدأت نتائج جديدة تظهر:

بالنسبة للجزيرة: لقد زادتها المنافسة قوة بل إن العاملين في هذه القناة يقولون اليوم إن طريقة العمل قد تطورت، والظروف قد تحسنت، والوسائل وحجم الحضور العالمي كلها أمور قد تضاعفت بعد ظهور القنوات المنافسة.

ويؤكد هؤلاء أن القائمين على قناة الجزيرة يبدون اليوم مصممين أكثر من أي وقت مضى على الاحتفاظ بالصدارة، بل إنهم يسعون إلى زيادة المسافة الفاصلة بينهم وبين من يتبعونهم، وهم يدركون في هذا الصدد أن أشرطة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وتصريحات الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، والملفات الخاصة بالقضية الفلسطينية، والسبق الصحفي بين الحين والآخر، كلها أمور لم تعد كافية. لذلك بدؤوا يركزون على جوانب أخرى تمنح القوة وتؤتي الأكل على المدى البعيد وتتمثل في التركيز على المهنية وتوسيع رقعة الانتشار عالميا والاستثمار في التكوين.

وبالنسبة للعربية: لقد تذوق ممولوها حلاوة المشاركة في تقديم الحقيقة للمشاهدين بعد أن عكفوا على تخديرهم بالقنوات التافهة ردحا من الزمن، ولعل لسان حالهم يقول "طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله". وسعيا لكسب المكانة لدى المشاهدين أنجزت العربية الكثير من العمل الذي كان هامش الحرية فيه في بعض الأحيان أوسع وأكثر شجاعة من الجزيرة.

لكن الأصوات المنددة بالنقص المشترك بين الجزيرة والعربية ظلت تتعالى، ويتمثل هذا النقص في تجنب القناتين الخوض في مشاكل الدول الكبيرة في المنطقة مثل مصر وسوريا والسعودية، يضاف إلى ذلك مجاملتهما للدولتين اللتين تملكانهما.

وبينما لا تشكل تلك المجاملة نقصا كبيرا لقناة الجزيرة وذلك لصغر دولة قطر ومحدودية دورها في المنطقة وحداثة نظامها، فقد جاءت هذه النقطة لتكون حجر عثرة في طريق قناة العربية، وأمرا يظهر ضعفا ويخلق جوا من انعدام الثقة بينها وبين المشاهد العربي الذي يكاد لا يفرق بينها وبين القناة السعودية الأولى كلما تعلق الأمر بأصحاب الأمر هناك.

وفور ارتباط اسم العربية بالجزيرة وورودهما على كل لسان كفرسي رهان، بدا واضحا أنه إذا استمر السباق وافتتحت كل دولة قناتها الإخبارية الحرة الخاصة بها والتي ستسير على نسق القناتين السابقتين ما بين نسخة للأصل ونسخة للنسخة فلن تكون هناك نتيجة تنضاف إلى ما أنجز سوى المزيد من توائم فيصل القاسم، أو سامي حداد أو جميل عازر.

لكن نسخة أخرى غربية ظهرت مؤخرا لوحت للمتعطشين أنه بإمكانها تناول الشؤون المحظورة على الجزيرة والعربية بحرية على شاشة تتحدث باللغة العربية وتتناول الشؤون العربية، وهي قناة الحرة الفضائية.

فلم يراوغ الأميركيون وهم يعلنون عن النتائج التي يسعون إلى جنيها من وراء الثلاثين مليون دولار التي استثمروها في قناة الحرة، وقد أوجزوا ذلك في الحد من مشاهدة قناتي الجزيرة والعربية وتلميع الصورة الأميركية.

والحقيقة أنه يحق للمتشككين والمناهضين للغزو الثقافي التضايق من هذه القناة الأميركية في هذا الوقت بالذات، لكنه مما يدل على التغفيل تفاجؤهم بحصول أمر مماثل من الغريب أنه لم يحصل منذ زمن.

ففي عصر العولمة لا تستثني الاتفاقات الدولية التي صاغها الأقوياء ووقع عليها الضعفاء الإنتاج الثقافي، ولا تحمي الشعوب من مضار غزوه، وسواء كان هذا الإنتاج يوافق عادات ومعتقدات البلد الذي يغزوه أم لا فإن هذه الاتفاقات تعتبر الثقافة سلعة كالبيبسي والمارلبورو.

لكنني أبشر المشككين والمناهضين وأطلب منهم أن ينتظروا قليلا، فالسياسة الأميركية مصابة بالعمى وسوء التقدير فيما يخص المنطقة العربية.


يدرك المواطن العربي أن المواقع التي تتناول أخبارها القنوات العربية بحرية هي فقط المناطق التي يسيطر عليها الأميركيون واليهود مثل العراق وفلسطين
فبعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وخلال ثلاث سنوات هدمت كل ما بنته من جسور كانت تربطها بالعرب والمسلمين، ودأبت على زرع الشوك والحنظل، ولن تكون قناة الحرة إلا بذرة من تلك البذور، ولن يجني الزارع إلا ما زرع.

وأرجو أن تكون مصائب قوم عند قوم فوائد، وربما ينتفع العرب والمسلمون بما سيكون أشواكا وحنظلا لأعدائهم خاصة إذا كان سعي القائمين على قناة الحرة لاستقطاب المشاهد العربي سيقودهم إلى تحقيق ما وعدوا به من أنهم سيتناولون الشؤون المسكوت عنها بحرية لا يخافون عقباها كغيرهم.

وليس من الغريب أن يسمع المواطن العربي شؤونه وشجونه من ألد أعدائه، فالألم يعتصره يوميا وهو يتابع الأخبار ويدرك أن المواقع التي تتناول أخبارها القنوات العربية بحرية هي فقط المناطق التي يسيطر عليها الأميركيون واليهود مثل العراق وفلسطين..

وأنه ليس بإمكانه أن يتوقع مقابلة أو برنامجا يتم فيهما التطرق لبعض الفساد الذي يسود الدول العربية الأخرى دون أن يطرد مراسل من تلك الدولة، أو تقفل سفارة، أو يهدد مذيع، أو تشن حملات صحفية تملأ ما بين السماء والأرض.

ليت القنوات الإخبارية الموجهة إلى المنطقة العربية توالي وتتابع ظهورها، فلعله بعد النسخ العربية والنسخة الأميركية، تأتي النسخ الأوروبية أو الآسيوية، ولعلنا بعد ذلك إذا طفنا بين عشرات القنوات استطعنا تجميع صورة كاملة للحقيقة.

ورغم أن السم سيكون طاغيا على العسل ولن يكون في هذه القنوات من الحقيقة سوى الطعم المثبت في رأس الصنارة، فإنني متأكدة من أن المشاهد العربي الذي صمد للـBBC عشرات السنين يصوم معها ويحج ويسمع أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب ويعرف كيف يصفي سمها من عسلها وهي العجوز الطاعنة في السن المجربة للعقلية العربية، قادر على التصدي لرامبو المتخفي في ثوب الحرية.
___________
كاتبة موريتانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة