في مكانة بيت المقدس   
الجمعة 1433/5/14 هـ - الموافق 6/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)
سيف دعنا


من التاريخ
حطين والقدس

الطريق إلى القدس

ربما يرى البعض, محقا, في الجدل الذي دار حول القدس ودعوة العرب لزيارتها تحت الاحتلال تطبيعا مرفوضا مع الكيان الصهيوني, وربما يرى آخرون في هذه الدعوة, محقين أيضاً, تراجعاً جديداً في الموقف من قضية القدس.

فالمطلوب هو العمل من أجل تحرير القدس, لا الحث على زيارتها. وإذا لم يستطع الفلسطينيون والعرب تحريرها في الظروف الراهنة, فإن أقل ما يتوجب عليهم فعله هو عدم المساس بمكانتها وابتذال صورتها في وعي وثقافة ومخيلة العرب والمسلمين باستبدال تحريرها بزيارتها.
 
من التاريخ
يروي كمال الدين بن العديم, أحد أعظم مؤرخي الشام, في "زبدة الحلب في تاريخ حلب" أنه حين قُتِلَ عماد الدين زنكي صَرَخَ الناس في قاتله: "اذهب إلى لعنة الله, فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله" (الجزء الثاني, ص: 282). ومكانة عماد الدين زنكي التي استدعت وصف قتله حينها بقتل المسلمين جميعا كانت وثيقة الصلة بتحرير بيت المقدس. فهو أدرك طبيعة الخطر الفرنجي وسعى في سبيل مواجهته وفي سبيل تحرير القدس لتوحيد الأمة, وعلى يديه أيضا سقطت "الرها" الإمارة الصليبية الأولى التي بدأ معها العد التنازلي لتحرير القدس.

المكانة العظيمة التي يحتلها صلاح الدين في التاريخ العربي الإسلامي وفي وعي الأمة مَرَدُّه تحريره بيت المقدس أكثر من أي شيء آخر

وزنكي ومن بعده ولده نورالدين عَمِلا بلا كلل في سبيل هذه المهمة التي تشرف بتحقيقها صلاح الدين وجيوشه, كما قال قاضي دمشق الإمام محيي الدين بن الزكي, في خطبة الجمعة الأولى بعد التحرير في المسجد الأقصى.

فالمكانة العظيمة التي يحتلها صلاح الدين في التاريخ العربي الإسلامي وفي وعي الأمة مَرَدُّه تحريره بيت المقدس أكثر من أي شيء آخر, وهو ما يجعل شهاب الدين أبو شامة في "كتاب الروضتين" مصيبا حقا بقوله "هذان الملكان (صلاح الدين ونور الدين) حجة على المتأخرين من الملوك والسلاطين" (ص:4). وربما يكون ما جاء به ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" من وصف أيضا دليلاً إضافياً على أن عظمة صلاح الدين هي من عظمة مكانة بيت المقدس "وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير صلاح الدين رحمه الله وكفاه ذلك فخرا وشرفا" (المجلد العاشر, ص: 158). وهذه ذات الفكرة التي جاء بها أيضا عماد الدين الكاتب في "الفتح القُسِّي في الفتح القدسي" بقوله: "فما ادخر الله فضيلة فتحه إلا لآل أيوب, ليجمع لهم بالقبول القلوب, وخص به عصر الإمام الناصر لدين الله ليفضله به على الإعصار, ولتفخر به مصر وعسكرها على سائر الأمصار" (ص: 69).
  
ففي تحرير بيت المقدس تم إنقاذ الأمة مما هو أعظم من البلاء. فلم يكتف أرناط, صاحب قلعة الكرك, بالتهديد باحتلال البيت الحرام والمسجد النبوي بل حاول فعلاً القيام بذلك, مما دعا صلاح الدين للقسم بقتله حين علم بتهديده، ووَفّى بنذره وقتله بنفسه بعد أسره في حطين.

ويذكر المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك" في باب سنة ثمان وسبعين وخمسمائة أنه في هذه السنة "قصد الفرنج بلاد الحجاز, وأنشأ البرنس أرناط صاحب الكرك سفنا, وحملها على البر إلى بحر القلزم (البحر الأحمر)" وبعد وصول الصليبيين إلى ميناء عيذاب ونهبهم للقوافل وقتلهم للحجاج, يقول إنهم "أحدثوا حوادث لم يسمع في الإسلام بمثلها, ولا وصل قبلهم رومي إلى ذلك الموضع, فإنه لم يبق بينهم وبين المدينة النبوية سوى مسيرة يوم واحد" (الجزء الأول, ص: 190).
   
ويصف بهاء الدين بن شداد صاحب "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" والذي عينه صلاح الدين قاضياً للقدس, يوم التحرير الذي حدث أن ترافق مع ذكرى الإسراء والمعراج بقوله: "وكان فتوحا عظيما شهده من أهل العلم خلق عظيم, ومن أرباب الخِرَق والحرق, وذلك أن الناس لما بلغهم ما يَسَّرَ الله على يده من فتوح الساحل, وشاع قَصْدُه القدسي قَصَدَهُ العلماء من مصر ومن الشام بحيث لم يتخلف معروف من الحضور, وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير, وخُطِبَ فيه وصُلِّيَتْ فيه الجمعة يوم فتحه" (ص:135). ويذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" ما قالته الجموع أثناء التجهيز لإقامة أول جمعة في مسجد قبة الصخرة بعد يوم الفتح بثمان: "وقال الناس: هذا يوم كريم وفضل عظيم وموسم وسيم, وهذا يوم تُجابُ فيه الدعوات وتصب فيه البركات وتسيل العبرات وتقال العثرات" (الجزء السادس عشر, ص: 589). ولأنه ليس في كل أيام التقويم العربي ما هو أقدس من ليلة القدر, وهي {خير من ألف شهر} ففيها نزول القرآن الكريم وفيها يستجاب الدعاء, فإن تشبيه يوم تحرير القدس (يوم تجاب فيه الدعوات, كما قال ابن كثير) بتلك الليلة لدليل على المكانة العظيمة للقدس وعلى عظمة تحريرها.  

وصف تحرير القدس "بالهجرة الثانية" يحمل الكثير من الدلالة والرمزية, فظروف ما قبل التحرير كانت من أحلك أيام التاريخ العربي الإسلامي على الإطلاق

لكن ليس أدل على عظمة مكانة القدس من وصف عماد الدين الكاتب الأصفهاني, الذي أرَّخ, ربما, لأَهم سبع سنوات في تاريخ المشرق العربي (583-589 هجري) والتي شهدت تحرير القدس من الغزو الصليبي الأوروبي, في افتتاحية كتابه "الفتح القُسِّي في الفتح القُدْسي" لتحرير القدس "بالهجرة الثانية للإسلام." فعن تأريخه لهذه السنوات السبع يقول: "وهذه الهجرة هي هجرة الإسلام إلى البيت المقدس... وهذه الهجرة أبقى الهجرتين, وهذه الكَرَّة بقوة الله أبقى الكرّتين" (ص: 37)

ووصف تحرير القدس "بالهجرة الثانية" يحمل الكثير من الدلالة والرمزية. فظروف ما قبل التحرير هي التي استدعت هذا الوصف, لأن ما سبقها كان, ربما, من أحلك أيام التاريخ العربي الإسلامي على الإطلاق, حيث ساد التفكك وكثرت الصراعات المحلية والفتن والإقدام على عقد الاتفاقيات المنفردة مع الصليبيين. ومن يراجع تفاصيل التاريخ التي قادت لهذه السنوات السبع ربما يظن أن ما يشهده عالمنا العربي والإسلامي اليوم من تفكك وصراعات وفتن وتحالف مع العدو والقتال إلى جانبه أحيانا هو فعلاً, وحقا, أكثر من نسخة محسنة جدا للأيام التي سبقت تحرير القدس (انظر أسامة بن منقذ كتاب "الاعتبار").

حطين والقدس
ربما تكون معركة حطين إحدى أهم معركتين في تاريخ الشرق العربي على الإطلاق (المعركة الأخرى عين جالوت). فهذه "الوقعة" كما وصفها جمال الدين بن واصل "كانت مفتاح الفتوح الإسلامية, وبها تيسر فتح بيت المقدس" (مفرج الكروب, الجزء الثاني, ص: 188). فأهمية معركة حطين العظيمة لم تكن حقا إذن فقط في التخطيط العسكري الفذ الذي نجح في استدراج القوات الصليبية الأساسية إلى حيث يمكن كسرها والقضاء عليها بعزلها عن مصادر الإسناد والمياه, بل أساسا في كونها شكلت "مفتاح تحرير القدس" كما قال ابن واصل.

أهمية معركة حطين العظيمة لم تكن حقا في التخطيط العسكري الفذ الذي نجح في استدراج القوات الصليبية الأساسية إلى حيث يمكن كسرها, بل أساسا في كونها شكلت مفتاح تحرير القدس

فحين علم صلاح الدين بمسير جنود الفرنج إلى طبرية (عقب هجومه عليها) تأكد من سلامة خطته باستقدامهم لأنه "إذا صحت كسرتهم, وقتلت وأسرت أسرتهم, فطبرية وجميع الساحل ما دونها مانع, ولا عن فتحها وازع" كما قال عماد الدين الكاتب (الفتح القسي في الفتح القدسي, ص: 49). واللافت أن صلاح الدين لم يستهدف من هجومه على طبرية حينها فتحها, رغم أهميتها, بدليل أنه لم يأبه بقلعتها التي تحصنت عليه, بل كان يجهز لمعركة القدس أساسا. فلقد أقبل السلطان ففتح طبرية, يقول ابن كثير "وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك, وتحصنت عليه القلعة فلم ينشغل بها" (البداية والنهاية, الجزء السادس عشر, ص: 581).
 
تحرير القدس كان البوصلة منذ البداية, وكل ما حدث منذ عماد الدين زنكي كان يمهد لمعركة التحرير. ففي باب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة, يفتتح صاحب البداية والنهاية تأريخه الحولي بما يلي: "فيها كانت وقعة حطين التي كانت أَمارة ومقدمة وبشارة لفتح بيت المقدس" (المصدر السابق, ص: 579).

يكفي أن يقرأ المرء بعض التفاصيل الدموية للمعركة ويعرف شيئا عن عنفها ليدرك أن اعتبار معركة بهذا الحجم والنتيجة مجرد خطوة على طريق تحرير القدس كفيل بأن يضع مكانة هذه المدينة فوق كل مدن الأرض. فلقد "كثر القتل والأسر فيهم", يقول ابن الأثير "فكان من يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا أحدا, ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحدا, وما أصيب الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل وهو سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن بمثل هذه الوقعة" (الكامل في التاريخ, المجلد العاشر, ص: 148). ورغم أن معركة حطين, أعظم المعارك التي حدثت في زمنها على الإطلاق, تستحق بذاتها ولذاتها الذكر والتقدير, إلا أن رؤيتها كأَمارة ومقدمة وبشارة لتحرير القدس تشير إلى مدى عظمة المكانة التي تحتلها هذه المدينة.

الطريق إلى القدس
بعد انتصار حطين, كان فتح طبرية, التي استعصت قلعتها قبل ذلك, ثم عكا, مجدل يابا, يافا, تبنين, صيدا, جبيل, بيروت, وأخيرا عسقلان. ثم جاءت معركة بيت المقدس. ولأن الصراع كله أصلاً كان على القدس لقيمتها ومكانتها, بدأ الطرفان بالتجهيز للمعركة الفاصلة التي قادت لإفشال أول محاولة أوروبية للاستعمار خارج القارة العجوز.      

ففي أعقاب حطين, ترك صلاح الدين "جيوشه ترتع في هذه الفتوحات والغنائم الكثيرة مدة أشهر ليستريحوا وَيُجِموا أنفسهم وخيولهم ليتأهبوا لفتح بيت المقدس الشريف, وطار في الناس أن السلطان عزم على فتح بيت المقدس, فقصده العلماء والصالحون والمتطوعة من فج كل عميق... فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش المتطوعة خلق كثير وجمع غفير, فعند ذلك قصد السلطان بيت المقدس فيمن معه" (البداية والنهاية, الجزء السادس عشر, ص: 584).

رأى الفرنج شدة قتال المسلمين, وتحكم المنجنيقات بالرمي المتدارك, وتمكن النقابين من النقب, وأنهم قد أشرفوا على الهلاك, فاتفق رأيهم على طلب الأمان وتسليم بيت المقدس إلى صلاح الدين

أما الصليبيون فقد "جمعوا وحشدوا.... كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون البيت المقدس, ويأخذوه منهم، ويرى أن بذل ماله ونفسه وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه, وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا إليه سبيلا وصعدوا على سوره بحدّهم وحديدهم مجتمعين على حفظه والذب عنه بجهدهم وطاقتهم مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم, ونصبوا المنجنيقات ليمنعوا من يريد الدنو منه والنزول عليه" (ابن الأثير, الكامل في التاريخ, الجزء العاشر, ص: 154).

وفي النهاية, حين رأى الفرنج شدة قتال المسلمين, وتحكم المنجنيقات بالرمي المتدارك, وتمكن النقابين من النقب, وأنهم قد أشرفوا على الهلاك "اجتمع مقدموهم يتشاورون فيما يأتون ويذرون, فاتفق رأيهم على طلب الأمان وتسليم بيت المقدس إلى صلاح الدين" (المصدر السابق, ص: 155).

لم يشأ العرب والمسلمون في مواجهة الغزو الأوروبي لأوطاننا واحتلالهم القدس في القرن الحادي عشر زيارة المدينة المقدسة فقط, بل أرادوا تحريرها. وإذا كان تحرير القدس من براثن الصليبيين يمثل في أهميته وقيمته ومعناه هجرة الإسلام الأولى إلى القدس ويشبه بليلة القدر, ولأنه كما يقول العرب "أمنع السورين ما عمر بعد أن ثغر" ولأن العرب كانت أيضاً إذا تناهت في وصف الرجل بالقوة قالت: "كأنه كسر ثم جبر" فإن موعد العرب القادم في القدس سيكون حتماً أبقى الهجرات وأعظم الكَرّات. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة