الوساطة المصرية إبراء للذمة أم حفاظ على المصالح الوطنية؟   
الأربعاء 1430/2/15 هـ - الموافق 11/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)
نبيل الفولي


- قبل الحرب وأثناءها
- بعد الحرب

لم يُسَرّ كثيرون بمواقف الحكومة المصرية من غزة أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليها، بل بدا أن قلوبا كثيرة قد جرحتها بألم تصريحات رسمية عديدة صدرت عن القاهرة، فضلا عن المواقف العملية أثناء الأزمة.

وبالطبع لم ينته الدور المصري في غزة بتوقف القتال، بل لا يمكن أن ينتهي -على أي حال- ما دامت الجغرافيا هي الجغرافيا والتاريخ هو التاريخ. وفي الواقع الفعلي ما يزال هذا الدور يتواصل خلال الوساطة المصرية بين حماس وإسرائيل.

وعدم إمكانية إخراج مصر من المعادلة الفلسطينية ليس مشكلة ولا محل خلاف أصلا، ولا حتى مع الإسرائيليين أنفسهم، ولكن المشكلة المهمة يطرحها هذا التساؤل: هل تغيرت حقيقة الموقف المصري من غزة بعد الحرب عما كان عليه أثناءها؟

"
بدا أثناء الحرب أن مصر الرسمية لم تحاول التمييز بين ضرر أصغر -إن اتفقنا على أن مشروع حماس به بعض عناصر الضرر- وضرر أكبر، مع اتفاقنا على أن إسرائيل كيان ضار بالمنطقة كلها، بل اعتبرت القضية الفلسطينية كلها وبصورة عملية هي حماس
"
قبل الحرب وأثناءها
لا يغيب عن أحد أن مصر قبل الحرب الأخيرة على غزة كانت تضغط في بعض الأحيان على الجانب الفلسطيني -في حواره غير المباشر مع الإسرائيليين- لكي يقبل بمواقف أقل من السقف الذي يأمله، ولكن القاهرة كانت تبدو في هذا كالذي يراعي الموازين الظاهرة للقوة، وأن الفلسطينيين في وضع لا يسمح لهم كثيرا بفرض شروطهم على الطرف الإسرائيلي، فلزم أن يعطي الضعيف -حسب هذه الرؤية- تنازلات أكبر عن حقوقه.

ومع هذا كانت القاهرة في هذه المرحلة تسكت لأشقائها على أمور تضمن لغزة الحفاظ على رمق من الحياة، مما كنا نفسره على أنه التفاف واهن على الموقف الدولي الظالم للقضية الفلسطينية والمنحاز إلى جانب إسرائيل، على طريقة أن الأقوى هو الأحق دائما، أو ما نسميه "قانون الغاب" الذي يسود حين تتجرد القوة من القيم المحترمة.

لكن المفاجأة المصرية وقعت ثقيلة منذ أن بدأ الطيران الإسرائيلي يدمر غزة، ويغتال سكانها بلا رحمة في السابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول الفائت وما بعده، إذ لم تكن القاهرة إزاء هذه الجريمة هي القاهرة التي عرفها الناس طوال تاريخها.

ولم يخف على أحد هذا الاهتزاز الذي أصاب المسؤولين المصريين حينئذ، وهم يحاولون الدفاع عن موقف بلادهم، بل قبل ذلك وهم يقولون بنقيض ما يحدث بالفعل، أو على الأقل بنقيض ما تردده أكثر مصادر المعلومات في العالم، حتى الإسرائيلية منها، وتنقل بعضه بالصورة وعلى لسان من لا مصلحة له في الانحياز إلى غزة.

لقد بدا أثناء الحرب أن مصر الرسمية لم تحاول التمييز بين ضرر أصغر -إن اتفقنا على أن مشروع حماس به بعض عناصر الضرر- وضرر أكبر، مع اتفاقنا على أن إسرائيل كيان ضار بالمنطقة كلها، بل اعتبرت القضية الفلسطينية كلها وبصورة عملية هي حماس.

وقُدِّمت مواجهة الاختلاف في الرأي والموقف السياسي على مجرد الاحتراز من العدو التاريخي وطنيا وفكريا وسياسيا وعقديا، في تركيب لمعادلة مقلوبة تماما وغير معقولة.

وإذا كان الواقع الدولي مجنونا لا يعرف حقا من باطل، فلا ينبغي أن نفقد نحن عقولنا مثله.

ونؤكد ثانية أنه من الظلم الفادح للحقيقة أن نعتبر القضية الفلسطينية كلها هي حماس، بل من الظلم أن نعتبر غزة الصغيرة كلها هي حماس، مع تقديرنا للدور المتميز للحركة ضمن المشروع الوطني الفلسطيني، لأن فلسطين وطن وأرض وشعب وتاريخ ومقدسات، وأما "حماس" فهي ترجمة لاجتهادات بشرية تصيب وتخطئ.

وإذا لم نفهم هذا جيدا، فسنختلف مع فلسطين الوطن والأرض والشعب والتاريخ والمقدسات حين نختلف مع الحركة، ونغضب على فلسطين الوطن والأرض والشعب والتاريخ والمقدسات حين نغضب على حماس، وهكذا تنسحب مواقفنا من الحركة على مواقفنا من فلسطين التي لا يفكر أي منا في التخلي عنها إلا إذا تخلى عنه عقله وانتماؤه الديني والوطني.

مهما يكن، فربما نملك أعذارا أو تفسيرات مقبولة شيئا ما للموقف الرسمي المصري من غزة قبل الحرب، فنقول مثلا إنه كان تقصيرا يمكن تحمله أو تعويضه بوسائل أخرى، لكننا إلى الآن لم نجد ولم نسمع بعذر يقبله عاقل لهذا الموقف أثناء الحرب، فكل الدول التي ليس فيها جماعات ضغط صهيونية كانت مع غزة وضد العدوان الصهيوني، وكل الشعوب التي أُتيح لها أن تفهم الحقيقة كانت كذلك مع غزة وضد العدوان.

"
ربما نملك أعذارا أو تفسيرات مقبولة شيئا ما للموقف الرسمي المصري من غزة قبل الحرب، فنقول مثلا إنه كان تقصيرا يمكن تحمله أو تعويضه بوسائل أخرى، لكننا إلى الآن لم نجد ولم نسمع بعذر يقبله عاقل لهذا الموقف أثناء الحرب
"
قد يقال إن هذه الدول وهذه الشعوب لم تفعل شيئا كبيرا لغزة! لكن أَنَّى لها أن تفعل والشامُ ومصر لا ينتصر أحدهما بدون الآخر أبدا، وهو أمر يعرفه كل قارئ للتاريخ منذ فصوله الأولى وحتى اللحظة الحالية، بل يعرفه الناس منذ حِقَب زمنية طويلة.

فمثلا استغاث أهل فلسطين قديما بالفرعون إخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكتبوا إليه يقولون عن الأعداء "إنهم الآن يحاولون الاستيلاء على يوروساليم، وإذا كانت هذه الأرض ملكا للفرعون، فهل تترك يوروساليم تسقط؟" فأرسل إخناتون جيشا لدرء الخطر الداهم.

وقُل مثل ذلك عن استقرار الفتح الإسلامي لمصر، وتأمين الوجود الأموي والعباسي ثم المملوكي والعثماني في المنطقة، ودرء الخطرين الصليبي والمغولي عن العالم.. إلخ.

والتاريخ لا يكذب، ولو أهمله من أهمله في قراءة الواقع، فمع تغير بعض المعطيات والظروف في واقعٍ ما تبقى فثمة عناصر ثابتة تفرضها الجغرافيا الصارمة والثقافة والتاريخ الذي لا يمكن أن يخفى وجهه، وهي أمور لم يفت إسرائيل الاهتمام بها في جامعاتها ومؤسساتها البحثية، كما لم يفت الاستعمار الغربي للمنطقة من قبل أن يوجه جيوش باحثيه إلى دراسة الشرق قبل أن يرسل عساكره لاحتلاله.

بعد الحرب
ردد المسؤولون المصريون في أكثر من مناسبة -خاصة بعد توقف الحرب- أن مصر أهم لديهم من كل شيء، بمعنى أن مصلحتها بالنسبة لها، مقدَّمة على مصالح الجوار العربي، وأوله الجوار الفلسطيني.

وهذه حقيقة، فنحن نقول إن قلب الإنسان أهم له من يديه ورجليه، والاحتفاظ برأسه في مكانها أهم من الاحتفاظ بعينيه. ولكن متى نقول هذا؟ متى نقول إن الرأس بدون عين أهم من العين وحدها، والقلب أهم من اليد والرِّجل بإطلاق؟

بالطبع لا نقول هذا إلا في واقع لا نملك فيه الاحتفاظ بكل شيء، فحين يوضع المريض بين يدي الأطباء فإنهم يقدمون الاحتفاظ بما تذهب الحياة بذهابه على الاحتفاظ بما تنقص الحياة بفقده، إذا كانوا مضطرين إلى هذا، أي إذا لم يستطيعوا الاحتفاظ بكل شيء.

وعند التدقيق سنجد أن احتمالات الاحتفاظ بحق سلبه عدو قوي أرجح من احتمالات الاحتفاظ بعضو من الجسد أشرف على التلف، وإن كانت الأولى أكثر كُلفة، وذلك أن العضو المريض هو جزء الذات المتملكة تتحدد أوضاعه من الصحة والمرض تبعا لعوامل قَدَرية لا دخل للإنسان فيها غالبا، وأما الحق المسلوب فهو حق منقول أو متحرك، تتحكم في تملكه قدرات صاحبه وقدرات الغاصب، وهي قدرات غير ثابتة لا بالنسبة للغاصب ولا المغصوب.

"
لا ينبغي على الإطلاق أن تعتبر الوساطة المصرية بين حماس وإسرائيل تقريبا بين وجهات نظر طرفين يقفان من مصر على قدم المساواة، ولا تطوعا من مصر، ولا مجرد إبراء للذمة، ولا تغلبا على حرج سياسي، بل الدفاع عن غزة دفاع عن القاهرة والأزهر والأهرام والنيل
"
ومن هنا فإن محاولة التأقلم مع واقع أننا الأضعف، وأن عدونا هو الأقوى بممالأة السياسة الدولية الظالمة هو صيرورة ضد الفطرة، وعمل في الاتجاه غير المعقول، وواقعية غير صحيحة، بل إنه منطق يائس في مواجهة مصاعب الحياة.

حقيقة قد لا نكون قادرين الآن على مواجهة إسرائيل ومن يساندها في حروب كبيرة وصريحة، ولكن لا ينبغي أن نسلم للأجيال التالية قضية ميتة، فنرجع بها إلى الوراء خطوات بعيدة، بدلا من أن نتقدم بها ولو خطوة واحدة.

وقد كانت مصر من قبل تتخطى الواقع الدولي غير المواتي، وتقدم مساعدات لدول شقيقة وصديقة أبعد عنها كثيرا من فلسطين، كالجزائر والكونغو، حتى تحررت هذه الدول من الاستعمار في واقع قد يكون أشد صعوبة من واقع القضية الفلسطينية.

ومن هنا نقول إن عودة الموقف المصري من غزة بعد الحرب ولو إلى المربع الأول الذي كان قبل الحرب، موقف ظلم للنفس وتقصير في حقها قبل أن يكون تقصيرا في حق الأخ والشقيق.

وإذا رجعنا إلى السؤال المحوري لهذه السطور، هل تغيرت حقيقة الموقف المصري من غزة بعد الحرب عما كان عليه أثناءها؟ نقول للأسف الشديد: لم يثبت لنا إلى الآن بصورة واضحة أن حقيقة الموقف المصري من غزة قد تغيرت.

فما زالت عناصر الموقف هي هي، وأهمها الحياد حيث لا يُعْقَل الحياد، والتسوية بين الظالم والمظلوم، والأخ والعدو، وتقديم التوافق مع الخارج على آمال الداخل، واعتبار القوة هي الحكم، فالأقوى هو الذي من حقه أن يأخذ، وهكذا.

لا ينبغي على الإطلاق أن تعتبر الوساطة المصرية بين حماس وإسرائيل تقريبا بين وجهات نظر طرفين يقفان من مصر على قدم المساواة، ولا تطوعا من مصر، ولا مجرد إبراء للذمة، ولا تغلبا على حرج سياسي. بل الدفاع عن غزة دفاع عن القاهرة والأزهر والأهرام والنيل، وتملك مصر باسمها المجرد -فضلا عن وزنها الثقافي والحضاري والجغرافي وغير ذلك- أن تؤثر بقوة في اتجاه الريح في المنطقة.

ومصر تستطيع الآن على الأقل، أن تشعر إسرائيل بقيمتها دون أن تطلق رصاصة واحدة كما فعلها أردوغان، حتى لا تتجرأ تل أبيب على توظيف مصر في مربعات القضية الفلسطينية التي تفيدها فقط، فتقصيها من الحوار مع السلطة الفلسطينية منفردة بالمفاوض الفلسطيني عاري الظهر، وتقربها عندما تريد الاستفادة من الضغط على غزة.

إن الإنسان "بشخصه" من حقه أن يفعل ما يشاء، على أن يتحمل نتيجة أفعاله، أما الإنسان "بصفته" فلا يملك مثل هذه الحرية المطلقة، لأنه لن يتحمل نتيجة الفعل وحده، وهذه هي ضريبة شغل المناصب الكبيرة، فتعطي لصاحبها من الصدارة بقدر ما تأخذ من حريته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة