القتل الجوي شمال أفغانستان   
الثلاثاء 1430/9/26 هـ - الموافق 15/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:21 (مكة المكرمة)، 12:21 (غرينتش)
نبيل شبيب


هل من جديد؟
العد العكسي للهزيمة المحتمة
بقايا إستراتيجية أوباما

كما كان الحال مع غارات أميركية وأطلسية سابقة على مواقع أفغانية، تأتي الغارة الأطلسية (صباح 4/9/2009م) في قرية "حجي أمان الله" في ولاية قندز شمال أفغانستان فتكرر المشهد، من حيث الإجرام الحربي الكامن فيها، ومن حيث الضحايا من عامة السكان العزل من السلاح وأجسادهم تتمزق وتحترق.

يقول محمد داود البالغ 32 عاما من عمره كما نقلت عنه صحيفة هامبورغر آبند بلات الألمانية: "هذه صور لن أنساها، جميع الأجساد تمزقت، وانتشرت الأقدام والأيادي وأعضاء أخرى في المكان".. وتقول نيويورك تايمز الأميركية نقلا عن مدير مستشفى قندز هومانجون كموش، "إن المستشفى استقبل اثني عشر شخصا أجسادهم محترقة، أصغرهم صبي في الثانية عشرة من عمره".

ونقلت وكالة الصحافة الألمانية عن أحد سكان القرية أن عدد الضحايا حوالي 150 (الجهات الرسمية الأفغانية تتحدث عن 90 والغربية عن بضعة وخمسين) وأن كثيرا منهم مدنيون، وأن من بينهم ابن عمه الذي كان في العشرين من عمره.

وتنقل وسائل إعلام غربية أخرى صورا أخرى من المشاهد المأساوية عن تلك الهجمة الجوية لطائرتين مقاتلتين أطلسيتين استنجد بهما جورج كلاين، قائد القوات العسكرية الألمانية في قندز الأفغانية، بعد العجز عن إنقاذ شاحنتين للوقود، من شحنات تموين قواته، فقد سيطر عليها مقاتلون من طالبان عند نقطة مراقبة على مقربة من الحصون العسكرية، ومضوا بها، فوصلوا إلى تلك القرية على بعد سبعة كيلومترات فقط من الموقع العسكري الألماني، وكانوا يريدون توزيع بعض الوقود على السكان قبل متابعة طريقهم، وفي تلك اللحظة قتلتهم القذائف الجوية الأطلسية مع السكان الذين هرعوا إليهم.

هل من جديد؟
"
مع كل "جريمة جديدة" يتكرر الحديث عن وصف الحدث بغارة عسكرية نظامية استهدفت مقاتلين، وأن القتلى مقاتلون، ومع صدور تصريحات من المسؤولين الأفغان المحليين تأتي مواقف رسمية مشككة وأخرى تعبر عن الحزن والأسف
"
لا تختلف العملية عن سابقاتها من حيث سقوط الضحايا الأبرياء، وجميع ضحايا الحرب العدوانية أبرياء، ولكنها تختلف عنها من حيث مجراها وظروفها ونتائجها المنتظرة.

مواطن التشابه معروفة في هذه الأثناء:
1- وحشية مأساوية: تتمثل في إجرام عسكري ترتكبه القوات الأعظم تسلّحا في عالمنا المعاصر، وتستهدف به حسب أقوال قادتها "حفنة من فلول عصابات طالبان الإرهابية المقاتلة"، ولكنها ترتكب خلال ذلك المجازر الوحشية المتتالية التي يسقط ضحية لها عشرات المدنيين العزل من كل سلاح، من أطفال ونساء وشيوخ.. وقد تصيب خلال ذلك بعض المقاتلين الأفغان أيضا.

2- التضليل الرسمي: مع كل "جريمة جديدة" يتكرر الحديث عن وصف الحدث بغارة عسكرية نظامية استهدفت مقاتلين، وأن القتلى مقاتلون، وهذا ما قيل فور وقوع هذه الجريمة أيضا، وجاء ذلك في بيان عسكري ألماني رسمي يتحدث -بالضبط- عن 65 مقاتلا من طالبان سقطوا في القرية.

3- التشكيك الرسمي: مع صدور تصريحات من المسؤولين الأفغان المحليين، ومع انتشار معلومات عبر بعض الإعلاميين الغربيين (كما ورد في المقدمة أعلاه) تأتي مواقف التشكيك الرسمية، ومحورها الحديث عن وقوع قتلى، هم مسلحون غالبا، ولا تتوافر معلومات دقيقة بعد عن احتمال سقوط مدنيين أيضا، وسوف يجري التحقيق في الحادثة!..

4- الأسف الرسمي: بقدر ما يزداد ظهور حجم التناقض بين المشاهد المصورة والتقارير الإعلامية الغربية، وبين الأقوال الرسمية، تأتي مواقف رسمية أخرى تعبر عن الحزن والأسف -دون إلغاء عبارة: في حالة سقوط مدنيين فعلا!!- مع تأكيد الحرص على السلام، وعلى خدمة شعب الأفغان، وعلى اتباع القواعد العسكرية في الحرب، وعلى السعي لتجنب مثل تلك "الحوادث المؤسفة"!..

ثم تضاف الجريمة الجديدة إلى ملفات التجاهل مع قوائم الجرائم القديمة.. بانتظار الجريمة التالية. وتبقى الحصيلة أن القسط الأعظم مما تصنعه القوات الأطلسية والأميركية في أفغانستان جدير بوصف القتل باسم الحرب، ليس إلاّ، وأن التغطية على ذلك بالحديث عن جهود بناء اقتصادية وسياسية وأمنية للبلد المنكوب بإمبراطوريات الشرّ عبر التاريخ وحتى الآن، لا قيمة لها، وهذا ما يظهر بوضوح عند النظر في تقرير "هيئة أبحاث الكونغرس" يوم 14/7/2009م، وأن حجم نفقات الحرب العسكرية تعادل أكثر من 12 ضعف ما يوصف بنفقات "اقتصادية وتنموية" تشمل "الدعم العسكري" للحكومة الأفغانية "المنتخبة أميركيا!".

لا جديد إذن على صعيد وحشية الحرب، والتضليل السياسي بصددها، ولكن هل من جديد يمكن أن تصنعه جريمة يوم 4/9/2009م بالذات؟

العد العكسي للهزيمة المحتمة
إن هذه الجريمة تختلف عما سبقها من حيث مجراها، وموقعها، ونتائجها المرجّحة داخل أفغانستان وعلى المستوى الدولي، ولا تمكن الإحاطة بسائر هذه النتائج المتوقعة في مقال، فلا بد من الإيجاز في الفقرات التالية:

مجرى الجريمة: تميز مجرى معظم عمليات القتل للمدنيين في أفغانستان وباكستان المجاورة بعدد من العناصر التي كان تعليلها في الغرب يركّز عليها، منها استهداف "قادة إرهابيين"، وليس هذا ممكنا في هذه العملية فقد كان واضحا أن منفذيها مقاتلون من طالبان، وأن قرية "حجي أمان الله" في ولاية قندز لا تمثل قطعا "وكرا" تتوارى فيه قيادات عسكرية لطالبان أو الحزب الإسلامي بزعامة حكمتيار ناهيك عن القاعدة، ومنها أن العملية تنفذها طائرات دون طيار مما يوحي بأن عدم الدقة في الإصابة يعود إلى خطأ فني، ولم يكن هذا صحيحا في ما مضى، إنما هو أشد بطلانا في هذه الغارة التي تقول المصادر العسكرية الألمانية إن "طائرة دون طيار رصدت فيها 67 عنصرا مقاتلا من طالبان"، وهو ما يؤكد الدقة من الناحية التقنية الفنية لتلك الطائرات.

أما الغارة فنفذتها طائرتان مقاتلتان لحلف شمال الأطلسي، وكان تنفيذها على ارتفاع منخفض نسبيا، فليس لدى "العدو" أي وسيلة دفاعية مضادة للطائرات المقاتلة، ويجري التنفيذ عادة مع الرؤية البصرية للهدف، ولم يكن مشهد الشاحنتين وتجمع السكان حولها غائبا عن الأنظار، فجاء القصف رغم رؤية المدنيين وليس نتيجة جهل بوجودهم، والمسؤولية تقع على عاتق من نفذ العملية ومن يتابعها ويصدر الأمر النهائي بإطلاق النار من مركز القيادة.

"
المشكلة الحقيقية الأكبر أمام قوات الاحتلال في أفغانستان هي أن معظم طرق الإمداد عبر باكستان، وفي جنوب أفغانستان وشرقها، أصبحت في خطر، وأن المسؤولين يعملون منذ فترة على تحويل طرق الإمداد وفق اتفاق واشنطون وموسكو
"
التموين في خطر
:
لا شك أن أحد الدوافع الرئيسية وراء استنجاد القيادة العسكرية الألمانية في المنطقة بطائرات أطلسية، يكمن في الخوف من أثر نجاح العملية المتوقع على طرق إمداد الجيش الألماني بما يحتاج إليه من وقود وعتاد ومؤن، ولا تصح التغطية على ذلك بما ورد على لسان القائد الميداني الألماني وعلى لسان وزير الدفاع الألماني من أن "استيلاء" مقاتلي طالبان على شحنتين من الوقود السائل، يمثل خطر استخدامه في "عمليات إرهابية" ضد القوات الألمانية في أفغانستان، فهذا ما يتناقض مباشرة مع ما نقلته وكالات الأنباء ورصده المسؤولون العسكريون الألمان ميدانيا دون ريب (كما يشير الحديث عن الرقابة عبر طائرة دون طيار) من أن مقاتلي طالبان بدؤوا في توزيع الوقود على سكان القرية الذين استهدفتهم الطائرات المقاتلة.

المشكلة الحقيقية الأكبر أمام قوات الاحتلال في أفغانستان هي أن معظم طرق الإمداد عبر باكستان، وفي جنوب أفغانستان وشرقها، أصبحت في خطر، وأن المسؤولين يعملون منذ فترة على تحويل طرق الإمداد وفق اتفاق واشنطون وموسكو، لتكون عبر الأراضي الروسية وعبر أراضي طاجيكستان وأوزبكستان شمال أفغانستان، لتصل إلى قوات الاحتلال عبر منطقة الشمال الأفغاني، ومن هنا التأكيد على أن طرق الإمدادات جميعا أصبحت في خطرٍ كشفت عملية القتل الجوي الأخيرة عن حجمه.

الأوزبك والطاجيك وجبهات القتال: كثيرا ما ركزت المصادر الغربية، السياسية والعسكرية والإعلامية، على أن المقاتلين من طالبان وسواهم، يعتمدون -فقط- على الأفغان من الباشتون، ويبدو أن الأوزبكيين والطاجيك من أهل أفغانستان، لا سيما في الشمال، لم يعودوا بمنأى عن التحول إلى جبهة إخوانهم من الباشتون، وهذا مما يفسر زيادة عمليات طالبان في الشمال كمّا ونوعا على امتداد العامين الماضيين، وتختلف جريمة القتل الجوي الأخيرة عن سابقاتها اختلافا جذريا من حيث إن ضحاياها هم من أهل أفغانستان في الشمال، ولن يكون هذا دون أثر مباشر عليهم وعلى ازدياد دعمهم للمقاتلين من طالبان والحزب الإسلامي، وربما تكوين جبهات قتال إضافية في المنطقة بصورة مباشرة.

تعدد أسباب السخط الأفغاني: ينبغي التنويه هنا بأن أسباب السخط الأفغاني وبالتالي ازدياد تأييد المقاتلين متعددة من الأصل، وتتضاعف باستمرار، ولئن كشف مجرى الانتخابات الأخيرة عن بعضه، كما كشفت جريمة القتل الجوي هذه عن جانب آخر لترجيح ازدياده، فقد تزامن معها ما يمكن أن يترك أثرا إضافيا على المستوى الشعبي، وهو الكشف عن "فضيحة حفلة جنسية مجونية صاخبة" مع تصوير عدد من مشاهد الممارسات اللواطية خلالها، بمشاركة عدد من العاملين في السفارة الأميركية في كابل.

وتضاف هذه الحادثة إلى كثير سواها على مستوى الفساد المحلي لحكومة تحتضن الاحتلال ويحتضنها، فضلا عما تصنعه مآسي الحرب بصورة مباشرة، لتضاعف أسباب ازدياد السخط، وازدياد الدعم الشعبي لمواجهة الاحتلال والعمل على إنهاء وجوده بمختلف الوسائل.

الانتخابات الألمانية: في ألمانيا التي يتحمل قادتها العسكريون الميدانيون المسؤولية المباشرة عن طلب تدخل طائرات الأطلسي للقيام بهجوم جوي -"رغم عدم وضوح طبيعة الهدف بما يكفي" حسب التعبير الرسمي- تؤكد استطلاعات الرأي معارضة ما لا يقل عن 70% من السكان للوجود العسكري الألماني في أفغانستان من حيث الأساس، وحتى الآن لم يتحول ذلك إلى نقطة على جدول أعمال المعركة الانتخابية الجارية لانتخابات المجلس النيابي في 27/9/2009م.

ولهذا تأخذ عملية القتل الجوي الأخيرة بعدا إضافيا يتجاوز مختلف ما سبقها، وينذر بأن تصبح الحرب في أفغانستان موضوع جدل شديد يؤثر على الرأي العام، وربما على الانتخابات، وكان تصريحات وزير الخارجية الألماني شتاينماير (والمرشح الاشتراكي لمنصب المستشار) حافلة بالتناقضات المحرجة وهو يحاول الحفاظ على الموقف الرسمي، ويقول بضرورة تحديد موعد للانسحاب من أفغانستان، شريطة عدم الإعلان عن ذلك!

 ومن المؤكد أن يتسع نطاق معارضة بقاء القوات الألمانية في أفغانستان داخل الأحزاب الألمانية الحكومية أيضا، وهي متركزة في الوقت الحاضر في حزب اليسار، وقطاعات يتفاوت حجمها من الأحزاب الأخرى.

بقايا إستراتيجية أوباما
لم يمض على إعلان الرئيس الأميركي أوباما رسميا عن إستراتيجيته الجديدة لحرب أفغانستان سوى خمسة شهور، وقد اعتبرها "ضرورة حتمية" وأعطاها الأولوية على ما سواها، وظهرت معالمها الكبرى بحملة عسكرية أرضية اهترأت سريعا نتيجة الإخفاق في تحقيق أهدافها على الأرض، ويتزامن مع عملية القتل الجوي الأخيرة:

1- إعلان القائد العام للقوات الأطلسية والأميركية في أفغانستان، كريستال، عن ضرورة وضع إستراتيجية جديدة.

2- إعلان وزير الدفاع الأميركي غيتس أنه لا يوجد سوى "وقت محدود" لتثبت إستراتيجية أوباما جدواها.

3- كشفت سلسلة من عمليات استطلاع الرأي الأميركية (واشنطن بوست، وأي بي سي، وإيكونومي ستيت، وسي أن أن، وغيرها) أن:

"
السؤال المحوري في واشنطن بعد عملية القتل الجوي الأخيرة، وبعد إخفاق إستراتيجية أوباما لن يكون: كيف يمكن تحويل مجرى الحرب تجنبا لهزيمة بعيدة العواقب, بل: كيف يمكن وضع حد لهذه الحرب؟
"
- 15 % فقط من الأميركيين يعتقدون إمكانية كسب الحرب، و65% يتوقعون الانسحاب دون ذلك.

- 51% يرون أنه لا يوجد ما يستحق خوض الحرب في أفغانستان (وترتفع النسبة إلى 70% في صفوف أنصار الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما).

- 32% فقط يؤيدون رغبة أوباما في إرسال مزيد من القوات.

- تزايد هبوط شعبية أوباما تدريجيا وربط ذلك بالحرب في أفغانستان، ويرى بيتر باكر من نيويورك تايمز أن "المواجهات مع طالبان" قد تقضي على شعبية أوباما تماما.

لن يكون السؤال المحوري في واشنطن بعد عملية القتل الجوي الأخيرة، وبعد إخفاق إستراتيجية أوباما: كيف يمكن تحويل مجرى الحرب تجنبا لهزيمة بعيدة العواقب على السياسات الأميركية والأطلسية دوليا، بل: كيف يمكن وضع حد لهذه الحرب، دون أن تظهر معالم الهزيمة عسكريا بدرجة تسبب تلك العواقب المحتمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة