النفق المسدود وعودة الثنائي نتنياهو ليبرمان   
الاثنين 9/1/1435 هـ - الموافق 11/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)
باسل غطاس



مع بداية الدورة الشتوية للكنيست تتعزز قبضة نتنياهو وائتلافه الحاكم وقدرتهم على الاستمرار بالحكم في المستقبل القريب, إذ من غير المتوقع حدوث هزات قادرة على زعزعة حكمهم.


حتى في موضوع قضية ليبرمان الذي لو أدين في المحكمة بتهمة الخداع وخيانة الأمانة لكانت هناك علامات استفهام كثيرة بشأن استمرار شراكة حزبه "إسرائيل بيتنا" مع الليكود، جاءت الرياح بما تشتهي أشرعة نتنياهو فتمت تبرئته ليستعيد موقعه كوزير للخارجية قريبا جدا.

ويعني ذلك مزيدا من الاستقرار الداخلي في الحكومة وتوطيدا لموقع نتنياهو وليس العكس كما يظن البعض, فالحقيقة أن نتنياهو وليبرمان شريكان متكاملان في تفاصيل التفاصيل وأيضا في تقاسم الأدوار.

إلى أين تقود هذه الحكومة البلاد والمنطقة؟ هل كان دخول نتنياهو المفاوضات بنية صادقة للوصول إلى اتفاق شامل والخوض في القضايا الكبرى وهي: الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئون؟ وهل كان تصريحه في موضوع حل الدولتين في بار إيلان تغييرا أيدولوجيا ثوريا من قبله؟ وهل يعكس هذا التصريح تغييرا مشابها في سياسة وفكر حزب الليكود الحاكم؟

من الواضح أن نتنياهو يوجه دفة الحكم لا إلى اتخاذ قرارات تاريخية صعبة ولا إلى تنازلات (كما يسميها الخطاب السياسي الإسرائيلي)، وإنما إلى عملية معقدة من إدارة الصراع تشتمل على مناورات متعددة الجوانب، مثل الدخول في المفاوضات بشروط سهلة جدا

من الواضح أن نتنياهو يوجه دفة الحكم لا إلى اتخاذ قرارات تاريخية صعبة ولا إلى "تنازلات" إسرائيلية (كما يسميها الخطاب السياسي الإسرائيلي)، وإنما إلى عملية معقدة من إدارة الصراع تشتمل على مناورات متعددة الجوانب، مثل الدخول في المفاوضات بشروط سهلة جدا، واللعب بالورقة الإيرانية سواء كتهديد جدي للأمن في المنطقة أو كستار دخان أمام الضغط الدولي في الموضوع الفلسطيني.

ونقول "كتهديد جدي" لأننا نعتقد بجدية نوايا نتنياهو بتوجيه ضربة لإيران في التوقيت والمناخ الدوليين الملائمين مهما كان الثمن الذي قد تدفعه إسرائيل، وذلك قبل امتلاك إيران للسلاح النووي.

ولا ينبع ذلك من حسابات نتنياهو الإستراتيجية والجيوسياسية الباردة فقط, وإنما أيضا من معتقدات دينية غيبية بأنه حامي الهيكل الثالث -أي إسرائيل الجديدة- في وجه الخراب (وهذه أسطورة صهيونية مستحدثة من أسطورة خراب الهيكل الثاني التوراتية).

وهو يعتقد في الصميم أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيكون بمثابة تهديد حقيقي لوجود إسرائيل، وأن التاريخ قد حمّله مسؤولية حماية وجودها. وقد كشف هذه النزعة الاستحواذية لدى نتنياهو أهمُّ رجلي مخابرات سابقين في إسرائيل وهما رئيس الموساد مئير دغان ورئيس الشاباك يوفال ديسكين.

من الواضح أن عربدات وشطحات نتنياهو الحربية تلقت ضربة مع انتخاب القيادة الإيرانية الجديدة واعتمادها نهجا جديدا في التعامل مع الغرب.

نتنياهو يقرأ الوضع العام خاصة بعد التطورات الأخيرة في مصر وسوريا تحديدا وخروجهما عمليا من الحلبة الدولية الشرق أوسطية كلاعبين مؤثرين ولو إلى حين، بأن الميزان الإستراتيجي يميل لصالح إسرائيل بشكل لم يسبق له مثيل وعلى كافة الأصعدة وخاصة الاقتصادية والسياسية.

والاستنتاج المركزي لنتنياهو واليمين الإسرائيلي أنه حتى بدون جهد كبير يستطيع إدارة الصراع بلا أي تقدم تجاه حل سلمي للقضية الفلسطينية وكسب الوقت حتى نهاية عام 2015، حيث يبدأ الانشغال الأميركي المكثف بالانتخابات الداخلية، مما يعني التخلص حتى من الضغط الأميركي الخفيف النابع بدوره من رؤية أميركا لمصالحها الإستراتيجية في المنطقة.

بعد خروج مصر وسوريا عمليا من الحلبة الدولية الشرق أوسطية كلاعبين مؤثرين ولو إلى حين، يعتقد نتنياهو أن الميزان الإستراتيجي يميل لصالح إسرائيل بشكل لم يسبق له مثيل وعلى كافة الأصعدة وخاصة الاقتصادية والسياسية

طبعا إدارة الصراع في ظل الفكر الاستيطاني المسيطر على الليكود والمدعوم بالشريك الائتلافي لا تعني بحال من الأحوال المحافظة على الوضع القائم، وإنما استغلال علاقات القوة القائمة وميزان القوى الراجح لمصلحة إسرائيل، وذلك عبر تكثيف الاستيطان وتقويته والسيطرة على أكبر قدر من الأرض، وفرض الأمر الواقع وتحويل أدوات أوسلو بموافقة فلسطينية وعربية ودولية إلى روافع مريحة لإسرائيل في عملية الاستمرار في إدارة الصراع وتحقيق النتائج المثلى لصالحها.

أوفير أكونيس نائب الوزير الذي يعتبر في داخل الليكود من المتطرفين، كشف في الكنيست -دون أن يحاول إخفاء الحقائق- أنه إضافة إلى الـ1500 وحدة سكنية التي أُعلِن البدءُ ببنائها قبيل إطلاق سراح الدفعة الثانية من الأسرى الفلسطينيين، بدأ التخطيط لبناء 2000 وحدة سكنية في المستوطنات المختلفة، وعدّد بالأرقام والأسماء كل مستوطنة وعدد الوحدات التي ستبنى فيها، ونعفي القارئ من ذكرها تفصيليا حتى نتجنب ذكر أسماء المستوطنات بأسمائها التوراتية والكولونيالية البغيضة.

من تصريحات أكونيس يمكن فهم أمرين هامين: الأول عدم اكتراث الحكومة الإسرائيلية بأي نقد دولي سيأتي بعد كشف هذه المعلومات، حيث إن المفاوضات توفر لإسرائيل أفضل غطاء في وجه النقد الدولي الذي سيتمحور أساسا في أن الاستيطان يشكل حجر عثرة للمفاوضات والعملية السلمية، وليس لأنه غير شرعي وغير قانوني وأنه يشكل جريمة حرب.

الثاني أن نتنياهو وحكومته يخططان للبناء في المستوطنات المنفردة والبعيدة عما تسميه إسرائيل "مجمعات المستوطنات" التي تطالب بإبقائها تحت السيادة الإسرائيلية عبر تبادل أراضٍ.

هذا الأمر يعني عمليا تأكيدا واضحا كالشمس أن تصريحات نتنياهو حول حل الدولتين المعتمد على أي تقسيم جغرافي تحت سقف أوسلو وحتى بأقل من الحد الأدنى الذي يرضي السلطة الفلسطينية (ولا أقول الشعب الفلسطيني)، هي تصريحات مخادعة وتسحب البساط من تحت المفاوضات الجارية تحت مرجعية أوسلو.

حكومة نتنياهو كما كل الحكومات السابقة بما فيها حكومات حزب العمل التي شاركت فيها حركة ميرتس بعد توقيع اتفاقية أوسلو، أنشأت بأيديها وباستثمار بلغ عشرات المليارات واقعا استيطانيا استعماريا في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 أدى إلى انتشار المستوطنات كالورم الخبيث، وإلى مضاعفة عدد المستوطنين ثلاث مرات من عام 1994 وحتى نهاية 2012.

 جولة المفاوضات الحالية ستنتهي في أبريل/نيسان القادم دون نتيجة تذكر، وسيبقى الوضع القائم على ما كان عليه قبل جولة المفاوضات، وستكون الأمور مرشحة دائما للاشتعال

هذا الواقع سيمنع أي حل يعتمد على التقسيم الجغرافي وسيقود بالضرورة إلى حل الدولة الواحدة، وفي هذه الأثناء ينشئ واقعا من سيطرة شعب على آخر ومن نظام فصل عنصري.

إذًا.. ما المنتظر من هذه الحكومة؟ وكيف ستتطور الأمور في ظل هذا التوازن المفرط لصالح إسرائيل في السنوات القادمة؟

من الواضح أن جولة المفاوضات الحالية ستنتهي في أبريل/نيسان القادم بدون نتيجة تذكر، وسيبقى الوضع القائم على ما كان عليه قبل جولة المفاوضات، وستكون الأمور مرشحة دائما للاشتعال إزاء استمرار تغول الاستيطان والاعتقالات والملاحقات الأمنية في الضفة من جهة، وإزاء احتمالات التصعيد في العلاقة مع عرب الداخل من جهة أخرى، وخاصة ما يتعلق بمصادرة أراضي العرب في النقب والاستمرار في هدم البيوت.

الواضح أن وصول المفاوضات السلمية إلى نفق مسدود هذه المرة سيعني دفنا شبه نهائي لعملية السلام واقتراب أجل أوسلو وكل ما تمخض عنه, ولا أعتقد أنه سيبقى هناك -فلسطينيا أو عربيا أو دوليا- من يدعو للعودة إلى طاولة المفاوضات.

مرحلة ما بعد جولة المفاوضات ستتطلب إستراتيجيات جديدة، وبالتأكيد مشروعا جديدا للتحرر الوطني يقوم على إنهاء الانقسام الفلسطيني أولا، وتوحيد آليات المقاومة والعمل السياسي واستثمار التأييد الدولي والعمل في الأمم المتحدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة