الخليجيون والمسألة العراقية   
السبت 1429/3/30 هـ - الموافق 5/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:34 (مكة المكرمة)، 12:34 (غرينتش)


عبد الجليل المرهون

السياق التاريخي للتفاعلات
قراءة في المنظور السياسي

قراءة في المنظور الثقافي

خمسة أعوام مضت على الغزو الأميركي للعراق. حدث اكتسى طابعا تاريخيا بالمعايير كافة. أطلق عليه المحللون تسميات عدة، كل من موقعه ومنظوره، إلا أن مصطلح حرب الخليج الثالثة بدا أكثر شيوعا، ورغم ذلك فهو مصطلح غير دقيق، لأن القضية هنا تتجاوز الحرب بمفهومها المتعارف عليه.

بعد خمسة أعوام لا تزال الأزمة مفتوحة على احتمالات عديدة يصعب تحديدها خارج السياقات التحليلية والافتراضية. وربما يكون مفيدا في ظل الواقع الراهن الرجوع إلى الحكمة التقليدية التي تقول: ما دامت الحرب تدور فلا مكان للتنبؤ. فهناك لاعبون ظاهرون ومستترون، وصراع إرادات، وحروب مصالح، متقاطعة أو متضاربة.

وإذا كان العرب كافة معنيين بما يدور اليوم في العراق، فإن الخليج يبقى في طليعة هؤلاء لاعتبارات شتى، أمنية وسياسية بل وثقافية أيضا. ومن هنا بدا الحدث العراقي محوريا في موقعه من اهتمامات الخليجيين وتطلعاتهم لمستقبل هذه المنطقة، التي يصعب تجزئة الاستقرار فيها.

هذا المقال سوف يسعى بشيء من الإيجاز للوقوف على بعض كتابات الباحثين والمحللين الخليجيين إزاء الحدث العراقي، والتعرف على قراءتهم لمعطيات هذا الحدث، أو لنقل لمعطياته وعناصره الأساسية، وسيتم تناول ذلك من منظورين سياسي وثقافي. بيد أننا سوف نحاول أولا التوقف عند بعض المحطات التاريخية القريبة المؤشرة لموقع العراق في اهتمامات المجتمع الخليجي.

السياق التاريخي للتفاعلات

"
الاجتياح العراقي للكويت كان نتاجا قاسيا لحرب السنوات الثماني نفسها، وجاء الغزو الأميركي للعراق بعد 13 عاما ليستنفد متغيرا إقليميا كبيرا، وخلال ذلك كله بقى العراق متغيرا كبيرا في معادلة الداخل الخليجي ومؤثرا أساسيا في مسار تفاعلاته
"

على مدى نصف قرن، احتل العراق موقع القلب من اهتمامات المنطقة الخليجية ونخبتها، وظل حاضرا في وجدان القاعدة العريضة من جماهيرها.

بالأمس، خرجت جموع الخليجيين منددة بحلف بغداد، ووصفه رواد الصحافة في المنطقة بالحلف المشبوه والمعادي لتطلعات العرب. بعد ذلك تفاعل الخليجيون مع ثورة الربع عشر من يوليو/ تموز (1958)، وهتفوا بحياة "الزعيم" عبدالكريم قاسم، وحيث لا تزال صوره حاضرة إلى اليوم في بعض البيوت الخليجية. وكانت نهاية العهد القاسمي بداية مناخ من التقاطب الداخلي في الخليج حول الأجنحة المتصارعة على السلطة في بغداد.

وبالنسبة لكثير من الخليجيين كانت هوية نظام الأخوين عارف هوية ملتبسة، وهو لم يبتعد عن البعث إلى الناصرية بل إلى لعبة المحاور العربية التي سقط فيها.

وفي العام 1968 عاد البعث ثانية إلى السلطة في بغداد، بعد تجربته المرة في العام 1963، التي أنهاها عبدالسلام عارف. وقد دفعت عودة البعث عاليا بصراع الرايات الأيديولوجية في المنطقة، وكان الخليج في القلب من هذا الصراع، ربما على نحو فاجأ الكثيرين.

لم تتأخر القيادة العراقية الجديدة عن الدخول في صراع مدو مع جميع خصومها، بدءا من الحزب الشيوعي وحتى الحوزة الدينية في النجف وكربلاء، مرورا بالإخوان المسلمين، الذين كان لهم يومها حضورهم الجماهيري والنخبوي الملحوظ، خاصة في شمال البلاد.

وفي الوقت نفسه، دخلت القيادة العراقية في صراع نفوذ مع كثير من الأقطار العربية، من القاهرة حتى الرياض، مرورا بدمشق وعدن. هذه البيئة المستجدة لعراق ما بعد العام 1968 لم تبعده عن تفاعلات الداخل الخليجي بل زادته حضورا فيها، وبدت سياسة العمل التحتي (أو الحزبي السري) الذي بدأته بغداد في هذا الداخل بمنزلة تطور مستجد في التفاعلات العراقية الخليجية، أو لنقل في تفاعلات السلطة العراقية مع البيئة الخليجية.

وأضحت الجامعات العراقية حاضنة متقدمة لهذا العمل، وحيث بلغ تعداد الطلبة الخليجيين في العراق في النصف الأول من السبعينيات حدا فاق وجودهم في أي مكان آخر.

وفي الوقت نفسه، ضاعفت الأحزاب العراقية، العلمانية والإسلامية، من حضورها في الساحة الخليجية، على خلفية متغير أوسع نطاقا هو نكسة يونيو/ حزيران 1967. وكانت خلاصة المتغيرين أن أضحى العراق حاضرا مستمرا في الساحة الأهلية الخليجية.

وبعد 12 عاما من وصول القيادة العراقية إلى السلطة، جاءت الحرب العراقية الإيرانية لترمي بتداعياتها الحادة على الخليج، الذي وجد نفسه ملتصقا بتطوراتها على نحو بدت وكأنها تدور وسط مدنه وشوارعه.

وبعد عامين، كان الاجتياح العراقي للكويت نتاجا قاسيا لحرب السنوات الثماني نفسها. وقد جاء الغزو الأميركي للعراق بعد 13 عاما ليستنفذ متغيرا إقليميا كبيرا، تماما بقدر استنفاده لتحولات كونية كبرى، فرضتها تطورات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. وخلال ذلك كله بقى العراق متغيرا كبيرا في معادلة الداخل الخليجي، ومؤثرا أساسيا في مسار تفاعلاته.

قراءة في المنظور السياسي
في ربيع العام 2003، كان ثمة إجماع على أن الغزو الأميركي للعراق قد أسس لمسار جديد في تاريخ المنطقة، مسار بدت إيقاعاته عصية على الضبط ورهاناته خارجة على المألوف.

وفي مقاربتهم للحدث، توزع الباحثون الخليجيون على اتجاهين رئيسين، أو لنقل منهجين أساسين، سوف نعرف الأول بالاتجاه الإقليمي والآخر بالاتجاه العربي.

اعتنت المقاربة الإقليمية للحدث بتبعاته على التوازنات القائمة في المنطقة، فضلا عن انعكاساته على بيئة الأمن الوطني في دولها. رأى أصحاب هذا الاتجاه أن الغزو الأميركي للعراق قد ضاعف من حالة الاختلال في توازنات القوى داخل النظام الإقليمي الخليجي، ورفع تاليا من منسوب الهواجس الأمنية، المتأتية على خلفية انهيار التوازن الإستراتيجي في خليج ما بعد عاصفة الصحراء.

ورغم أن العراق ظل مقيدا أو منزوع القوة، بفعل قرارات وقف إطلاق النار التي أنهت حرب الخليج الثانية، فإن ما حدث في العام 2003 بدا وكأنه نهاية للقوة العراقية، بالمدلولين السياسي والأمني على حد سواء. وتلك تحديدا إحدى القضايا التي حرص على إثارتها عدد من المحللين في المنطقة.

"
العراق أضحى اليوم برأي بعض الخليجيين ذراعا إقليمية للقوة الإيرانية، وفي المقابل سعى بعض الباحثين الخليجيين للتشديد على مقولة مفادها أن المعضلة لا تتمثل في تنامي الحضور الإيراني في العراق بل في الغياب الخليجي عنه
"
إلى ذلك رأى بعض الباحثين الخليجيين أن إيران بدت المستفيد الأول إن لم يكن الوحيد من الحدث العراقي. ورأى هؤلاء أن تزايد الوهن في معادلة التوازن الإقليمي قد وجد إحدى خلفياته في تعاظم القوة الإيرانية، التي وجدت في العراق عمقا حيويا لها.

والأكثر من ذلك اضحى العراق اليوم برأي بعض الخليجيين، ذراعا إقليمية للقوة الإيرانية. في المقابل سعى بعض الباحثين الخليجيين للتشديد على مقولة مفادها أن المعضلة لا تتمثل في تنامي الحضور الإيراني في العراق بل في الغياب الخليجي عنه.

ورأى هؤلاء أن دول الخليج كان حريا بها استنفاذ الروابط الأهلية العريضة مع الشعب العراقي من أجل بناء حد أدنى من الوجود الخليجي في عراق ما بعد ربيع العام 2003، خاصة في محافظاته الغربية والجنوبية المتاخمة للحدود، حيث يتزايد التداخل الاجتماعي والأسري على نحو واسع. وحسب هؤلاء الباحثين، كان حريا برجال الأعمال في الخليج أن يعززوا حركة التجارة مع مدن العراق ومحافظاته.

في موازاة المقاربة الإقليمية للحدث العراقي حرص عدد من الباحثين الخليجيين على النظر إلى هذا الحدث من زاوية تداعياته على الوضع العربي عامة.

وكذلك ارتباطه بتجاذبات السياسة العربية وأزمة المحاور فيها. ورأى هؤلاء أن ما حدث في العراق قد عمق من معضلات الواقع العربي، وزاد من انكشافه الأمني.

وبالنسبة للاتجاه الإقليمي، كما العربي، فإن دول الخليج باتت منذ العام 2003، عرضة لخطر العنف العابر للحدود، على نحو لم يسبق له مثيل منذ تأسست الدولة الحديثة في هذه المنطقة.

وكان الخليج قد شهد في تجربته التاريخية القريبة ما يمكن وصفه بحالة غليان أفرزتها التطورات العنيفة التي جرت في جنوب اليمن في ستينيات القرن الماضي، حيث التحقت مجاميع من الشباب الخليجي بثورة الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول اليمنية، منذ انطلاقتها المسلحة في جبال ردفان في العام 1963 وحتى خروج القوات البريطانية من كامل الجنوب اليمني، وإعلان الاستقلال في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967.

وكان لهذه التجربة انعكاساتها اللاحقة على الوضع السياسي في عدد من دول المنطقة، على النحو المعروف للجميع. إلا أن ثورة الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول تبقى ثورة وطنية لا غبار عليها.

وإضافة إلى خطر العنف العابر للحدود، سعى بعض الباحثين الخليجيين إلى التحذير من نمذجة العنف، وإعادة إنتاجه محليا. إلا أن هؤلاء غالبا ما أكدوا في الوقت نفسه على ضرورة الابتعاد عن أدلجة الهاجس الأمني.

وقد تباين الخليجيون، على نحو ملحوظ، في مقاربتهم للمواجهات الدائرة منذ خمس سنوات بين المجموعات العراقية المسلحة والقوات الأميركية.

وفي المجمل، قال عدد من الباحثين الخليجيين بالأخذ بخيار الممانعة، على النحو الذي يدعو إليه ويمارسه الحزب الإسلامي العراقي، بقيادة الدكتور طارق الهاشمي، حيث رأى هذا الحزب في العمل السياسي جزءا من تعزيز الممانعة الوطنية.

قراءة في المنظور الثقافي
"
القضايا ذات الطابع القيمي والمعياري هي في الأصل مسائل شائكة من الزاويتين النظرية والسياسية، وليس ثمة إجماع عليها في الأدبيات المتداولة على صعيد عالمي، ولذا فإن أي معالجة متماسكة لا بد أن تستند إلى طيف واسع من الخصوصيات الثقافية والتاريخية
"
وفي إطار مقاربتهم للحدث العراقي، اتجه بعض الباحثين الخليجيين للدخول في معالجات ثقافية، حاولت تسليط الضوء على عدد من القضايا التي أثارها هذا الحدث، مثل التعددية الإثنية والمذهبية.

وفي الحقيقة، فإن مثل هذه المعالجات تعد حديثة العهد نسبيا على الأدب الاجتماعي السياسي في الخليج، بيد أنها بدت حاضرة على نحو ملحوظ في السنوات الأربع الماضية بفعل الحدث العراقي.

وكان العام الأول من الغزو الأميركي للعراق قد شهد اهتماما ببعض القضايا ذات الطابع القيمي والمعياري، إلا أن هذا الاهتمام تراجع لاحقا لمصلحة مسائل أخرى، أبرزها التعددية الإثنية والمذهبية.

وفي واقع الأمر، فإن قضايا من هذا القبيل هي في الأصل مسائل شائكة من الزاويتين النظرية والسياسية، وليس ثمة إجماع عليها في الأدبيات المتداولة على صعيد عالمي، ولذا فإن أي معالجة متماسكة لا بد أن تستند إلى طيف واسع من الخصوصيات الثقافية والتاريخية، بل وإلى الإطار الإيكولوجي، ومعطيات الجغرافيا الإقليمية، بالمعنى الدراسي الكلاسيكي المتعارف عليه.

وبطبيعة الحال، فإن مقاربات الباحثين الخليجيين لم تكن معنية بهذا الإطار التحليلي الموسع، لكنها سلطت بعض الأضواء على التحديات التي تثيرها قضايا التعددية الإثنية والمذهبية، وذهب بعضها لمقاربة إيحاءات الواقع العراقي على البيئة الخليجية.

وربما كان القاسم المشترك الأبرز بين المقاربات سابقة الذكر، تأكيدها، أو لنقل تأكيد معظمها، على أن التعددية عامل قوة وليس عنصر ضعف في المجتمعات، وإن المجتمع العراقي، كما الخليجي، لا سبيل له ، بما هو مجتمع تعددي، سوى الإيمان بمبدأ العيش المشترك، وذلك هو الطريق لتعزيز مناعته الوطنية في وجه الأخطار المتعاظمة.

ختاما لا بد من التأكيد، على نحو دائم، على الدور المتنامي الذي يلعبه الحدث العراقي في بيئة التفاعلات السياسية والاجتماعية في الخليج، الأمر الذي يتطلب مزيدا من الدراسة والتحليل لمعطيات هذا الحدث وعناصره الثابتة منها والمتغيرة، وصولا إلى بلورة أفضل المقاربات القادرة على احتواء تداعياته السالبة، ودعم فرص الاستقرار الإقليمي والوطني، ومساعدة العراق على العبور إلى شاطئ الأمان، فنحن في منطقة يصعب تجزئة الاستقرار فيها.
ـــــــــــــ
كاتب بحريني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة