عشر سنوات على اتفاق أوسلو.. ماذا حقق؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


* بقلم/ ياسر الزعاترة

- استنزاف ما قبل الاتفاق
- الاتفاق في عقل الطرفين

- قمة كامب ديفد كعنوان للفشل
- ماذا لو لم تندلع انتفاضة الأقصى؟
- ماذا لو لم يوقع الاتفاق؟

من الصعب إجراء عملية تقييم لاتفاق أوسلو بعد عشر سنوات على توقيعه من دون العودة إلى الأجواء التي أنجز فيها سيما تلك المتصلة بالوضع الداخلي الفلسطيني الإسرائيلي.

عندما وقع الاتفاق يوم 13/9/1993 كان الوضع الداخلي الفلسطيني قد دخل معركة جديدة لم يعرفها طوال سنوات الاحتلال، باستثناء حرب الاستنزاف (67 – 70)، مع فارق أن هذه الأخيرة كانت تتم من خارج الحدود، فيما انطلقت الأولى من أعماق الداخل، وأصابت الاحتلال في نقاط ضعفه.


مخاوف منظمة التحرير من البروز اللافت لحماس ساهمت في تسريع اتفاق أوسلو، فيما الهواجس الأمنية ومخاوف الاستنزاف هي التي دفعت الإسرائيليين إلى المربع ذاته

استنزاف ما قبل الاتفاق
في ذلك التاريخ كانت ملامح معركة استنزاف داخلي تتبلور في مواجهة الاحتلال، عبر حرب لا هوادة فيها يشنها مقاومون فلسطينيون، سيما من حركة "حماس" ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، في قطاع غزة تحديداً، فيما بدأت تمتد قبل إنجاز الاتفاق بشهور إلى الضفة الغربية، مدشنة النمط الاستشهادي بعملية الشهيد ساهر التمام ضد حافلتين عسكريتين إسرائيليتين يوم 16/4/1993.
هنا أدرك الاحتلال أنه إزاء تطور خطير يدفع معركته مع الشعب الفلسطيني نحو آفاق مختلفة لم يعهدها من قبل، فقد كانت المطاردة مع منظمة التحرير تتم خارج الحدود وبعدد قليل من الخسائر.

بالمقابل كانت الأجواء السياسية الفلسطينية والعربية والدولية تقول إن تنازلاً شكلياً من الطرف الإسرائيلي يمكنه أن يحصد اتفاقاً كبيراً يحمل المشروع الصهيوني نحو أفق جديد لا بد منه خلال تلك المرحلة بعد سنوات طويلة من الحروب.

فلسطينياً كان همّ منظمة التحرير هو الاعتراف الأميركي والعودة إلى المشهد السياسي بعد سنوات من التغييب إثر معركة بيروت. وعربياً كانت ظلال هزيمة العراق والانقسام العربي تترك آثارها على النظام العربي الرسمي. أما دولياً فعالم القطب الواحد، كان أقرب إلى الواقع العملي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الشيوعية .

لا شك أن مخاوف قيادة منظمة التحرير من البروز اللافت لحماس سياسياً وعسكرياً قد ساهمت في تسريع الاتفاق، فيما الهواجس الأمنية ومخاوف الاستنزاف هي التي دفعت الإسرائيليين إلى المربع ذاته.

الاتفاق في عقل الطرفين
في النتيجة وقع الاتفاق، ولا شك أن الانطباعات الأولى تعطي صورة ما عن مضمونه. ففيما انهمكت قيادة المنظمة في الدفاع عن الاتفاق أمام مدّ رافض، كانت الدوائر الصهيونية تتحدث عن إنجاز تاريخي للدولة العبرية يساوي مؤتمر بال بسويسرا أو وعد بلفور وأحياناً تأسيس الدولة.

كان الحلم الصهيوني من الاتفاق هو استثمار الأجواء الفلسطينية والعربية والدولية في دفع المشروع الصهيوني نحو صيغة حل سياسي يحقق المطلوب للدولة من حيث الحدود والادعاءات الدينية والتاريخية، فيما يحقق الحلم من حيث الأبعاد السياسية والاقتصادية حيث يتمدد المشروع الصهيوني على خريطة الشرق الأوسط كسيد لا ينازعه أحد.

بالمقابل وجد ياسر عرفات أن الاتفاق يشكل نقطة انطلاق يمكن أن تفضي إلى دولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة، بدل البقاء في المنافي. وبالطبع فقد كانت قصة المتاح وفق ميزان القوى القائم هي اللازمة التي تستخدم دائماً لتبرير التوقيع على اتفاق لا يبشر بخير للداخل الفلسطيني، فيما يترك الخارج أو الشتات نهباً للتجاهل.

مضى الاتفاق قدماً، وأخذ الفلسطينيون في دفع استحقاقاته الأمنية شيئاً فشيئاً مقابل نقض متواصل للتعهدات من الطرف الآخر، ولتندلع أكثر من انتفاضة خلال ذلك (انتفاضة الحرم 1994، انتفاضة النفق 1996، أبو غنيم 1997، الأسرى مايو/ أيار 2000) من دون أن يوقف ذلك تمدد الاتفاق بإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في مدن الضفة، سيما والجانب الأمني ماضٍ في طريقه بضرب المقاومة (حماس والجهاد) في غزة أولاً ثم الضفة الغربية.


كان الرفض الفلسطيني لما هو معروض إسرائيليا أمرا طبيعيا ومتوقعا، لأنه يكرس كياناً هزيلاً تابعا للدولة العبرية من دون قدس ولا سيادة ولا عودة لاجئين

كامب ديفد عنوان للفشل
استمر الحال حتى قمة كامب ديفد في يوليو/ تموز عام 2000، حين بدا أن الثمرة ينبغي أن تقطف فلسطينياً بالدولة، وإسرائيليا بالاعتراف العربي والتمدد. وكان العرض الهزيل الذي اعتبره الإسرائيليون "سخياً"، ومن ثم الرفض من طرف ياسر عرفات والسلطة وصولاً إلى انتفاضة الأقصى نهاية سبتمبر/ أيلول عام 2000 والتي اندمج فيها حزب السلطة (فتح) لتحسين شروط التفاوض وليس انقلاباً على مسار التسوية.

وعندما عقدت قمة كامب ديفد كانت الأجواء الدولية مختلفة إلى حد ما، فالموقف الفلسطيني كان أكثر رفضاً لاتفاق لم يحقق الكثير. بدليل أن المستوطنات قد زادت والأرض لم تتحرر إلا على نحو شكلي، فيما بقي المعتقلون أو جزء كبير منهم في السجون. أما الموقف العربي فكان أكثر تماسكاً مما كان عليه حين وقع الاتفاق، بل إن انتصاراً كبيراً وتاريخياً كان قد تحقق بلغة المقاومة في جنوب لبنان قبل ذلك بخمسة شهور. وإذا أضفنا إلى ذلك ما يتعلق بالوضع الدولي الذي تراجع فيه الانفراد الأميركي، فقد كان الرفض –رفض المعروض إسرائيليا- أمراً طبيعياً ومتوقعاً، سيما وهو يكرس كياناً هزيلاً تابعاً للدولة العبرية من دون قدس ولا سيادة ولا عودة لاجئين، بل ومع اقتسام للمسجد الأقصى.

في يوليو/ تموز عام 2000 كانت السلطة الفلسطينية تسيطر –من دون سيادة كاملة بالطبع- على حوالي 70% من قطاع غزة، و42% من الضفة الغربية تشمل مناطق (أ) حيث السيادة الأمنية والإدارية، ومناطق (ب) حيث السيادة الإدارية فقط. والحال أن ذلك كله كان عملياً تحت السيطرة الصهيونية على مختلف أشكال الحياة الفلسطينية، باستثناء الجوانب البلدية.

ماذا لو لم تندلع انتفاضة الأقصى؟
لن ندخل هنا في تقييم انتفاضة الأقصى لأن ذلك بحث منفصل، سيما ما يتصل بإنجازاتها وإخفاقاتها، والأسباب الكامنة خلف عدم تحقيق الإنجازات على نحو معقول، مقابل الإخفاق الذي يسهل على البعض قراءته وفق الأوضاع الراهنة بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول واحتلال العراق، ومن ثم انحياز السلطة إلى خط التفاوض من جديد بعيداً عن المقاومة المسلحة.

على أن ذلك لا يحول بيننا –لأغراض تقييم اتفاق أوسلو نفسه- وبين التساؤل حول المسار الآخر الممكن بعد الارتطام بالجدار المسدود في كامب ديفد واتضاح معالم "العرض السخي" الذي يمكن أن يقدمه الاحتلال للفلسطينيين.

جماعة التفاوض ومناهضي "عسكرة الانتفاضة" كان لهم رأي واضح يقول باستمرار عملية التفاوض، بصرف النظر عن الوقت الذي ستستغرقه أكان عاماً أم عقداً أم أكثر. وهنا دعونا نمضي مع أصحاب هذا المسار في ضوء المعطيات التي طرأت منذ تاريخ اندلاع الانتفاضة وحتى الآن.

لم تمض شهور على موعد اندلاع الانتفاضة حتى جاء شارون إلى السلطة، والأهم بوش الابن في ظل ذلك التحالف اليميني المتصهين الذي بدا أكثر انحيازاً للدولة العبرية بكثير من سلفه كلينتون. ثم جاءت هجمات سبتمبر/ أيلول وما تبعها من تطورات، والتي لا شك أن انتفاضة الأقصى لم تكن ذات صلة بها من قريب أو بعيد.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي كان يمكن للفلسطينيين أن يحققوه من خلال التفاوض في ظل شارون والإدارة المتصهينة في البيت الأبيض بعد هجمات أيلول؟ ألم يكن من الممكن استغلال تلك الأجواء، حيث التراجع الدولي والعربي أمام السطوة الأميركية لفرض اتفاق مشوّه على الفلسطينيين، خلافاً لما كان عليه الحال في ظل انتفاضة مسلحة تستنزف الدولة العبرية، كانت الأنظار الصهيونية كلها مركزة على وقفها لإعادة الأمن إلى المواطن الإسرائيلي الذي لم يعد يحلم في ذلك الوقت بقبول الفلسطينيين بدويلة هزيلة كتلك التي عرضت عليه في كامب ديفد منتصف العام 2000؟

نقول ذلك لأن الأجواء الإسرائيلية الأميركية، وبعض الدولية، بل وربما العربية أيضاً، قد رأت في رفض عرض كامب ديفد إضاعة لعرض سخي من الصعب توفره في أجواء أخرى، فكيف الحال حين ينقلب المشهد الدولي على ذلك النحو الذي حصل بعد هجمات أيلول وما تلاها من تطورات؟!

ماذا لو لم يوقع الاتفاق؟
لنتخيل بالمقابل مساراً آخر نادى به دعاة المقاومة قبل أوسلو، ويتمثل ذلك في توافق شامل بين القوى الفلسطينية على مسار المقاومة واستنزاف الاحتلال من أجل دحره عن الأراضي المحتلة عام 67 كمحطة أولى؟

هنا يجدر التذكير بأن ما جرى خلال انتفاضة الأقصى يختلف إلى حد كبير عن المسار "المتخيل" المشار إليه، لأن حرب الاستنزاف هنا كانت ضد احتلال موجود داخل المدن وليس خارجها كما هو الحال الآن، حيث يتفوق جيش الاحتلال من خلال الطائرات والصواريخ والمدفعية.


لو لم يوقع اتفاق أوسلو وانحازت قيادة المنظمة إلى خيار المقاومة الشاملة لكان الأفق مفتوحاً على انتصار حقيقي كالذي تحقق في لبنان

إن حرب الاستنزاف ضد عدو قريب كما يجري الآن في العراق تختلف اختلافاً جوهرياً، لأن العدو في متناول اليد. صحيح أن بإمكانه الوصول بالمقابل إلى المقاومين، لكنه يبقى غير قادر على إنهاء المقاومة بشكل كامل في ظل حماية شعبية واسعة لها تنتج عن التوافق الوطني، إلى جانب فضاء واسع من التأييد العربي وربما الدولي أيضاً، لكونها تقاتل احتلالاً لا لبس فيه، وليس بلداً تتفاوض معه كما هو الحال بعد أوسلو.

لو لم يوقع اتفاق أوسلو وانحازت قيادة المنظمة إلى خيار التوافق على المقاومة الشاملة كتلك التي كانت قد بدأت في غزة قبل الاتفاق بعامين. لو حصل ذلك لكان الأفق مفتوحاً على انتصار حقيقي كذلك الذي تحقق في لبنان، وهو أمر لم يكن احتماله مشطوباً تماماً خلال انتفاضة الأقصى، مع فارق أن السلطة قد عدت وجودها إنجازا لا يمكن التفريط فيه فتمسكت به، مما منح الإسرائيليين فرصة "الاحتلال الديلوكس" كما وصفه أحد الكتاب الإسرائيليين، وهو احتلال لا يتحمل عبء تصريف شؤون الناس، كما يبتعد عنهم ويغدو الاشتباك معه صعباً بتفوقه التكنولوجي خلافاً لحال الاحتلال الكامل، أمنياً كان أم عسكرياً أم سياسياً.

لذلك كله لا نجد من العسير القول إن اتفاق أوسلو كان خطأً تاريخياً، وإن حكاية العودة إلى الوطن لمائة ألف أو أكثر قليلاً ليست ذات قيمة مادام الوطن مستباحاً بالكامل، ومادامت الغالبية الساحقة من أهله في الشتات.
ــــــــــــــــــ
*كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة