التمايز بين الدعوي والسياسي في التجربة المغربية   
الخميس 1437/8/6 هـ - الموافق 12/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:41 (مكة المكرمة)، 13:41 (غرينتش)
​سعد الدين العثماني

السياق العام
المراجعات الممهدة
بين الدعوي والسياسي
تأثيرات التمايز

نشأت حركة التوحيد والإصلاح بالمغرب عن توحد فصيلين في العمل الإسلامي سنة 1996، هما حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي. وقد كانت نتيجة مسار مراجعات متواصلة فكريا وتنظيميا وسياسيا على مدى عقود من الزمان، قبل هذا التوحد وبعده.

وتعتبر تلك الاجتهادات على العموم استلهاما لتراث الحركة الوطنية والعلمية بالمغرب وتكييفا لتراث الحركة الإسلامية عالميا مع الواقع المغربي.

السياق العام
إن عوامل تلك التحولات متعددة ومتداخلة، لكن يأتي في مقدمتها طبيعة الواقع الاجتماعي والسياسي المغربي الذي عرف منذ الاستقلال انفتاحا اجتماعيا وسياسيا نسبيا وتعددية سياسية نشطة، كما عرفت فترة نشأة الحركة بالذات مزيدا من الانفتاح على المستويات السياسية والحقوقية.

لم يتبن المغرب قط في تاريخه المعاصر إستراتيجية عدائية للحركة الإسلامية، ولم يسلك -كما سلكت بعض الدول- أسلوب تجفيف منابع التدين لمحاصرتها. ولذلك اتسم التيار العام في أوساط الشباب المتدين وفي أوساط الحركة الإسلامية بالاعتدال والوسطية

ولم يتبن المغرب قط في تاريخه المعاصر إستراتيجية عدائية للحركة الإسلامية، ولم يسلك -كما سلكت بعض الدول- أسلوب تجفيف منابع التدين لمحاصرتها. ولذلك اتسم التيار العام في أوساط الشباب المتدين وفي أوساط الحركة الإسلامية بالاعتدال والوسطية.

وقد يكون من أهم اجتهادات الحركة تلك المرتبطة بالعلاقة بين العمل الدعوي والعمل السياسي، في ارتباط برؤية أشمل تهم مقاصد الحركة ومكانة الإصلاح السياسي فيها والعلاقة مع الحقل الديني الرسمي.

المراجعات الممهدة
1- القطيعة مع مطلب إقامة "الدولة الإسلامية"
يشكل كل من الموقف من النظام السياسي وطبيعة العلاقة معه واحدا من أهم التحولات الممهدة للتمييز بين الدعوي والسياسي.

وهكذا، برز تدريجيا لدى قيادات وأبناء الحركة الوعي بأهمية كون الدولة في المغرب ذات جذور تاريخية تمتد إلى أكثر من اثني عشر قرنا، وأنها ظلت باستمرار كيانا سياسيا مستقلا، والوعي بأهمية استنادها منذ البداية إلى الشرعية الدينية. فكان مبرر وجودها، على العموم، هو الدفاع عن الدين ونشره، وهو أيضا مبررها في الاستمرار، وذلك على الرغم من التحفظ على ممارسات قد تبرز أحيانا وتكون منافية للحكم الرشيد أو لمقاصد الدين.

وقد تعززت تلك الشرعية الدينية بالتنصيص في الدستور بعد الاستقلال على أن المغرب دولة إسلامية وأن الملك أمير المؤمنين. وبالتالي، فإن تأثير صدمة سقوط "الخلافة الإسلامية" على المغرب كان أخف بكثير منه على المشرق العربي، لأن الجميع يعتبر أن الدولة الإسلامية في المغرب مستمرة، لم تنقطع ولم تسقط. وقد أعطى ذلك ما عرف بـ"الخصوصية المغربية"، مما كان له تأثير بعيد المدى على السلوك الدعوي والتنظيمي والسياسي للحركة.

ومن تأثيرات ذلك، القطيعة التدريجية مع فكرة "إقامة الدولة الإسلامية" التي أخذت مفهوما انقلابيا طيلة عقود من القرن الماضي لدى بعض الحركات الإسلامية المشرقية، وبروز الحديث عن خطاب الإسهام في إقامة الدين بدل خطاب إقامة الدولة. وأكدت الحركة في أدبياتها على أن الدولة والمجتمع لا يخرجان عن صفتهما الإسلامية، وأن مبرر العمل الإسلامي هو الإسهام في إعطاء مضمون لهذه الصفة في الواقع والإسهام في تقويم الوهن في عرى الدين.

وقد ساعد هذا التحول ـمن بين عوامل أخرى أهمها البيئة السياسية في المغرب والانفتاح الذي بدأ يعرفه ـ في الحسم مع التفكير الانقلابي، والتبني النهائي للمنهج الإصلاحي في التغيير. ولهذا، تم سنة 1987 إصدار جريدة الإصلاح التي كان شعارها "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" }سورة هود، الآية 88{. وتم التوجه بحزم إلى تبني العمل في إطار الدستور والقوانين الجاري بها العمل، ومن داخل المؤسسات.

اعتمدت الحركة سياسة التخصصات، بالاحتفاظ بوظائف  الدعوة والتربية والتكوين، وتحويل الباقي إلى هيئات تتخصص فيها، تؤسس لهذا الغرض أو يدعم القائم منها في مختلف المجالات؛ وهي هيئات تخدم الفكرة أو المشروع نفسه، وتشتغل بشكل منسجم ومتكامل

2 - التبني النهائي للعمل المدني والمؤسساتي
فقد برزت عدد من المراجعات على مستوى نظرية العمل وأدوات الاشتغال؛ وكان أهمها التبني النهائي للعمل المدني والمؤسساتي (أي العمل من داخل مؤسسات المجتمع شعبية ورسمية)، وهي التي ارتبطت أيضا بتبني الإصلاح التدريجي والقطع مع الإصلاح بالطفرات أو فكرة "كل شيء أو لا شيء". وهكذا، برزت النسبية في المواقف من الأشخاص والهيئات وسهُل -بالتالي- التعاون مع الآخرين على الخير وفتحت قنوات الاتصال مع التوجهات الفكرية الأخرى دون تردد أو شعور بمركب نقص.

وتفاعلت هذه التحولات مع تسريع عدد من المراجعات النظرية والفكرية أضفت إلى تبني المفاهيم الحديثة في الخطاب مثل الديمقراطية والقبول بالآخر والتعددية الحزبية والتداول على السلطة.. وغيرها.

3- من التنظيم "الجماعة" إلى التنظيم "الرسالي"
كان من أهم التحولات أيضا الانتقال من تنظيم محوري ومركزي بهيكلة هرمية، إلى تنظيم مرن يجمعه مقصد إقامة الدين وإصلاح المجتمع، الذي تلتقي حوله مؤسسات وهيئات مستقلة تنظيميا تجمعها شراكة إستراتيجة في إطار خدمة نفس المشروع. وهكذا خرجت الحركة من التمحور حول "الجماعة" إلى التمحور حول الرسالة، ومن وحدة التنظيم إلى وحدة المشروع. فأصبح هدف التنظيم الأساس ليس هو تجميع الأنصار وتكثير الأعضاء، بل هو حمل الرسالة وإحداث الأثر في الواقع من حولهم، من تحقيق لمقاصد الدين وقيمه وإشاعة للخير والصلاح.

ولقد ترتب على ذلك أن اعتمدت الحركة سياسة التخصصات، بالاحتفاظ بوظائف ثلاث فقط هي: الدعوة والتربية والتكوين، وتحويل الباقي إلى هيئات تتخصص فيها، تؤسس لهذا الغرض أو يدعم القائم منها في مختلف المجالات. وهي هيئات تخدم الفكرة أو المشروع نفسه، وتشتغل بشكل منسجم ومتكامل، ولا تربطها بالحركة إلا علاقة تعاقد على الأهداف المشتركة في مجالات تخصصها مثل العمل النسائي، والطلابي، والطفولي، والإغاثي الاجتماعي، والإعلامي.. وبالمقابل قررت الحركة عقد شراكات إستراتيجية مع هيئات مستقلة قائمة في المجالين السياسي والنقابي.

بين الدعوي والسياسي
1- نشأة متدرجة
إن المقدمات السابقة تبرز أن التمايز الوظيفي بين حركة التوحيد والإصلاح باعتبارها هيئة دعوية مدنية وبين حزب العدالة والتنمية باعتباره هيئة سياسية تشتغل في مجال الشأن العام، كان جزءا من تحولات متنوعة، فكرية وتنظيمية وسياسية، عرفتها الحركة، ولم يكن إجراء معزولا.

بدأ هذا التمايز بين العمل الدعوي والعمل السياسي بوصفه إجراء عمليا في إطار التوجه نحو التخصص. وكان هناك منذ البداية إصرار على المضي فيه وتطويره. وساعد على ذلك وجود أعضاء قدماء أو جدد داخل الحزب ليسوا أعضاء في الحركة، وبالتالي لن يقبلوا هيمنة الحركة على قرارات الحزب.
لعل أهم تأثيرات هذا التمايز هو تمكين العمل الدعوي من أن يسير دون أن يخضع بشكل مباشر لتقلبات العمل السياسي أو إكراهاته أو حاجاته، وأن يمضي العمل السياسي في طريقه دون أن يؤثر -في المجمل- على العمل الدعوي
ففي سنة 1996عندما بدأ لأول مرة انخراط قيادات من الحركة في الأمانة العامة للحزب طرح السؤال هل يتعلق الأمر بتحالف أو باندماج بينهما، فقام المكتب التنفيذي للحركة بإصدار بيان ينص على أن الأمر "ليس انضماما من الأولى إلى الثانية، ولا تحالفا بين هيئتين"، وكل ما هنالك أن الأعضاء المهتمين بالعمل السياسي للحركة "سيمارسونه في إطار الحزب"، بينما ستستمر الحركة "قائمة بذاتها تقوم بمهامها كما كانت من قبل".

وفي سنة 1998 أصدرت الحركة ورقة حول "علاقة الحزب بالحركة" أكدت أن "كلا من حركة التوحيد والإصلاح وحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية (الذي سيصبح فيما بعد حزب العدالة والتنمية) هيئة مستقلة عن الأخرى استقلالا قانونيا وفعليا، وليس لأي منهما وصاية على الأخرى، ويجمعهما التشاور والتعاون والتنسيق".

ثم تطور هذا التوجه ليصبح خطا مرسوما متفقا عليه، صدرت حوله قرارات مؤطرة عن مجلس شورى الحركة، قاضية بالتمايز بين الحركة والحزب في مجالات العمل والرموز والخطاب، ثم أضحى من المراجعات الجوهرية والخيارات الإستراتيجية في مسار الحركة.

2- سمات التمايز
لتتضح طبيعة التحول الذي وقع نورد أهم ثلاث سمات تميزه.

-السمة الأولى: هي الاستقلالية التامة للمؤسسات المسؤولة عن الحزب عن المؤسسات المسؤولة عن الحركة، في إطار الشراكة بين الهيئتين. وهي شراكة تتميز بانتفاء تبعية أي منهما على الآخر أو الهيمنة عليه، مع الالتقاء العام في خدمة المشروع الإصلاحي للمجتمع واعتماد الحركة لحزب العدالة والتنمية إطارا للعمل السياسي لأعضائها.

وهكذا أقرت الحركة منظومة كاملة للتنافي في المسؤوليات التنفيذية وفي بعض الأعمال ذات الطبيعة الخاصة بين الهيئتين، فإضافة إلى التمايز التدريجي في القيادات المركزية، اعتمدت سلسلة من القرارات المتتالية تمنع مسؤولي الحركة في الهيئات التنفيذية من القمة إلى القاعدة وفي الأجهزة المكلفة بالوظائف الأساسية من الترشح ضمن لوائح الحزب أو من تولي مسؤوليات في مؤسساته، مع الإبقاء على السماح الأولي في الانتماء العادي له على أساس أنه حق دستوري حر مكفول لكل مواطن.

- السمة الثانية هي أن الحركة لا تهتم بالعمل السياسي المباشر واليومي المتعلق بالانتخابات والتنافس لعضوية المؤسسات، لكنها معنية بالأهداف العامة للعمل السياسي من رفع مستوى المشاركة في الانتخابات وحث الناس على التصويت على المرشحين الذي يقتنعون بهم، وحثهم على الدفاع عن قيم النزاهة والشفافية. وهي أدوار تقوم بها عديد من مؤسسات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم.

- السمة الثالثة هي أن الشراكة بين الحركة وحزب العدالة والتنمية لا تحول دون اختلافها معه أحيانا في بعض مواقفه السياسية، وقد تنتقد بعضا منها، وذلك كما هو الشأن بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني التي تتعاون عادة مع الهيئات السياسية التي تشترك معها في أهداف أو برامج.

تأثيرات التمايز
أما أهم تأثيرات هذا التمايز فهو تمكين العمل الدعوي من أن يسير دون أن يخضع بشكل مباشر لتقلبات العمل السياسي أو إكراهاته أو حاجاته، وأن يمضي العمل السياسي في طريقه دون أن يؤثر -في المجمل- على العمل الدعوي؛ وهو ما جعل حركة التوحيد والإصلاح تمضي في طريقها وتنفيذ برامجها، ولا تتأثر سلبا -على العموم- بالنشاط السياسي رغم حيويته وكثرة المعارك التي يخوضها حزب العدالة والتنمية باستمرار. وبذلك أضحى الجزء الأكبر من عمل حركة التوحيد والإصلاح مركزا جهوده على العمل الدعوي والتربوي والتكويني.
بقيت إشكالات عديدة في العلاقة بين الحزب والحركة تخضع للنقاش والتطوير المستمر مثل تغطية إعلام الحركة للعمل السياسي والحزبي، وتداخل الكفاءات بين الهيئتين، وحدود العلاقة في الخطاب بين الدعوي والحزبي
ومن ثمرات ذلك التمايز -الذي بدأ عمليا تنظيميا- أن رافقه نقاش فكري لا يزال -في رأينا- في بداياته حول علاقة الدين عموما بالسياسة، وحول نقاط الالتقاء والافتراق بينهما؛ وهو النقاش الذي وجد تطبيقات متفرقة على مستويات أثارت جدلا في المجتمع المغربي. فعمدت الحركة إلى العمل تدريجيا على إبعاد أي خلط بين منابر الدعوة ومنابر السياسية.

فمنعت الحركة مبكرا أي عضو من أعضائها له مهمة الخطابة أو الوعظ والإرشاد في المساجد، من الانتماء لحزب العدالة والتنمية أو الترشح في الانتخابات باسمه أو باسم غيره من الأحزاب، أو المشاركة في مهرجانات حزبية، انتخابية أو غير انتخابية. وهذا لا يمنعه بطبيعة الحال من القيام بإسداء النصح والمشاركة برأيه في السياسة بمفهومها العام وفقا للمقتضيات الشرعية والضوابط القانونية دون التحيز لحزب دون آخر. وهذا يسهم في إبعاد المنابر العامة للتوجيه الديني والدعوي عن التنافس الحزبي ويجعلها مؤطرة لجميع المواطنين دون أي ميز أو تفريق.

وبقيت إشكالات عديدة في العلاقة بين الحزب والحركة تخضع للنقاش والتطوير المستمر مثل تغطية إعلام الحركة للعمل السياسي والحزبي، وتداخل الكفاءات بين الهيئتين، وحدود العلاقة في الخطاب بين الدعوي والحزبي وهي القضايا التي سيظل التفاعل فيها مستمرا نحو الصيغ الأفضل لتحقيق المقاصد العامة للإصلاح، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التمايز بين الحركة والحزب.

هذه هي أهم التحولات والمراجعات التي عرفتها حركة التوحيد والإصلاح في موضوع تمييز العمل الدعوي عن العمل الحزبي، في إطار عمل تراكمي منهجي، وهي تجربة خطت خطوات مهمة لحد الساعة، وأثبتت نجاعة ونجاحا مقدرين في الواقع المغربي، وأضحت مفتوحة للدراسة والنقد، وربما للاستفادة والاستلهام من قبل حركات إسلامية عبر العالم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة