الانقلاب بمصر.. الثورة الوليدة وفخ الدولة الموروثة   
الأربعاء 1434/9/10 هـ - الموافق 17/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)
بدي ولد ابنو

لم يكن أي مراقب ليجهل، قبل وبعد انتخاب الرئيس المعزول محمد مرسي، الضخامةَ البالغة للتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تواجهها الدولة المصرية. الإرثُ الثخين معروف نسبيا والسياق الطفروي الداخلي والخارجي يعلن بنفسه عما ينتظر السياسية من حيث هي فعل يتغيى كسر الحتميات الموروثة.

ولكن عين المراقب -أي مراقب- لم تكن تخطئ شيئا يمكن أن نسميه الانتصار الجزئي للسياسي والمدني كآلية لعقْلنة الفضاء العام، أو هكذا على الأقل بدا الأمر قبل موجة التأليب والتأليب المضاد التي مهدتْ للانقلاب العسكري الحالي. وظهرت في البداية -شكليا على الأقل- كل القوى الشريكة في الثورة حريصة على أن يكون صراعها السياسي والإيديولوجي صراعا مدنيا، بدا حينها وكأن سرديةً ثوريةً انطلقت من تونس قد "عُمّدتْ" إلى حد معتبر في مصر وأخذتْ تصبح سردية موجِّهة في دولة الجنوب ووجيهة في بقية العالم.

أضحى إجراء الانتخابات عبر مرحلة انتقالية اقتراعية محضة وسيلة معتادة تُجهِض بها قوى المنظومة الموروثة آليةَ التحول دون عناء كبير

نقطتان ساعدتا على تكريس هذه الصورة. إحداهما ما ظهر أوليا أنه نجاح للانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الانتخابية. هذه النقطة مثلتْ غالبا الحلقة الأضعف والأخطر في مسلسلات الانتقال الديمقراطي. فقد أضحى إجراء الانتخابات عبر مرحلة انتقالية اقتراعية محضة وسيلة معتادة تُجهِض بها قوى المنظومة الموروثة آليةَ التحول دون عناء كبير.

أكثر من ذلك فإن الاقتراع منح في كثير من البلدان أنظمةَ ما قبل التغيير أو ما قبل الثورة "شرعيةً" ولو صورية في حين أنها لم تكن تتوكأ قبل الثورة إلا على العنف العاري وإطاره الأعم الذي وصفناه بالشعوذي. هذه "الشرعية" الصورية تنبني على نقل التزوير من مستوى صناديق الاقتراع نفسها إلى مستوى ميزان القوى الكلي المؤطِّر لها.

إنها تعني الحرص على مستوى من الشفافية الفنية تجاه صناديق الاقتراع يقابله تزوير مسرف للتنافس وأطره ووسائله، أي يتم التزوير بشكل أعم عبر الإحداثيات الاعتبارية والفنية لأي دولة موروثة عما قبل الثورة أو قبل التغيير دون الحاجة دائما أو بنسب كبيرة للتزوير الفج المباشر بالمعنى التقليدي الفني، فيُستبدل بالأخير ما يمكن أن نسميه التزوير المقنّن أو التزوير "الشفاف".

هذا ما عرفتْه دول إفريقية كثيرة منذ بدايات التسعينيات وهذا ما كان سيحصل في مصر لو أن المرشح أحمد شفيق "مُنح" عدة أصوات إضافية. ولكن هذا لم يحصل تماما وهو ما كان لافتا عالميا.

النقطة الثانية التي ساعدت على تكريس هذه الصورة هي أنه بدا وكأن السلطة في مصر قد انتقلت فعلا وأصبح الرئيس المنتخب هو الرئيس بحصر المعنى. عموم التدبيرات المعلنة أو المشاهدة للرئيس مرسي أعطت هذا الانطباع اللافت. هذه النقطة بدت أكثر مفاجأة وكأن مؤسسات الدولة الموروثة أصبحت فجأة محايدة مصلحيا وإيديولوجيا، أي كأنها لم تكن تكريسا عبر عقود لمصالح فئات معينة تماهت مع الدولة.

لم يكن الأمر مفاجئا فقط لأنه بالغ الصعوبة في دولة لم تعرف تقاليد مؤسسية في التداول على السلطة، ولا تتمتع بتوازن بين مختلف مؤسسات الدولة. فمصر أحد البلدان التي لا تزال فيها المؤسسة العسكرية تبدو هيكلا مركزيا ناظما لدعامات الدولة الأساسية. ولكنه بدا مفاجئا أكثر من ذلك لأن الديمقراطيات النيابية "الغربية" نفسها -بالرغم من كل الهالة التي تحاط بها منذ نهاية الحرب الباردة- لا تعرف التناوب إلا داخل أطر تفاهم مقيد ومغلق نسبيا ضد القوى التي لا تقبل علنا أو ضمنيا بفرضياته الكلية أي القوى التي تقف خارج الأطر المصلحية والأيديولوجية التفاهمية.

ظروف وعوامل استثنائية هي التي يبدو أنها قادت إلى القبول المرحلي بالإخوان داخل التفاهم المقيد. أحد هذه العناصر هو ولا شك عقيدة "القوة المحلية" لدى الولايات المتحدة ولدى العديد من حلفائها والمرتبطين بها إقليميا ومصريا

ظروف وعوامل استثنائية هي التي يبدو أنها قادت إلى القبول المرحلي بالإخوان داخل التفاهم المقيد. أحد هذه العناصر هو ولا شك عقيدة "القوة المحلية" لدى الولايات المتحدة ولدى العديد من حلفائها والمرتبطين بها إقليميا ومصريا.

هل يعني الانقلاب العسكري وتحضيراته أن هذه القوى الدولية والداخلية رأتْ في تصرفات الرئيس مرسي وحزبه أو جماعته ما تراه مؤشرا على استحالة دمجهما في الأطر المصلحية والإيديولوجية الموروثة أي في فضاء المعاني المحصور بالتفاهم المقيد؟ ليس من السهل راهنيا أن تتمّ الإجابة بشكل قطعي عن هذا السؤال وإن كان من المحتمل أن لا يكون هذا العامل غائبا عما حدث ولو بشكل غير مباشر.

لنعد قليلا إلى الوراء حتى نستعيد خلفية هاتين النقطتين. لنتذكر أن الحشود التي تظاهرت ضد نظام الرئيس المطاح به حسني مبارك كانت حشودا لافتة على أكثر من صعيد. ولكنها رغم ذلك لم تكن عدديا أغلبيةَ مواطني الدولة المصرية. فمن الطبيعي أن أي حشود من هذا النوع أيا تكن تظل دائما أقلية عددية بالنسبة للشعب، أي شعب، ككتلة إحصائية. ولكن مع ذلك فإن الحشود التي ثارت على نظام مبارك ظهرتْ اعتباريا تجسيدا -وليس تمثيلا- لكل الشعب المصري ومصالحه وتطلعاته المختلفة.

هكذا وعت ذاتها عمليا وهكذا نُظر إليه جديا داخليا وخارجيا. ولم تكن دعايةُ نظام الرئيس مبارك بتركيزها على أن المتظاهرين ليسوا أغلبية الشعب ولا يتمتعون بتفويض منه لتقنع حتى منتجيها بأن الاستنفارات الميدانية لا تجسد تطلعات الشعب كلّه. هنا تكمن الشرعية الثورية ومن هنا تصدر فاعلية سرديتها كحاملة لأمل وطني كلي وأمل إنساني كوني.

لذلك فإن الثورة بهذا المعنى لا تلغي فقط "شرعية" النظام القائم ولكنها تلغي "شرعية" الدولة الموروثة نفسها. تعلن أن الدولة جهاز غير محايد ولا يمثل مجموعَ المصالح العامة التي تتجاوز تناقض المصالح الخاصة، تعلن أن الدولة مخوصصة، أي تعبر عن مصالح جزئية ويلزم أولا تأميم الدولة قبل توظيفها للتعبير عن العام. يصبح الميدان مؤقتا هو الدولة عبر تجسيده للمصالح العامة فيما يتجاوز التناقضات الخاصة.

واضح هنا أن تجسيد الجزء للكل هو حالة استثنائية. الجزء الذي يمثل الكلَّ، أو يُفترض أنه يمثل الكلَّ، هو الحالة العادية في النظام النيابي. أما الشرعية الثورية التي يمنحها تجسيد -وليس تمثيل- الجزء للكل فهي جوهريا حالة مؤقتة، ولكنها حالة كثيفة السيادية لأن القوى الثورية تتوقف، مؤقتا، عن التعبير عن مصالحها وتوجهاتها الخاصة لتجسيد الكلّ نسبيا.

نفهم هنا أهمية الإبقاء على هذا الطابع التجسيدي العام خلال أكبر فترة ممكنة لضمان الوقوف في وجه الثورة المضادة وفي وجه استخدام الدولة الموروثة ومؤسساتها وأجهزتها لتقويض الثورة. ونفهم أهمية أن يظل القرار تشاركيا إجماعيا بين القوى الثورية في مرحلة تأسيس دولة ما بعد الثورة.

 الطاقة الطوفانية التي تفجرها التحولات الحشودية الكبيرة هي ما يجعل من السهل، كما يقال عادة، على "الثورة أن تأكل أبناءها" قبل أعدائها أو بدل أعدائها

ندرك في هذا السياق أن الاقتراع الانتخابي يحمل دائما ثلاثة أخطار على الأقل. أحدهما إنهاء الشرعية الثورية حين تكفّ قوى الثورة عن التعبير عن العام وترتهن، بطبيعة الاقتراع، لتناقضات التوجهات والمصالح الخاصة، أي تكف عن التجسيد لصالح التمثيل وتتراجع بالتالي قدرتُها على الحفاظ على مناخ الشراكة والإجماع الذي يمثل جوهرَ الزخم الثوري. والثاني منحُ الدولة المخوصصة الموروثة القدرةَ على التحكم في المسار الانتقالي.

أما الثالث وربما الأكثر حدّية فهو فصل القوى الثورية المنظمة عن الحشود الثورية غير المنظمة. من أين تأتي خطورته المحتملة؟ الواقع أن اللعبة الاقتراعية لا يمكنها أن توفر مصبا مناسبا للطاقة الطوفانية للحشود غير المنظمة التي سمحت لها الثورة أن تدرك فجأة ما تتمتعُ به من قدرة ذاتية، أي سمحت لها أن ترى نفسها بشكل مختلف وأن تضع حدا للازدراء والإهمال الذاتيين. سمحت لها أن تدرك أنها قادرة على التأثير في التاريخ. وحين لا يتم ابتكار مصب ضخم يوظف تلك الطاقة الطوفانية إيجابيا وبنائيا فإنه يصبح من الوارد أن ترتدَّ الثورة على صانعيها ويسهل أن تُوجِّهها جزئيا الثورةُ المضادة.

إن الطاقة الطوفانية التي تفجرها التحولات الحشودية الكبيرة هي ما يجعل من السهل، كما يقال عادة، على "الثورة أن تأكل أبناءها" قبل أعدائها أو بدل أعدائها.

التحالف بين بعض قوى الثورة وبعض النخب الرخوة المرتبطة بالدولة الموروثة لا يخلو في مستويات معينة من تضامن المصالح الاجتماعية. ولكنه لا يخلو أيضا من جانب ثقافي يَصدُق عليه بنسبة كبيرة تصور غرامشي لدور الهيمنة الرمزية كأداة "مادية" لقهر تضارب المصالح وتجاوزه.

هذه النقطة الأخيرة مرعبة إلى حدّ كبير لأنها كانت في صلب الترتيبات التي تمّتْ وفقها كارثة العشرية الدموية في الجزائر. التكرار النسبي للتجربة الجزائرية يطفو فعليا على السطح في مصر حين يسمح جزءٌ من القوى الثورية لنفسه بأن يكون شبه غطاء إيديولوجي لزحف الثورة المضادة. فباسم "القيم" الديمقراطية و"التطهير" يقال للشعب إنه أخطأ في انتخاب من انتخب لأنه "لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"، وباسمها تصبح تصفية الحساب مع من هم خارج أفق الهيمنة الرمزية أولوية، ليس لأسباب قيمية ولكن لأسباب مصلحية مبتذلة.

وبالتالي فالإخوان مثلا قبل أن يكونوا إخوانا يمثلون اجتماعيا في أعين النخب الرخوة الفزعة تجاههم تحالفا بين أقلية من متعلمي المدن الهامشيين وأكثرية من القادمين من الريف والضواحي النائية ممن يبحثون عن وسيلة سياسية للتعبير عن صدمتهم الأخلاقية تجاه فساد المدن "الحديثة".

طبيعة الوضع الثوري أو ما بعده تقتضي الحرص على أن يكون أكبرُ قدر من الشركاء في الثورة شركاءَ في القرار السياسي وضامنين له ومدافعين عنه بغض النظر عن حجمهم الاقتراعي الرقمي أو الكمي

هذه الصورة النمطية، صورة الزحف الناقم للريفي أو السوقي الجلف على الأحياء المدنية المتخمة، لا تزال تغذي جزءا كبيرا من "اللا وعي" الفئوي لعدد من الأصوات النافذة الموروثة في مصر وخارجها والتي تنطق باسم مصالح الفئات التي خوصصتْ الدولة منذ عقود واعتقدت تبعا لذلك أنها تماهتْ معها فيما يُجسد، كما هي العادة في مثل هذه السياقات، العبارة الشهيرة المنسوبة للويس الرابع عشر: الدولة هي أنا.

لكي يتم تفادي السقوط في الفخ الانتخابي وما بعد الانتخابي الذي تنصبه الثورة المضادة تحتاج دائما قوى التغيير إلى العمل على ضمان أن لا تَسمح الانتخاباتُ وما بعدها بتفجير صراع المصالح بين مكونات الثورة وأن يتم الحفاظ على أعلى مستوى من الإجماع الثوري لأطول فترة.

فالمرحلة كانت تتطلب أقصى قدر من الاحتفاظ بالشرعية الثورية في مواجهة الدولة الموروثة. والثورة بمشروعيتها التجسيدية لا التمثيلية كانت وحدها القادرة على إبقاء الدعاية المناوئة لها على هامشها وعدم ترك هذه الدعاية ومناخ التأجيج والتأجيج المضاد الذي حاولت الدعاية المناوئة للثورة خلقَه -بل نجحت في خلقه بشكل متغول- أن يكونا المستفيدين من فضاء الحريات الذي توفره الثورة.

الانقلاب الذي تم هو إذًا انقلاب عسكري يحاول تكريس عودة الدولة الموروثة مستغلا لتفكك الشرعية الثورية وموظفا لهذا التفكك في سبيل تحقيق الثورة المضادة. كان ينبغي إذًا أن تكون الأولوية عند الرئيس مرسي هي لضمان استمرار وجود أعلى مستوى من شرعية الميدان لدى السلطة المنتخبة.

طبيعة الوضع الثوري أو ما بعده تقتضي الحرص على أن يكون أكبرُ قدر من الشركاء في الثورة شركاءَ في القرار السياسي وضامنين له ومدافعين عنه بغض النظر عن حجمهم الاقتراعي الرقمي أو الكمي. فالآلية الرمزية الكيفية للثورة هي أمر أكثر تعقيدا بكثير من أن يَتمَّ اختزالها بسذاجة في الأبعاد الكمية الخام للأرقام الاقتراعية. هذا ما يبدو أن حزب النهضة في تونس يعيه ويأخذه على محمل الجد بمستوى معتبَر وما يبدو أن الرئيس مرسي ورفاقه في مصر لم يعوه بعدُ بما فيه الكفاية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة