مؤتمر بيت لحم وترحيل الأزمات   
الثلاثاء 20/8/1430 هـ - الموافق 11/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 11:50 (مكة المكرمة)، 8:50 (غرينتش)
علي بدوان


غياب أول الرصاص وأول الحجارة
المقدمات غير الصحية
جدل الاتجاهات والامتصاص والاستيعاب
آفاق ما بعد المؤتمر

لم يشهد أي من مؤتمرات حركة فتح الخمسة السابقة التي عقدت منذ تأسيسها هذه الحراكات المدوية، وهذا الجدل الصارخ بل والصراخ المتأتي من كل حدب وصوب، من داخل الجسم الفتحاوي ذاته في الداخل الفلسطيني والشتات وعلى كافة مستوياته من الشعب التنظيمية وصولاً إلى اللجنة المركزية وما بينهما، ومن الاهتمام الملحوظ بين صفوف المثقفين والمتابعين وعموم المهتمين والأنتلجنسيا الفلسطينية.

وبالتأكيد فإن مرد الصراخ من جانب والاهتمام من جانب آخر، يعود أولاً لموقع حركة فتح ولمسؤولياتها المباشرة عن المسيرة الفلسطينية الرسمية طوال العقود الماضية، خصوصاً منها العقدين الأخيرين وتحديداً بعد انطلاقة مسيرة التسوية منذ مؤتمر مدريد نهاية العام 1991.

كما يعود ثانياً على خلفية وجود مؤشرات ضارة، بل وخطيرة تطل برأسها من بين صفوف فتح ذاتها، حيث ملامح غياب الوحدة أصبحت حاضرة بقوة وعلنية، ومظاهر الانقسام بادية في صفوفها على خلفية التباينات السياسية والتنظيمية التي ضربت أطنابها داخلها منذ سنوات خلت.

فهل يمكن الحديث عن نجاح حقيقي لأعمال المؤتمر، وهل يمكن القول بأن المؤتمر قد أسس لانطلاقة جديدة لحركة فتح أم أن الأمور باتت على سكة ثانية حيث أعيد فك وتركيب الهيئات القيادية لفتح كي تستجيب للمناخ السياسي الراهن واستحقاقاته.

غياب أول الرصاص وأول الحجارة
"
مؤتمر بيت لحم مؤتمر غير مسبوق في تاريخ حركة فتح لجهة الظروف الفلسطينية والإقليمية التي تحيط به، في ظل اضطراب عام طالها وطال الساحة الفلسطينية معها خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث شهدت الساحة أنهاراً وبحاراً من المياه التي تحركت داخل البيت الفلسطيني
"
وفي التفسير والنقاش، ننطلق في القول بأن مؤتمر بيت لحم مؤتمر غير مسبوق في تاريخ حركة فتح لجهة الظروف الفلسطينية والإقليمية التي تحيط به، في ظل اضطراب عام طالها وطال الساحة الفلسطينية معها خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث شهدت الساحة أنهاراً وبحاراً من المياه التي تحركت داخل البيت الفلسطيني.

فالمؤتمر العام السادس لفتح أول مؤتمر يعقد فوق أرض فلسطينية بعدما كانت فتح قد عقدت مؤتمراتها الخمسة السابقة خارج فلسطين. فقد عقد المؤتمر الأول لحركة فتح في بيروت عام 1959 قبل سنوات من انطلاقتها العلنية وتفجيرها للكفاح الفلسطيني المسلح في الفاتح من سبتمبر/ أيلول 1965، بعد أن وصلت عضويتها سنتذاك إلى (500) عضو فقط.

وبينما عقد مؤتمرها العام الثاني في بلدة الزبداني السورية عام 1968 (في معسكر كان يعود لمنظمة الصاعقة) وحضر افتتاحه أركان القيادة السورية آنذاك ممثلين بالرئيس الدكتور نور الدين الأتاسي، واللواء صلاح جديد الأمين العام المساعد لحزب البعث. وعقد مؤتمرها الثالث في معسكر حمورية الواقع في قلب غوطة دمشق بعد الخروج الفلسطيني المسلح من الأردن عام 1971 بحضور (158) عضواً.

وعقد مؤتمرها الرابع في المدينة التعليمية لأبناء شهداء ومجاهدي فلسطين بمنطقة عدرا إلى الشمال الشرقي من مدينة بدمشق عام 1979، وافتتح أعماله في حينها إلى جانب ياسر عرفات الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وجرى عقد المؤتمر الخامس في تونس العاصمة أواخر العام 1989.

كذلك ينعقد المؤتمر السادس لحركة فتح في ظل غياب عدد كبير من القيادات التاريخية المؤسسة لحركة فتح، وتحديداً التي عملت في ميدان العمل المسلح المباشر، والتي أطلقت الرصاصات الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة (أول الرصاص) بعد رحيل أكثر من ثلثي لجنتها المركزية بين مؤتمرين، وتحديداً منذ العام 1989 حيث رحل مؤسس الحركة ياسر عرفات الذي كان قادراً على ضبط الإيقاع الداخلي للمجموعات الفتحاوية المختلفة تحت سياساته وخطواته، كما رحل من قبله الرجل الثاني فيها والمايسترو السياسي لجموع الفتحاويين ومعسكراتهم المتقلبة ومسؤول الأمن الموحد صلاح مصباح خلف (أبو إياد) ومعه مسؤول أمن حركة فتح هايل عبد الحميد عيسى (أبو الهول) وصبحي عبد الحميد أبو كرش (أبو المنذر) وفيصل عبد القادر الحسيني (أبو العبد) والمنظر السياسي ومؤدلج التخريجات الفتحاوية الراحل خالد الحسن (أبو السعيد).

كما كانت حركة فتح قد فقدت من أعضاء لجنتها المركزية قبل المؤتمر الخامس كلاً من خليل إبراهيم الوزير (أبو جهاد) قائد قطاع الأرض المحتلة المسمى بالقطاع الغربي، والمهندس عبد الفتاح عيسى حمود، والقائد العسكري المؤسس لقوات العاصفة ومعسكرها التدريبي الأول في منطقة الهامة السورية أبو علي إياد (وليد أحمد نمر الحسين) وممدوح صبري صيدم (أبو صبري) محمد يوسف النجار (أبو يوسف) وكمال عدوان وماجد أبو شرار، وقائد غرفة العمليات العسكرية اللواء سعد صايل سلمان (أبوالوليد) ونمر صالح (أبو صالح).

فيما بقي على قيد الحياة من القيادة التاريخية المؤسسة أربعة أشخاص لم يكن لهم علاقة في أي يوم من الأيام بالعمل العسكري المسلح أو حتى الانتفاضي المباشر، وهم: فاروق القدومي (أبو اللطف) ومحمود عباس (أبو مازن) ومحمد راتب غنيم (أبو ماهر) وسليم الزعنون (أبو الأديب). فيما انخفضت عضوية مؤتمر بيت لحم من صانعي الانتفاضة الأولى والثانية والعديد من رموزهم الموجودين داخل زنازين الاحتلال من قادة ومؤسسي كتائب شهداء الأقصى كمروان البرغوثي وناصر عويس.

المقدمات غير الصحية
"
قدوم أكثر من ثلاثة أرباع المندوبين دون انتخاب من المؤتمرات الأدنى للمشاركة في مؤتمر فتح، يدل بشكل واضح على مدى التهتك والتراجع في البنى المؤسساتية للحركة، وهي البنى التي كان يفترض بالمؤتمر أن يعيد لها الحياة والحيوية
"
ولعل في القول بأن عملية الإعلان السريع عن عقد المؤتمر في بيت لحم دون تحضير دقيق على مستويات القاعدة التنظيمية عبر مؤتمرات فرعية لانتخاب المندوبين للمؤتمر يعزز من قولنا بأن المؤتمر لم يكن محطة جدية لإقلاع السفينة الفتحاوية، حيث تم تعويم المؤتمر انطلاقاً من حسن النوايا لزج أكبر عدد من الفتحاويين في معمعان نقاشاته كما يقول البعض، أو انطلاقاً من حسابات مقصودة ومدروسة على الأرجح، لإعادة قلب التحالفات بين الكتل والمعسكرات الفتحاوية داخله من خلال نفخ وتضخيم أرقام عضويته إلى نحو (2500) عضو غصت بهم فنادق ومنازل ودور رام الله وبيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، والقفز حتى عن قرار اللجنة التحضيرية الذي قال بأن عدد العضوية يقف عند رقم (1550) عضوا فقط كمندوبين لكافة الساحات والأقاليم والمؤسسات والهيئات الفتحاوية.

وبذا فقد تحول المؤتمر إلى أشبه بالمهرجان (الكرنفال) أو الاحتفال، تماماً كما كان حال المجالس الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية في دوراتها المتتالية التي بلغت إلى الآن (22) دورة منذ تأسيس المنظمة عام 1965.

فقد كانت تعقد كل دورة منها بحضور عرمري يختلط فيه الضيوف والحضور من الإعلاميين والسياسيين وكذا المرافقين والحراس مع أعضاء المجلس في كامل جلسات أعمال المجلس، لدرجة كانت فيها رئاسة المجلس تعجز عن عد الأيادي عند التصويت على أي من القرارات.

فضلاً عن التعويم المستمر الذي كان يتم عبر إضافات متتالية لأسماء جديدة حتى بات رئيس المجلس الوطني لا يعرف من هم كامل أعضاء المجلس... وهكذا. وبالمناسبة فإن عدد أعضاء المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني الذي يضم قرابة مائتي مليون عضو بلغت فقط (800) مندوب.

وبالتأكيد، فإن الحديث عن نفخ عضوية المؤتمر، وإحلال منطق التعيين بشكل طاغ، وبالتالي قدوم أكثر من ثلاثة أرباع المندوبين دون انتخاب من المؤتمرات الأدنى، يدل بشكل واضح على مدى التهتك والتراجع في البنى المؤسساتية لحركة فتح، وهي البنى التي كان يفترض بالمؤتمر أن يقف أمام حالها، وأن يعيد لها الحياة والحيوية بعد سنوات طويلة من التهميش والتراجع، وبعد سلسلة من التحولات التي اعترت الجسم التنظيمي لفتح ذاتها التي ضاعت ملامحها وبناها التنظيمية داخل أطر ومؤسسات السلطة، فتحولت حركة فتح لحزب السلطة في ظل نظام سياسي فلسطيني استولد كورقة كربون سيئة لحال أنظمة الحزب الواحد في البلدان العالمثالثية، كأي حزب من أحزاب الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد واللون الواحد بغض النظر عن محاولات تزيين الحضور السلطوي لحركة فتح في إطار السلطة بعدد من الفصائل التي تراجعت أدوارها بشكل مذهل خلال العقدين الماضيين، وتحولت لتوابع تدور حول الفلك السلطوي الفتحاوي في تراجع حتى عن صيغة منظمة التحرير الائتلافية باعتبارها المكون السياسي المعبر عن شخصية الشعب الفلسطيني الوطنية والاعتبارية كما هو مفروض.

جدل الاتجاهات والامتصاص والاستيعاب
وعليه، عقد المؤتمر العام السادس لحركة فتح وسط ظروف بالغة التعقيد، وفي أجواء من المعطيات التي تثير الشكوك والقلق. بين تيارات ومعسكرات تخوض سجالات قاسية فيما بينها وتتناول فيها عناوين خلافية على درجة عالية، بدءا من انطلاق البعض وبكلام دبلوماسي مدروس ومرتب ولكن بصراخ وعويل بالدفاع المستميت عن تحويل حركة فتح من منظمة مقاومة إلى حزب سلطة تحت الاحتلال، مروراً بمواقف آخرين في المؤتمر مطالبين بإنقاذ حركة فتح مما وصلت إليه، واتجاه ثالث يقول بغير هذا أو ذاك ويقدم مواقف مختلفة، حتى بات المتابع لما ينشر باسم حركة فتح، أو قطاعات منها، أو من خارج نطاقها، يجد نفسه في متاهة، تثير الحيرة على مستقبل حركة فتح، وعلى مدى جدية أعمال مؤتمر بيت لحم.

"
النقد اللاذع لحيثيات التحضيرات الناقصة لمؤتمر فتح، لا ينطلق من موقف كيدي قدر ما ينطلق من موقع ما نريده لحركة فتح من تصحيح لأوضاعها وإعادة توجيه مؤشر البوصلة الفتحاوية كما يجب أن يكون
"
فلو عدنا إلى الأجواء التي رافقت عملية التحضيرات التي جرت من أجل إنجاز عقد المؤتمر فإن جملة من الملاحظات الواسعة والمتشعبة تجعلنا نقف أمام أسئلة وتساؤلات تشي بأن الحصاد لم ولن يكون عسلاً صافياً أو حتى قمحاً ناضجاً، بل هو حصاد مهجن بين "القليل من القمح والكثير من الزوان" فالمؤتمر توصل إلى حل بعد العقد والاستعصاءات المتراكمة في صفوف حركة فتح وهيئاتها ومؤسساتها، بطريق التهدئة والامتصاص والاستيعاب، لكنه لم يستطع إيجاد الحلول الناجعة للكثير من القضايا الإشكالية التي مازالت تضرب أبواب البيت الفتحاوي بالرغم من أجواء المشاحنات داخل لجان المؤتمر عند نقاش القضايا المعلقة بجوانبها السياسية والتنظيمية وغيرها.

وبالطبع، فإن النقد اللاذع لحيثيات التحضيرات الناقصة لمؤتمر فتح، لا ينطلق من موقف كيدي قدر ما ينطلق من موقع ما نريده لحركة فتح من تصحيح لأوضاعها وإعادة توجيه مؤشر البوصلة الفتحاوية كما يجب أن يكون.

وعلى هذا الأساس فإن الأصوات الفتحاوية المخلصة كانت واضحة وفصيحة في مواقفها داخل قاعات ولجان عمل المؤتمر، حيث اشتعلت المعارك الكلامية بين مختلف الكتل والمعسكرات في إطار النقاشات السياسية والتنظيمية حيث علت أصوات من داخل المؤتمر تطالب بالتحقيق في قضية استشهاد الراحل ياسر عرفات، وكان صوت حسام خضر هو الأعلى حيث طالب أيضاً باستجواب جميع أعضاء اللجنة المركزية للحركة عما فعلوه وقدموه طوال العشرين سنة الماضية التي أعقبت انتخابهم لعضوية اللجنة.

آفاق ما بعد المؤتمر
وبكل الحالات، يمكن القول بأن مؤتمر بيت لحم، وإن نجح في الالتئام، وفي تحشيد آلاف الفتحاويين من مختلف المواقع التنظيمية والساحات في فلسطين والشتات، ومن كافة المعسكرات والاتجاهات السياسية والتنظيمية المتباينة داخل فتح، إلا أنه عجز عن إيجاد الحلول الناجعة لمجموعة العناوين والقضايا التي أنزلت الآلام بحركة فتح، وأجهدتها عبر سنوات طويلة من عمرها المنصرم، خصوصاً بعد فقدانها الغالبية من قياداتها الأولى التي كانت قادرة في أحلك الظروف على إعادة توحيد النغمة الفتحاوية في الأداء السياسي والتنظيمي.

وانطلاقاً من المعطى إياه، فإن احتمالات عودة نشاط المحاور والاصطفافات داخل فتح تبقى أمراً شبه مؤكد في ظل الحلول الترقيعية التي بنها مؤتمر بيت لحم عبر التحديدات التقييمية لمسار فتح في العقدين الماضيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة